أبو ظبى ، الامارات – بن غفير يطرح إخراج 1.86 مليون فلسطيني خلال 7 سنوات، ونتنياهو يتمسك بالسيطرة على أجزاء واسعة من القطاع. بينما تنص خطة ترامب ومجلس السلام على عدم إجبار سكان غزة على المغادرة. فمن يرسم شكل غزة بعد الحرب؟ ، لم تعد معركة غزة تدور فقط حول وقف إطلاق النار ونزع سلاح حماس، بل دخلت إلى معركة أكثر عمقًا: من يملك قرار من يبقى في القطاع ومن يغادره؟
في 3 سبتمبر 2026، كشف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عن خطة «الانفصال 710»، التي يصفها بأنها مشروع لـ«الهجرة الطوعية» لغالبية سكان غزة. وتستهدف الخطة مغادرة 250 ألف فلسطيني خلال العام الأول، و1.11 مليون خلال 3 سنوات، ونحو 1.86 مليون خلال 7 سنوات.
اللافت أن الخطة لا تتعامل مع الهجرة كخيار فردي، بل كمشروع حكومي؛ إذ تقترح إنشاء وزارة للهجرة، وتوفير السفر والسكن والتدريب والعمل ودعم يصل إلى 24 شهرًا، إلى جانب دفع أموال للدول التي تستقبل المغادرين. وتقدر الخطة التمويل الإسرائيلي الأولي بنحو 10 مليارات شيكل، مع إمكانية وصوله إلى 50 مليارًا بمشاركة دولية. لكن الرقم الأكبر، 1.86 مليون، يكشف جوهر المشروع. إذا تحقق، فلن نتحدث عن حركة هجرة محدودة، بل عن إعادة تشكيل الخريطة السكانية لغزة.
بن غفير يملك الخطة.. لكن لا يملك الوجهة
تطرح الخطة تركيا وإثيوبيا والكونغو ودولًا عربية كوجهات محتملة، إلا أن تنفيذها يتوقف على موافقة دول أخرى واستعدادها لاستقبال أعداد ضخمة من الفلسطينيين. ولا توجد حتى الآن دولة أعلنت قبولها استقبال 1.86 مليون شخص وفق هذا التصور. وهنا تظهر أول فجوة بين الورق والواقع: إسرائيل تستطيع تحديد عدد المغادرين المستهدف، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد الدول التي ستستقبلهم. كما أن أي خروج واسع النطاق يحتاج إلى ترتيبات حدودية ونقل وتمويل ووضع قانوني وممرات آمنة. هذا ما يجعل العملية مرتبطة بمواقف الولايات المتحدة ودول المنطقة، وفي مقدمتها الدول المحيطة بغزة.
ترامب يرسم خريطة مختلفة
المفارقة أن بن غفير يستند إلى تصريحات سابقة لترامب عن إمكانية مغادرة سكان غزة، لكن التصور الأمريكي الرسمي اللاحق أخذ اتجاهًا أكثر تعقيدًا. خطة ترامب ومجلس السلام تنص على أن لا أحد سيُجبر على مغادرة غزة، وأن من يختار الخروج يكون حرًا في ذلك وله حق العودة، مع تشجيع السكان على البقاء والمشاركة في إعادة الإعمار. كما تطرح الخطة إدارة فلسطينية تكنوقراطية وترتيبات أمنية وانسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا مرتبطًا بالوضع الأمني ونزع السلاح. وهنا يصبح التناقض واضحًا: بن غفير يحول الخروج إلى مشروع سياسي قابل للقياس، بينما خطة ترامب تجعل بقاء السكان جزءًا من مشروع إعادة إعمار غزة. لكن الخلاف لا يتوقف عند بن غفير وترامب.
نتنياهو يرسم الخريطة الثالثة
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتمسك بمقاربة مختلفة؛ فهو يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حماس، ويقول إن إسرائيل لن تنسحب من الخط الذي تسيطر عليه حاليًا. وقد أشار إلى أن قواتها تسيطر على نحو 60% من القطاع. وبذلك تظهر أمام غزة ثلاث خرائط متنافسة: بن غفير: تغيير ديموغرافي واسع عبر «الهجرة الطوعية» – نتنياهو: بقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية إلى حين تحقيق شروط أمنية – ترامب ومجلس السلام: انتقال سياسي وإعادة إعمار مع بقاء السكان وعدم إجبارهم على الرحيل. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول من سيحكم غزة، بل حول من يملك حق تحديد شكل سكانها ومستقبلها.
«الهجرة الطوعية».. أين يبدأ الإكراه؟
تصف خطة بن غفير المغادرة بأنها طوعية، لكن القانون الدولي يضع معيارًا أوسع من مجرد عدم إجبار الشخص جسديًا على ركوب وسيلة نقل. المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري أو الترحيل من الأراضي المحتلة، مع استثناءات محدودة للإجلاء المؤقت لأسباب أمنية أو عسكرية محددة. كما أن التقييم القانوني لمسألة «القسر» يمكن أن يشمل الظروف التي تجعل السكان يشعرون بأنه لا خيار حقيقي أمامهم سوى المغادرة. ومن هنا يبرز السؤال الأصعب: هل تكون المغادرة طوعية فعلًا إذا كان الاختيار بين البقاء في قطاع مدمر وظروف إنسانية قاسية، أو الحصول على سكن ودعم مالي وفرصة للعمل في دولة أخرى؟ الإجابة ليست محسومة بمجرد إطلاق وصف «طوعي». وإنما تتوقف على ظروف التنفيذ والخيارات الفعلية المتاحة للسكان.
واشنطن تملك مفتاحًا أساسيًا
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قال في 2 سبتمبر إن خطط تسهيل خروج سكان غزة ما زالت قيد البحث، لكنها «مجمّدة» بقرار من ترامب، مضيفًا أن إسرائيل مستعدة لتسهيل المغادرة بحرًا وجوًا وبوسائل أخرى إذا حصلت على الموافقة الأمريكية. وهذا يعني أن «الانفصال 710» ليس قرارًا إسرائيليًا مكتمل الأركان. فحتى إذا تبنته حكومة إسرائيلية مستقبلية، سيظل أمامه عدد من المفاتيح الخارجية: الموافقة الأمريكية، الدول المستقبلة، المعابر، التمويل، والترتيبات الإقليمية.
الانتخابات تجعل «710» أكثر من خطة
توقيت الإعلان مهم أيضًا؛ فالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026 تجعل الخطة جزءًا من المعركة السياسية داخل إسرائيل. بن غفير أعلن أن إنشاء وزارة للهجرة سيكون من المطالب الرئيسية لحزبه للمشاركة في الحكومة المقبلة. هذا ما يعني أن المشروع قد يتحول من برنامج انتخابي إلى مطلب ائتلافي إذا جاءت نتائج الانتخابات لمصلحة اليمين. ومن هذه الزاوية، قد لا تكون أهمية «الانفصال 710» في إمكانية تنفيذه فورًا، وإنما في تحويل فكرة إخراج السكان إلى سياسة يمكن أن تدخل برنامج الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
غزة بين 3 خرائط
عند جمع المعطيات، تبدو غزة أمام ثلاثة تصورات لليوم التالي، الأول يريد تقليص عدد سكان القطاع بصورة ضخمة، الثاني يريد إبقاء السيطرة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى أن تتحقق شروط نزع السلاح. أما الثالث فيريد إعادة إعمار القطاع وإدارة انتقالية مع بقاء السكان وعدم إجبارهم على الرحيل. لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: كم فلسطينيًا يريد بن غفير إخراجه؟ بل: من يملك «زر الخروج» أصلًا؟ فإذا انتصر مشروع بن غفير، يصبح خروج السكان جزءًا من هندسة غزة الجديدة. وإذا انتصر نتنياهو، تبقى السيطرة العسكرية مفتاح الخريطة. أما إذا تمكن ترامب ومجلس السلام من فرض تصورهما، فستصبح إعادة الإعمار وبقاء السكان وإدارة ما بعد الحرب أساس المرحلة المقبلة. وفي النهاية، قد لا يكون الصراع على من يحكم غزة فقط، بل على من يقرر من يبقى فيها أصلًا.



