- «الانفصال 710».. خطة ضخمة على الورق
- الدولة المستقبلة.. الحلقة الأصعب
- رفح.. البوابة التي لا تملك إسرائيل مفتاحها وحدها
- البحر والجو.. البديل الغامض
- 700 شخص يوميًا.. هل يمكن تنفيذها؟
- ترامب.. الموافقة التي تحتاجها إسرائيل
- من يملك مفتاح «الانفصال 710»؟
- المشكلة ليست في أول مليون.. بل في أول شخص
- «الانفصال 710».. خطة تبحث عن بوابة
أبو ظبى ، الامارات – لم تعد خطة «الانفصال 710» التي طرحها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مجرد تصور سياسي حول ما تسميه إسرائيل «الهجرة الطوعية» من قطاع غزة، بل تحولت إلى مشروع يتضمن أرقامًا محددة. إضافة إلى ذلك فهي تشمل تمويلًا مقترحًا ومسارات للسفر والاستقبال، وصولًا إلى هدف إخراج نحو 1.86 مليون فلسطيني خلال سبع سنوات.
لكن خلف هذه الأرقام تظهر فجوة أساسية: من أين سيخرج هؤلاء؟ ومن سيستقبلهم؟ ، فالخطة تتحدث عن مغادرة 250 ألف شخص خلال السنة الأولى، و1.11 مليون خلال ثلاث سنوات. ثم تشمل 1.86 مليون خلال سبع سنوات، مع توفير التأشيرات والسكن والتدريب والعمل والدعم المالي للمغادرين. غير أن تنفيذ هذه الأهداف لا يتوقف على القرار الإسرائيلي وحده. لأن كل شخص يغادر غزة يحتاج في النهاية إلى طريق خروج ودولة تقبل دخوله وتمنحه وضعًا قانونيًا ، وهنا تبدأ العقدة الحقيقية في «الانفصال 710».
«الانفصال 710».. خطة ضخمة على الورق
تضع الخطة تصورًا لمنظومة حكومية تتولى ملف «الهجرة الطوعية»، مع تمويل إسرائيلي أولي يقدر بنحو 10 مليارات شيكل، وإطار تمويلي قد يصل إلى 50 مليار شيكل بمشاركة دولية. وتشمل المنظومة تكاليف السفر، والسكن الأولي، والتدريب والعمل، ودعمًا للمغادرين قد يستمر لمدة تصل إلى 24 شهرًا، إلى جانب حوافز أو مدفوعات للجهات والدول التي تستقبلهم. لكن المال لا يحل المشكلة الأساسية ، فحتى لو توافرت الميزانية، تبقى هناك حاجة إلى دولة مستقبلة توافق على دخول هؤلاء الأشخاص وتمنحهم وضعًا قانونيًا. وبالتالي فإن الخطة، رغم أرقامها الكبيرة، تعتمد على قرارات تتخذ خارج إسرائيل.
الدولة المستقبلة.. الحلقة الأصعب
طرحت الخطة دولًا مختلفة باعتبارها وجهات محتملة، من بينها تركيا وإثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ودول عربية، مع الحديث عن مسارات مرتبطة بالعمل والتعليم والعلاج ولمّ شمل الأسر. لكن طرح دولة باعتبارها «وجهة محتملة» لا يعني أنها وافقت على استقبال أعداد كبيرة من سكان غزة. وهذه النقطة هي إحدى أهم الثغرات العملية في المشروع. فإذا كان الهدف إخراج 1.86 مليون شخص خلال سبع سنوات، فإن المطلوب ليس مجرد فتح باب للسفر. بل يتطلب أيضًا بناء منظومة استقبال دولية قادرة على توفير الإقامة والعمل والخدمات والوضع القانوني لمئات الآلاف ، حتى الآن، لا توجد موافقة معلنة من دولة على استقبال هذا العدد وفق مشروع «الانفصال 710».
رفح.. البوابة التي لا تملك إسرائيل مفتاحها وحدها
تزداد أهمية مصر بسبب الجغرافيا ، فقطاع غزة يرتبط برًا بمصر عبر معبر رفح، ما يجعل أي عملية خروج واسعة النطاق عبر البر مرتبطة بالجانب المصري وترتيباته الأمنية والسياسية. وقد أعيد فتح معبر رفح في 2026 بصورة محدودة، في إطار ترتيبات مرتبطة بوقف إطلاق النار. وهو ما يختلف جذريًا عن إنشاء ممر دائم لخروج مئات الآلاف من الفلسطينيين ، وهنا تظهر «المعادلة المصرية» داخل خطة الانفصال 710. السؤال ليس فقط: هل تقبل مصر تهجير الفلسطينيين؟ بل: هل تستطيع خطة بهذا الحجم أن تعمل أصلًا من دون مسار خروج عبر مصر؟ الإجابة العملية تعتمد على وجود بديل حقيقي، وليس مجرد إعلان سياسي.
البحر والجو.. البديل الغامض
إسرائيل بدأت بالفعل في طرح بدائل للمسار البري ، وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس قال إن إسرائيل مستعدة لتسهيل خروج سكان غزة «بكل الطرق الممكنة»، بما في ذلك البحر والجو، لكنه ربط ذلك بالحصول على موافقة أمريكية. وهذا يفتح سؤالًا جديدًا: هل تمتلك «الانفصال 710» بالفعل بنية تشغيلية تسمح بإخراج مئات الآلاف بحرًا وجوًا، أم أن هذه الخيارات لا تزال في إطار التصور السياسي؟ فالنقل البحري والجوي لا يعني ببساطة استبدال الحافلة بالسفينة أو الطائرة. هناك حاجة إلى نقطة مغادرة، وترتيبات أمنية، ووسائل نقل، ودول عبور عند الحاجة، ثم دولة استقبال تمنح الوضع القانوني للمغادرين. أي أن المشكلة الأساسية ستبقى موجودة، حتى لو تغيرت وسيلة النقل.
700 شخص يوميًا.. هل يمكن تنفيذها؟
الأرقام نفسها تكشف حجم التحدي ، إخراج 250 ألف شخص خلال عام يعني متوسطًا يقارب 685 شخصًا يوميًا ، أما الوصول إلى 1.86 مليون شخص خلال سبع سنوات فيعني متوسطًا يقترب من 726 شخصًا يوميًا طوال الفترة. وهذا ليس مجرد رقم إحصائي ، إنه يعني تشغيل منظومة حدود ونقل وفحص أمني وتأشيرات واستقبال وإقامة بصورة مستمرة، وبمعدل يومي مرتفع، لسنوات. ويصبح السؤال بالتالي أكثر تحديدًا: هل توجد أصلًا منظومة دولية جاهزة لإخراج أكثر من 700 شخص من غزة يوميًا، بصورة قانونية ومنظمة، واستقبالهم خارج القطاع؟ حتى الآن، لا توجد إجابة معلنة تؤكد وجود هذه المنظومة.
ترامب.. الموافقة التي تحتاجها إسرائيل
لا تستطيع إسرائيل تجاهل العامل الأمريكي في هذا الملف ، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب سبق أن طرح تصورات لنقل سكان قطاع غزة إلى دول أخرى، وهي أفكار واجهت رفضًا عربيًا ودوليًا واسعًا. واليوم يعيد المسؤولون الإسرائيليون طرح فكرة إخراج السكان، لكن تنفيذ مسار واسع يحتاج إلى غطاء سياسي أمريكي، خصوصًا إذا ارتبط باستخدام البحر أو الجو أو ترتيبات إقليمية تتجاوز حدود إسرائيل. وفي المقابل، تؤكد المواقف الأمريكية المعلنة رفض التهجير القسري، مع التشديد على أن من يغادر غزة ينبغي أن يتمكن من العودة. وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط الخطة حساسية ، متى تكون «الهجرة طوعية» فعلًا، ومتى تتحول الظروف المحيطة بالحرب والدمار والنزوح إلى عامل يدفع السكان إلى المغادرة؟
من يملك مفتاح «الانفصال 710»؟
عند تتبع رحلة شخص واحد داخل الخطة، تتغير الصورة بالكامل ، يبدأ المسار من غزة، ثم نقطة المغادرة، فالتفتيش، ثم المعبر أو الميناء أو المطار، وبعدها وسيلة النقل، وربما دولة عبور، ثم دولة الاستقبال، والتأشيرة، والإقامة، والعمل أو التعليم أو العلاج. كل محطة من هذه الرحلة تقع تحت سلطة جهة مختلفة. إسرائيل تستطيع تحديد الهدف وتمويل جزء من العملية. لكنها لا تستطيع بمفردها إصدار تأشيرة لدولة أخرى، أو إجبار دولة على استقبال مهاجرين، أو فتح معبر مصري، أو ضمان حق الإقامة في دولة ثالثة. وهنا تتحول خطة بن غفير من مشروع إسرائيلي إلى شبكة دولية متعددة الأطراف .
المشكلة ليست في أول مليون.. بل في أول شخص
قد تبدو معادلة 1.86 مليون فلسطيني هي القضية الأساسية، لكن الاختبار الحقيقي للخطة يبدأ قبل ذلك بكثير ، أين سيخرج أول شخص؟ ، ومن سيوافق على استقباله؟ ، ومن يمنحه التأشيرة؟ ، ومن يدفع تكلفة نقله؟ ، ومن يضمن إقامته؟ ، ومن يوفر له العمل أو التعليم؟ ، ومن يضمن حقه في العودة؟ ، إذا لم تكن هناك إجابة عملية ومعلنة عن هذه الأسئلة، فإن الأرقام الكبيرة تظل أهدافًا سياسية أكثر منها برنامجًا قابلًا للتنفيذ.
«الانفصال 710».. خطة تبحث عن بوابة
تكشف قراءة الخطة من زاوية لوجستية أن المشكلة ليست في قدرة إسرائيل على وضع الأرقام أو تخصيص الأموال، وإنما في الحلقة التي تبدأ خارج حدودها ، فـ«الانفصال 710» يحتاج إلى دول استقبال، ومسارات خروج، وترتيبات حدودية، وموافقات دولية، ونظام قانوني يحدد مصير المغادرين. مصر تمثل عقدة رئيسية في المسار البري. أما الولايات المتحدة فهي لاعب حاسم في أي ترتيبات إقليمية واسعة. بينما تظل دول الاستقبال الحلقة الأكثر غموضًا. ولهذا فإن السؤال الأهم لم يعد: هل وضعت إسرائيل خطة لإخراج 1.86 مليون فلسطيني من غزة؟ بل أصبح: من سيفتح الطريق أمام هذه الخطة؟ فإسرائيل تستطيع تحديد العدد، وتستطيع تخصيص الأموال، وتستطيع الحديث عن البحر والجو. لكنها لا تستطيع وحدها تحديد الوجهة. وفي النهاية، قد تكون أكبر ثغرة في «الانفصال 710» هي أن الخطة تعرف جيدًا من تريد إخراجه، لكنها لا تعرف حتى الآن من سيفتح له الباب.



