- البداية لا تكون بانهيار المياه
- بعد 30 يومًا.. تبدأ معركة التخزين
- بعد 90 يومًا.. إثيوبيا أمام معادلة الكهرباء
- بعد 120 يومًا.. السودان في منتصف المعادلة
- بعد 150 يومًا.. يصل الاختبار إلى مصر
- مصر وإثيوبيا.. روايتان لنهر واحد
- من يملك زر الطوارئ؟
- عندما يصبح الجفاف أزمة سياسية
- المعركة الثانية بدأت
- الخطر الأكبر ليس السد الجديد
القاهرة ، مصر ـ لم تعد أزمة سد النهضة تدور فقط حول حجم الخزان أو عدد سنوات الملء، بل تتجه تدريجيًا إلى اختبار أكثر حساسية: ماذا سيحدث عندما يواجه النيل الأزرق جفافًا ممتدًا، بينما تعمل منظومة السدود الإثيوبية وفق احتياجات توليد الكهرباء، وتحتاج مصر والسودان في الوقت نفسه إلى تدفقات مستقرة؟ هذا السيناريو يكتسب أهمية خاصة مع تصاعد الخلاف المصري ـ الإثيوبي بشأن مستقبل النيل الأزرق، بعد تأكيد القاهرة رفضها أي محاولة لفرض سيطرة أحادية على تدفقات النهر إلى دول المصب، في وقت تؤكد فيه أديس أبابا حقها في استغلال مواردها المائية لتحقيق التنمية وتوليد الكهرباء. لكن خلف التصريحات المتبادلة توجد معركة أكثر تعقيدًا: من يملك قرار تشغيل السدود عندما تدخل المنطقة سنوات جفاف متتالية؟
البداية لا تكون بانهيار المياه
يبدأ سيناريو الجفاف بصورة أقل دراماتيكية مما قد يتخيل البعض. الأمطار الموسمية في المرتفعات الإثيوبية تتراجع عن معدلاتها الطبيعية، ثم تبدأ التدفقات في الانخفاض تدريجيًا. ولا يظهر الأثر في مصر بصورة فورية، لأن الخزانات الكبرى تستطيع امتصاص جزء من الصدمة وتأجيل تأثيرها. لكن الدراسات الهيدرولوجية تؤكد أن تدفقات النيل شديدة التذبذب بين السنوات. وأظهرت إعادة بناء تاريخية للتدفقات عند أسوان أن الإيراد السنوي الطبيعي خلال الفترة من 1900 إلى 2018 تراوح بين نحو 45.6 و120 مليار متر مكعب، بمتوسط يقارب 86.5 مليار متر مكعب. وهنا تكمن المشكلة الأساسية: النهر لا يقدم كمية ثابتة من المياه كل عام، بينما احتياجات الدول لا تتوقف عندما تتراجع الأمطار.
بعد 30 يومًا.. تبدأ معركة التخزين
عندما تتراجع التدفقات، تتحول الخزانات من منشآت لتوليد الكهرباء وتوفير المياه إلى أدوات لإدارة الأزمة. وتصبح كل كمية مياه محتجزة اليوم جزءًا من القرار الذي ستتخذه الدول بعد أسابيع أو أشهر. وهنا يتقاطع سد النهضة مع السد العالي في منظومة واحدة، رغم وجودهما في دولتين مختلفتين. وتشير دراسات منشورة في دوريات علمية محكمة إلى أن إدارة الجفاف متعدد السنوات في حوض النيل الشرقي تعتمد بدرجة كبيرة على كيفية تنسيق تشغيل السدود وتبادل البيانات بين مصر والسودان وإثيوبيا. الخزان يستطيع تأجيل الأزمة.. لكنه لا يستطيع إلغاء الجفاف.
بعد 90 يومًا.. إثيوبيا أمام معادلة الكهرباء
بالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل سد النهضة في الأساس مشروعًا استراتيجيًا لإنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية.
وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية. في الظروف المائية الطبيعية، يمكن لإثيوبيا الاحتفاظ بالمياه وتشغيل التوربينات وفق احتياجاتها، بينما تحصل دول المصب على تدفقات منتظمة نسبيًا.
لكن الجفاف الطويل يفرض معادلة مختلفة:
كلما احتفظت إثيوبيا بالمياه لفترة أطول، زادت قدرتها على حماية مخزون السد وإنتاج الكهرباء مستقبلًا، وكلما أطلقت كميات أكبر، زادت التدفقات المتاحة لدول المصب. ولا يعني ذلك أن إثيوبيا أمام خيار بسيط بين «الكهرباء» و«المياه»، لكنه يكشف سبب أهمية قواعد التشغيل المشتركة في فترات الجفاف.
بعد 120 يومًا.. السودان في منتصف المعادلة
السودان هو أول دولة مصب تتعامل مباشرة مع التدفقات الخارجة من سد النهضة، ولذلك يمكن أن يكون أحد أكبر المستفيدين من تنظيم النهر، وفي الوقت نفسه أحد أكثر الأطراف تأثرًا بأي تغير مفاجئ في التدفقات. وتشير الدراسات إلى أن انتظام المياه يمكن أن يساعد السودان في تقليل مخاطر الفيضانات وتحسين تشغيل منشآته الكهرومائية والاستفادة من مياه الري.
لكن ذلك يتطلب شرطًا أساسيًا:
القدرة على معرفة ما يحدث أعلى النهر.
كمية المياه المخزنة؟
كمية المياه الداخلة؟
كمية المياه الخارجة؟
ومتى ستتغير معدلات الإطلاق؟
كلما زادت المنشآت على النيل الأزرق، أصبحت هذه البيانات أكثر أهمية.
بعد 150 يومًا.. يصل الاختبار إلى مصر
في هذه المرحلة يبدأ السد العالي في أداء وظيفته كخط دفاع أمام تقلبات الإيراد المائي. لكن مصر تواجه وضعًا مختلفًا جذريًا عن دول المنبع؛ فالنيل يمثل المصدر الرئيسي للمياه، بينما يرتبط الأمن المائي مباشرة بمياه الشرب والزراعة والصناعة. وتشير النماذج العلمية إلى أن التشغيل المنسق بين سد النهضة والسد العالي يمكن أن يقلل من آثار بعض سيناريوهات الجفاف، بينما يؤدي غياب التنسيق إلى زيادة الضغوط على مخزونات المياه. وتكمن الخطورة الأكبر في الجفاف متعدد السنوات وليس في سنة جافة منفردة. فالسنة الأولى يمكن امتصاص جزء من تأثيراتها. أما تكرار الجفاف فيستنزف المخزونات تدريجيًا ويحول كل قرار تشغيل إلى قضية سياسية.
مصر وإثيوبيا.. روايتان لنهر واحد
تستند الرؤية الإثيوبية إلى حق البلاد في استغلال مواردها الطبيعية لتوليد الطاقة وتحقيق التنمية، وتؤكد أديس أبابا أن سد النهضة يمكن أن يحقق فوائد لدول المنطقة من خلال تنظيم التدفقات وتوفير الكهرباء. في المقابل، تنظر القاهرة إلى المسألة من زاوية مختلفة: حق التنمية لا ينبغي أن يتحول إلى قدرة أحادية على التأثير في مورد مائي عابر للحدود. ومن هنا جاء التحذير المصري من أي سيطرة على تدفقات النيل إلى دول المصب.
والخلاف، في جوهره، لا يتعلق بمن يملك النهر، وإنما بمن يملك القدرة على اتخاذ قرار التشغيل عندما تصبح المياه شحيحة.
المفاجأة التي تكشفها الدراسات ، وتظهر النماذج أن السدود الإضافية المخصصة أساسًا لإنتاج الطاقة قد يكون تأثيرها على متوسط التدفقات محدودًا إذا لم تترافق مع توسع كبير في استخدام المياه للري. لكن الصورة تتغير عندما تدخل عمليات سحب المياه الزراعية والتخزين الإضافي والجفاف متعدد السنوات في الحسابات.
وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس وجود السد وحده، وإنما:
التخزين + الاستخدامات الجديدة للمياه + قواعد التشغيل + الجفاف.
من يملك زر الطوارئ؟
هذا هو السؤال الذي ستفرضه أول أزمة جفاف طويلة.
من يقرر كمية المياه التي يجب إطلاقها؟
من يقرر مقدار المياه التي يجب الاحتفاظ بها؟
هل تخفض إثيوبيا إنتاج الكهرباء؟
هل يقلص السودان استخداماته الزراعية؟
هل تبدأ مصر إجراءات أكثر صرامة لإدارة الطلب على المياه؟
ومن يحدد أصلًا أن المنطقة دخلت مرحلة «جفاف استثنائي»؟
هذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها السدود وحدها. ولا تستطيع الأقمار الصناعية أو النماذج الحسابية حسمها.
إنها تحتاج إلى قواعد تشغيل واضحة، وبيانات موثوقة، وآلية تنسيق قادرة على العمل في أسوأ الظروف.
عندما يصبح الجفاف أزمة سياسية
تقدم الأبحاث العلمية نقطة شديدة الأهمية: التعاون في تشغيل السدود لا يعني بالضرورة خسارة طرف لمصلحة طرف آخر. فالنماذج المنشورة في دوريات علمية تشير إلى إمكانية تحقيق مكاسب مشتركة من خلال تنسيق تشغيل السدود، بما يسمح لإثيوبيا بالحصول على فوائد الطاقة، وللسودان بالحصول على تدفقات أكثر انتظامًا، وتقليل مخاطر العجز المائي في مصر خلال بعض سيناريوهات الجفاف. لكن هذه النتيجة تعتمد على وجود تبادل للمعلومات وتنسيق فعلي في التشغيل. وهنا تحديدًا تلتقي الدراسة العلمية مع جوهر الموقف المصري.
المعركة الثانية بدأت
المعركة الأولى حول سد النهضة كانت معركة بناء وملء. أما المعركة التالية فقد تكون أكثر تعقيدًا:
معركة التشغيل. فمع كل منشأة جديدة على النيل الأزرق، تتعدد نقاط التخزين والتوليد، وتتزايد قدرة المنظومة على تنظيم توقيتات تدفق المياه. وفي المقابل، تزداد الحاجة إلى نظام موحد لإدارة الجفاف. وبذلك ينتقل السؤال من: هل تبني إثيوبيا سدًا جديدًا؟ إلى: كيف ستعمل منظومة السدود عندما لا تكفي المياه للجميع؟
الخطر الأكبر ليس السد الجديد
قد لا يكون أخطر سيناريو هو بناء سد إضافي بحد ذاته. الخطر الحقيقي هو أن تدخل المنطقة فترة جفاف ممتدة بينما تعمل عدة منشآت وفق قواعد وطنية منفصلة، من دون آلية ملزمة لإدارة الأزمة. عندها يمكن أن تتحول القرارات الفنية إلى قرارات سياسية:
خفض التخزين.
زيادة التوليد.
تأخير إطلاق المياه.
توسيع أو تقليص استخدامات الري.
إعادة ملء الخزانات.
وفي هذه اللحظة يصبح النهر نفسه ساحة تفاوض.


