القاهرة ، مصر – مع وصول خليل الحية إلى القاهرة لإجراء مباحثات بشأن مستقبل قطاع غزة، تنتقل المفاوضات من سؤال وقف الحرب إلى السؤال الأكثر تعقيدًا: من سيدير القطاع بعد انتهاء القتال؟ ومن سيتولى الأمن، ومن يملك قرار إعادة الإعمار؟ وتكتسب التحركات المصرية والأمريكية أهمية خاصة في ظل المساعي الرامية إلى تحويل خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ. لذا يفرض ذلك البحث مبكرًا في شكل السلطة التي ستنشأ في غزة، ودور حركة حماس والسلطة الفلسطينية وإسرائيل والقوى الدولية في المرحلة الانتقالية.
إدارة فلسطينية بلا حماس
السيناريو المطروح يقوم على تشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية تتولى إدارة الخدمات والمؤسسات المدنية في القطاع، بعيدًا عن البنية السياسية والعسكرية لحماس. وتشمل مهمتها إدارة الخدمات العامة والمساعدات والصحة والبنية التحتية، إلى جانب تهيئة الظروف لبدء عملية إعادة الإعمار. في المقابل تبقى الملفات السياسية والأمنية الكبرى مرتبطة بترتيبات أوسع. وبذلك لا تبدو الخطة مصممة لتسليم غزة مباشرة إلى السلطة الفلسطينية. وكذلك لا لإبقاء حماس في موقع الحكم، وإنما لإنشاء مرحلة انتقالية فلسطينية محدودة الصلاحيات.
مجلس دولي يمسك مفاتيح المرحلة
فوق الإدارة الفلسطينية المقترحة يظهر هيكل دولي يتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية وتعبئة التمويل ومتابعة تنفيذ الخطة. وهنا تكمن إحدى أهم سمات التصور الأمريكي: إدارة فلسطينية للداخل مقابل إشراف دولي على الملفات الكبرى، بما فيها إعادة الإعمار والأمن والتمويل. وتصبح الولايات المتحدة، في هذه الصيغة، صاحبة الدور الأبرز في إدارة المرحلة الانتقالية. خصوصًا إذا احتفظت واشنطن بدور القيادة داخل الهيكل الدولي المقترح.
العقدة الأصعب السلاح
يبقى ملف سلاح حماس والفصائل المسلحة العقبة الأكثر حساسية أمام تنفيذ أي صيغة للحكم. إسرائيل تربط انسحابها من القطاع بنزع سلاح حماس، بينما ترى الحركة أن مستقبل سلاحها لا يمكن فصله عن طبيعة الاتفاق والضمانات المتعلقة بوقف الحرب والانسحاب. ومن دون حل هذه المعادلة، يصعب الانتقال من الترتيبات السياسية إلى واقع أمني مستقر. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من يحكم غزة؟ وإنما كذلك من يملك القوة لفرض قرارات الحاكم الجديد؟ ، من يتولى الأمن؟
تطرح الخطة إنشاء قوة استقرار دولية تتولى مهام أمنية خلال المرحلة الانتقالية، بالتوازي مع بناء جهاز شرطة فلسطيني. ويعني ذلك أن الأمن في غزة قد لا ينتقل مباشرة إلى الأجهزة الفلسطينية، وإنما يمر بمرحلة مختلطة تشارك فيها قوة دولية إلى جانب مؤسسات أمنية فلسطينية يجري تشكيلها أو إعادة بنائها. أما إسرائيل، فمن المتوقع أن يرتبط انسحابها بمراحل تنفيذ الاتفاق والتحقق من الالتزامات الأمنية.
إسرائيل لن تختفي من المعادلة في اليوم الأول
حتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن الانسحاب الإسرائيلي الكامل لن يكون بالضرورة لحظة واحدة. فالترتيبات المقترحة تقوم على انسحاب تدريجي يرتبط بالتقدم في الملفات الأمنية، وعلى رأسها نزع السلاح. هذا يخلق معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل تريد ضمانات أمنية قبل الانسحاب. بينما تحتاج الإدارة الفلسطينية إلى مساحة جغرافية مستقرة كي تتمكن من ممارسة الحكم.
السلطة الفلسطينية حاضرة في نهاية الطريق. رغم عدم تولي السلطة الفلسطينية إدارة غزة فورًا، فإنها تظهر في التصورات الدولية باعتبارها الطرف الذي يمكن أن تنتقل إليه إدارة القطاع في مرحلة لاحقة. بشرط تنفيذ إصلاحات سياسية ومؤسسية وتوفير ضمانات للحكم الفعال. وبالتالي يمكن تصور المسار على النحو التالي:
حماس تخرج من الحكم → إدارة فلسطينية تكنوقراطية → إشراف دولي وأمني انتقالي → احتمال انتقال السلطة إلى السلطة الفلسطينية بعد الإصلاح. لكن هذا المسار يظل سياسيًا مشروطًا، وليس نتيجة مضمونة.
معركة إعادة الإعمار
الملف الاقتصادي سيكون أحد أهم مفاتيح السلطة في غزة. فالقطاع يحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء المساكن وشبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس والطرق والمنشآت الاقتصادية. ومن يمتلك القدرة على توفير التمويل سيكون قادرًا على التأثير بصورة مباشرة في أولويات المرحلة المقبلة. ولهذا فإن إعادة الإعمار ليست ملفًا اقتصاديًا فقط، بل جزء من معادلة النفوذ السياسي في غزة.
القاهرة.. حلقة الوصل
في هذه المعادلة تبرز مصر باعتبارها طرفًا محوريًا بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، إضافة إلى دورها التاريخي في الوساطة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية. ومن ثم، فإن مباحثات القاهرة لا تتعلق فقط بشروط وقف إطلاق النار، وإنما قد تشكل إحدى القنوات التي يجري عبرها اختبار قابلية حماس للاندماج في الترتيبات الجديدة. أو على الأقل تحديد حدود دورها بعد انتهاء الحرب.
أربعة سيناريوهات لليوم التالي
الأول: انتقال منظم
إدارة فلسطينية تكنوقراطية، قوة أمنية دولية، انسحاب إسرائيلي تدريجي، ثم انتقال لاحق للسلطة الفلسطينية.
الثاني: إدارة انتقالية مجزأة
تتولى اللجنة المدنية الخدمات، لكن تبقى مناطق النفوذ الأمني موزعة، ما يعرقل نشوء سلطة مركزية فعالة.
الثالث: عودة السلطة الفلسطينية
تنجح المرحلة الانتقالية وتنفذ السلطة إصلاحات مؤسسية، فتتولى إدارة القطاع بصورة تدريجية.
الرابع: انهيار الترتيبات
يفشل الاتفاق حول السلاح والانسحاب، فتعود غزة إلى حالة الفراغ الأمني والسياسي، ويتعطل مشروع إعادة الإعمار.
اتفاق قابل للتنفيذ
إذا تحولت خطة ترامب إلى اتفاق قابل للتنفيذ، فإن غزة لن تنتقل ببساطة من حماس إلى طرف فلسطيني آخر. بل ستدخل على الأرجح مرحلة انتقالية متعددة المستويات تتوزع فيها الصلاحيات بين إدارة فلسطينية مدنية، وإشراف دولي، وترتيبات أمنية دولية وفلسطينية، مع بقاء إسرائيل طرفًا مؤثرًا إلى حين اكتمال مراحل الانسحاب. لكن نجاح هذه الهندسة السياسية يتوقف على ثلاث معارك متشابكة: السلاح، الانسحاب، والشرعية السياسية.
ومن هنا تصبح زيارة خليل الحية إلى القاهرة أكثر من جولة تفاوضية؛ فهي تأتي في لحظة يجري فيها تحديد شكل السلطة التي ستملأ الفراغ في غزة، وحدود دور حماس، ومستقبل السلطة الفلسطينية. وكذلك الجهة التي ستملك مفاتيح الأمن وإعادة الإعمار.
فالاختبار الحقيقي لخطة ترامب لن يبدأ يوم إعلان وقف إطلاق النار، بل في اليوم التالي له.


