- القاهرة قبل «اليوم التالي»
- السيسي.. قناة القرار السياسي
- رشاد.. قناة التفاوض الأكثر حساسية
- لماذا تحتاج واشنطن إلى القاهرة؟
- معبر رفح.. من الحدود إلى اختبار التنفيذ
- مصر لا تريد أن ترث أزمة غزة
- العقدة الأصعب.. من يحكم غزة؟
- القاهرة بين واشنطن وحماس وإسرائيل
- الاختبار الإسرائيلي
- من «الوساطة» إلى «دبلوماسية التنفيذ»
- لماذا تبدو القاهرة مختلفة عن بقية الوسطاء؟
- ما الذي تريده القاهرة؟
- الاختبار بدأ فى القاهرة
القاهرة ، مصر ـ لم تعد القاهرة مجرد محطة للتفاوض بشأن غزة، بل تحولت إلى إحدى أهم نقاط اختبار المسار الذي تقوده واشنطن للانتقال من وقف الحرب إلى ترتيبات المرحلة التالية. ففي 16 أغسطس، استقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المبعوث الأميركي جاريد كوشنر في مدينة العلمين، بالتزامن مع اجتماع رئيس جهاز المخابرات العامة حسن رشاد مع وفد من حركة حماس برئاسة خليل الحية في القاهرة. كما عقد المبعوثون الأميركيون لقاءات مع وسطاء مصريين وقطريين وأتراك لدفع خطة واشنطن بشأن غزة. هذا التزامن يطرح سؤالًا يتجاوز تفاصيل الاجتماعات: لماذا أصبحت القاهرة نقطة إلتقاء المسارات الأميركية والفلسطينية والإقليمية قبل الانتقال إلى الاختبار الإسرائيلي؟
القاهرة قبل «اليوم التالي»
التحرك الحالي يأتي في مرحلة تغيرت فيها طبيعة المفاوضات. فلم يعد وقف إطلاق النار وحده هو القضية المركزية، بل برزت ملفات أكثر تعقيدًا تتعلق بمستقبل إدارة القطاع، وسلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، والأمن، وإعادة الإعمار، وترتيبات الحدود والمعابر. وتتضمن خارطة الطريق الأميركية المطروحة ترتيبات لنزع سلاح حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وإنشاء إدارة فلسطينية جديدة، إلى جانب ترتيبات أمنية وإعادة إعمار. إلا أن الخطة ما زالت تصطدم بخلافات جوهرية بين إسرائيل وحماس بشأن ترتيب الخطوات وضماناتها. ومن هنا تكتسب القاهرة أهمية إضافية، باعتبارها الدولة العربية الوحيدة التي تشترك بحدود مباشرة مع غزة، وتمتلك خبرة طويلة في إدارة الاتصالات بين الأطراف المعنية.
السيسي.. قناة القرار السياسي
لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي مع جاريد كوشنر في العلمين يمثل المستوى السياسي الأعلى للمسار المصري. وبحسب الرئاسة المصرية، تناول اللقاء تنفيذ اتفاق وقف الحرب في غزة وضرورة التزام الأطراف بتعهداتها، إلى جانب التطورات الإقليمية. وكان وزير الخارجية بدر عبدالعاطي ورئيس المخابرات العامة حسن رشاد ضمن الحضور. وتكمن أهمية اللقاء في أن القاهرة لا تتعامل مع الخطة الأميركية باعتبارها مبادرة بعيدة عن مصالحها، بل باعتبارها مسارًا ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الحدود المصرية ومستقبل قطاع غزة وترتيبات معبر رفح.
رشاد.. قناة التفاوض الأكثر حساسية
في المسار الموازي، استقبل حسن رشاد وفد حماس برئاسة خليل الحية. وتكتسب هذه المحادثات أهمية خاصة لأن طبيعة جهاز المخابرات العامة تسمح بإدارة الملفات الأمنية والسياسية الحساسة بعيدًا عن القنوات الدبلوماسية التقليدية. وقد جاء لقاء رشاد مع وفد حماس بالتزامن مع التحرك الأميركي في القاهرة، قبل اجتماع كوشنر مع قيادة الحركة، بما يعكس وجود مسارين متوازيين: مسار سياسي مع واشنطن، ومسار أمني تفاوضي مع حماس. ولا يعني ذلك أن القاهرة تملك قرار الحركة، وإنما يؤكد امتلاكها قناة اتصال مباشرة معها، وهو عنصر مهم في أي محاولة لتحويل المقترحات السياسية إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
لماذا تحتاج واشنطن إلى القاهرة؟
المعادلة لا تتعلق بالوساطة وحدها ، فمصر تمتلك مجموعة من عناصر التأثير التي تجعلها طرفًا يصعب تجاوز دوره في أي ترتيبات مستقبلية للقطاع، أبرزها الحدود مع غزة، ومعبر رفح، والعلاقات الأمنية مع إسرائيل، وقنوات الاتصال مع حماس والسلطة الفلسطينية، إلى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة. وتشير دراسات بحثية إلى أن القاهرة استخدمت موقعها على حدود غزة ومعبر رفح كأداة للتأثير في العلاقة مع حماس، كما حافظت على قنوات للمصالحة الفلسطينية والتنسيق الأمني مع إسرائيل. وبالتالي فإن الدور المصري الحالي يستند إلى بنية نفوذ تراكمت على مدى سنوات، وليس إلى تحرك دبلوماسي طارئ.
معبر رفح.. من الحدود إلى اختبار التنفيذ
في أي اتفاق مستقبلي، سيكون معبر رفح أحد أكثر الملفات حساسية. فإدارة حركة الأشخاص والمساعدات، وضبط الحدود، ومنع التهريب، والتعامل مع الترتيبات الأمنية الجديدة، كلها ملفات تتطلب تنسيقًا مباشرًا مع القاهرة. ولهذا حذرت دراسات دولية من أن أي فراغ أمني بعد انسحاب إسرائيلي محتمل سيكون مصدر قلق مباشر لمصر، التي تريد ضمانات إقليمية ودولية بألا تتحول إلى الطرف المسؤول وحده عن أمن غزة. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة المصرية وأحد أهم القيود عليها في الوقت نفسه.
مصر لا تريد أن ترث أزمة غزة
اتساع الدور المصري لا يعني أن القاهرة تريد تحمل مسؤولية إدارة القطاع. بل تشير التحليلات الدولية إلى أن مصر حريصة على ألا تتحول إلى الطرف الذي يتحمل منفردًا تكلفة أمن غزة أو إدارة أزماتها بعد أي انسحاب إسرائيلي. ولهذا تبدو القاهرة أكثر اهتمامًا بإنشاء ترتيبات متعددة الأطراف تتوزع فيها المسؤوليات الأمنية والسياسية والمالية، بدلًا من انتقال العبء بالكامل إلى مصر.
العقدة الأصعب.. من يحكم غزة؟
هنا تنتقل المفاوضات إلى جوهر «اليوم التالي» ، السؤال لم يعد فقط: كيف تتوقف الحرب؟ بل:
من يدير القطاع؟
من يتولى الأمن؟
ما مصير سلاح حماس؟
من يراقب الانسحاب الإسرائيلي؟
كيف تدار المعابر؟
ومن يشرف على إعادة الإعمار؟
وتشير الخطة الأميركية إلى إدارة فلسطينية مدنية جديدة، مع ترتيبات أمنية ونزع سلاح حماس، فيما لا تزال الحركة وإسرائيل تختلفان حول ترتيب هذه الخطوات وضماناتها.
القاهرة بين واشنطن وحماس وإسرائيل
المشهد الحالي يمكن قراءته باعتباره مثلثًا تفاوضيًا:
واشنطن تملك المبادرة والضغط السياسي.
حماس تملك قرارًا حاسمًا بشأن سلاحها ومستقبل دورها.
إسرائيل تملك القرار العسكري على الأرض وترفض، وفق المواقف المعلنة، الانسحاب قبل ضمان نزع سلاح الحركة بالكامل.
أما مصر فتتحرك في المساحة الفاصلة بين هذه الأطراف، إلى جانب قطر وتركيا، في محاولة لتقليص الفجوة قبل الوصول إلى مرحلة التفاوض المباشر على التفاصيل النهائية.
الاختبار الإسرائيلي
نجاح التحرك المصري والأميركي في القاهرة لا يعني أن الخطة أصبحت قريبة من التنفيذ. فالاختبار الأكثر صعوبة يظل مرتبطًا بالموقف الإسرائيلي. وتفيد تقارير حديثة بأن إسرائيل ترفض الانسحاب من غزة قبل ضمان نزع سلاح حماس، بينما تسعى واشنطن إلى دفع الأطراف نحو خارطة الطريق المقترحة. وبالتالي فإن القاهرة تستطيع تقريب المواقف وفتح قنوات الاتصال، لكنها لا تستطيع اتخاذ القرار نيابة عن الأطراف.
من «الوساطة» إلى «دبلوماسية التنفيذ»
هنا تظهر الزاوية الأهم في الدور المصري. الوساطة التقليدية تنتهي عند تقريب المواقف والتوصل إلى اتفاق. أما المرحلة المقبلة فتحتاج إلى شيء مختلف: ضمان استمرار الاتفاق بعد توقيعه. وهذا يعني التعامل مع ملفات يومية تشمل الحدود، والمساعدات، والمعابر، والأمن، والاتصالات بين الأطراف، وإعادة الإعمار. وتشير دراسات دولية إلى أن مصر ستكون لاعبًا مهمًا في هذه المرحلة، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى توزيع المسؤولية إقليميًا ودوليًا وعدم تركها وحدها أمام تداعيات أي فراغ أمني في القطاع.
لماذا تبدو القاهرة مختلفة عن بقية الوسطاء؟
الفرق الأساسي هو الجغرافيا. قطر وتركيا تستطيعان توفير قنوات سياسية مهمة. والولايات المتحدة تستطيع ممارسة الضغط وصياغة المبادرات. لكن مصر تقع مباشرة على حدود القطاع، وتمتلك معبر رفح وقنوات اتصال أمنية مع الأطراف الرئيسية. وهذا يجعل الدور المصري أكثر ارتباطًا بمرحلة التنفيذ وليس فقط بمرحلة التفاوض.
ما الذي تريده القاهرة؟
المواقف والتحليلات المصرية والدولية تشير إلى مجموعة من الأولويات المتداخلة:
حماية الأمن القومي المصري.
منع انتقال الفوضى المسلحة إلى سيناء.
رفض أي ترتيبات تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية.
ضمان استمرار تدفق المساعدات.
الحفاظ على دور فلسطيني في إدارة القطاع.
والأهم، منع تحول مصر إلى الطرف الذي يتحمل منفردًا تبعات إدارة غزة بعد الحرب.
هذه المعادلة تفسر لماذا تحاول القاهرة التأثير في ترتيبات «اليوم التالي» من دون السعي إلى الظهور كبديل عن الفلسطينيين في إدارة القطاع.
الاختبار بدأ فى القاهرة
المشهد الذي ظهر في القاهرة في 16 أغسطس يعكس تحولًا في طبيعة الدور المصري. فالسيسي يتحرك على مستوى القرار السياسي مع واشنطن، وحسن رشاد يدير قناة أمنية مباشرة مع حماس، فيما تمنح الجغرافيا المصرية القاهرة وزنًا خاصًا في ملفات الحدود والمعابر والمساعدات والترتيبات الأمنية. ولا يعني ذلك أن مصر ستدير غزة أو تملك وحدها مفاتيح المرحلة المقبلة. لكنها تمتلك مجموعة من الأوراق التي تجعل أي صيغة مستقرة لـ«اليوم التالي» بحاجة إلى تنسيق مصري مباشر.
وبذلك تنتقل القاهرة من دور الوسيط الذي يحاول إيقاف الحرب إلى دور الطرف الذي يحاول التأثير في شكل النظام الذي سيأتي بعدها.
والسؤال الذي سيحدد وزن مصر في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت ستدير غزة، وإنما: هل تستطيع القاهرة تحويل شبكة الاتصالات التي بنتها مع واشنطن وحماس والوسطاء إلى آلية عملية تضمن تنفيذ اتفاق اليوم التالي دون أن تتحول مصر إلى الطرف الذي يتحمل وحده كلفة الأزمة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية ، لكن المؤكد أن اختبار اليوم التالي بدأ سياسيًا في القاهرة قبل أن يبدأ ميدانيًا في غزة.


