أبو ظبى ، الامارات – لم يعد اختبار خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة مرتبطًا بوجود مسار سياسي من عدمه، بل بقدرة واشنطن على تحويل الخطة إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ على الأرض، في ظل رفض إسرائيلي لأجزاء أساسية منها. ويكتسب هذا الاختبار أهمية إضافية بعد بيان مشترك أصدرته مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا، دعت فيه الدول الثماني الولايات المتحدة إلى مواصلة دورها الفاعل لضمان التزام إسرائيل بالترتيبات الواردة في خطة ترامب ومنع عرقلة تنفيذها. وتزامن البيان مع تحركات أمريكية مكثفة في القاهرة لدفع مسار التسوية، في وقت لا تزال فيه إسرائيل وحركة حماس تختلفان حول الترتيبات الأمنية وتسلسل خطوات تنفيذ الخطة.
من إدانة إسرائيل إلى مطالبة واشنطن بالتدخل
لم يقتصر البيان العربي والإسلامي على انتقاد الموقف الإسرائيلي، إذ اعتبرت الدول الثماني أن رفض إسرائيل لخارطة الطريق يقوض الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وتحقيق سلام دائم. والأكثر دلالة في البيان كان توجيه رسالة مباشرة إلى واشنطن، عبر الدعوة إلى استمرار انخراطها الفاعل لضمان التزام إسرائيل بالترتيبات ومنع أي عرقلة لتنفيذ الخطة. ويعني ذلك سياسيًا أن الدول الموقعة لا تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها مجرد وسيط بين طرفي النزاع، وإنما باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على استخدام نفوذه لدى إسرائيل لدفع الاتفاق إلى الأمام. وتضم قائمة الدول الموقعة مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا، بما يعكس اتساع دائرة الدعم الإقليمي لخطة إنهاء الحرب.
خطة أمريكية تصطدم بشروط إسرائيل
تقوم خارطة الطريق الأمريكية على مجموعة من الإجراءات المتدرجة لإنهاء الحرب، من بينها وقف القتال، ونزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة، وانسحاب القوات الإسرائيلية بصورة تدريجية، وإنشاء ترتيبات أمنية وإدارية جديدة في قطاع غزة، وصولًا إلى إعادة الإعمار.
لكن الخلاف الرئيسي يتمحور حول تسلسل تنفيذ هذه الخطوات. وتتمسك إسرائيل، وفق تصريحات ومواقف نقلتها وسائل إعلام دولية، بضرورة نزع سلاح حماس بصورة كاملة قبل تنفيذ انسحاب إسرائيلي شامل من القطاع. في المقابل، تقوم الخطة الأمريكية على مسار تدريجي يربط التقدم في نزع السلاح بالانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية اللاحقة. وبذلك لا يدور الخلاف فقط حول الهدف النهائي، وإنما حول سؤال أكثر حساسية: من ينفذ أولًا، ومن يقدم الضمانات للطرف الآخر؟
واشنطن تتحرك من القاهرة
وفي محاولة لدفع المسار المتعثر، تحرك مسؤولون ومبعوثون أمريكيون في القاهرة، حيث جرت لقاءات مع وسطاء مصريين وقطريين وأتراك، إلى جانب اتصالات مع ممثلين عن حركة حماس. وتأتي هذه التحركات في إطار مساعٍ أمريكية لإعادة إطلاق المفاوضات بشأن تنفيذ خطة ترامب، وسط استمرار الخلافات حول نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي وترتيبات إدارة القطاع. وتمنح القاهرة أهمية خاصة لهذا المسار بحكم دورها في الوساطة واتصالاتها المباشرة بمختلف الأطراف، إضافة إلى موقعها الجغرافي وارتباطها المباشر بملف معبر رفح ومستقبل ترتيبات غزة.
الاختبار الأصعب لترامب
المفارقة السياسية في المشهد الحالي أن واشنطن تجد نفسها أمام اختبار مزدوج. فمن جهة، عليها إقناع حماس بالالتزام بمسار نزع السلاح والترتيبات الأمنية التي تتضمنها الخطة. ومن جهة أخرى، تواجه مهمة أكثر حساسية تتمثل في إقناع الحكومة الإسرائيلية بقبول الانسحاب المرحلي والالتزام بالترتيبات التي تتطلبها الخطة الأمريكية.
وهنا تتحول القضية من مجرد مفاوضات لإنهاء الحرب إلى اختبار لمدى قدرة الإدارة الأمريكية على استخدام نفوذها لدى أقرب حلفائها في المنطقة. فإذا تمكن ترامب من دفع الأطراف إلى تنفيذ الخطة، ستعزز واشنطن صورتها باعتبارها القوة القادرة على إنتاج ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في الشرق الأوسط. أما إذا بقيت الخطة معلقة بسبب الخلاف مع إسرائيل أو بسبب عدم قدرة الوسطاء على معالجة ملف سلاح حماس، فقد تواجه الإدارة الأمريكية سؤالًا أصعب حول حدود نفوذها وقدرتها على تحويل مبادراتها السياسية إلى واقع على الأرض.
إسرائيل وحماس.. عقدة الضمانات
تتمسك إسرائيل بضمانات أمنية تمنع عودة حماس إلى العمل العسكري، بينما تطالب الحركة بضمانات مقابلة تتعلق بوقف العمليات العسكرية والانسحاب الإسرائيلي. وبين الشرطين تتحرك واشنطن في محاولة لبناء صيغة مرحلية تسمح للطرفين بتنفيذ التزاماتهما بالتوازي. وهذه النقطة هي الأكثر تعقيدًا في الخطة، إذ إن نجاحها يتطلب وجود جهة قادرة على مراقبة التنفيذ والتحقق من الالتزام ومنع انهيار الترتيبات عند أول خلاف. وتتضمن الخطة الأمريكية تصورًا لنشر قوة استقرار دولية والمساعدة في حفظ الأمن وتوفير الظروف اللازمة لبدء إعادة إعمار القطاع، إلا أن تشكيل القوة وآليات عملها ومواعيد انتشارها تظل ملفات تحتاج إلى مزيد من التوافق.
لماذا يمثل البيان نقطة تحول؟
تكمن أهمية البيان العربي والإسلامي في أنه ينقل جزءًا من مسؤولية تنفيذ الخطة إلى واشنطن نفسها. فالدول الثماني لم تطالب إسرائيل فقط بالموافقة على الخطة، بل طالبت الولايات المتحدة باستخدام دورها ونفوذها لضمان تنفيذها. وهذا يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة دقيقة:
واشنطن صاحبة الخطة، وإسرائيل الحليف العسكري والسياسي الأهم، ومصر وقطر وتركيا أدوات رئيسية للوساطة، بينما تظل حماس الطرف الذي يفترض أن يتخلى عن قدراته العسكرية. وبالتالي فإن نجاح الخطة يتوقف على قدرة واشنطن على تنسيق هذه المصالح المتعارضة في مسار واحد.
ما الذي سيحدد نجاح الخطة؟
يمكن اختزال الاختبار المقبل في ثلاثة ملفات رئيسية:
أولًا: الموقف الإسرائيلي
هل تقبل الحكومة الإسرائيلية بالانسحاب المرحلي، أم تتمسك بنزع سلاح حماس بالكامل قبل أي انسحاب؟
ثانيًا: سلاح حماس
هل يمكن التوصل إلى جدول زمني وآلية تحقق مقبولة للحركة وإسرائيل والولايات المتحدة؟
ثالثًا: الضمانات الدولية
من يراقب تنفيذ الاتفاق؟ ومن يتدخل إذا خرق أحد الأطراف التزاماته؟
هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت خارطة الطريق قادرة على الانتقال من وثيقة سياسية إلى واقع ميداني.
اختبار النفوذ الأمريكي
لا تشير المعطيات المتاحة حتى الآن إلى أن واشنطن قررت استخدام أدوات ضغط قصوى لإجبار إسرائيل على قبول الخطة، لكن تحركات مبعوثي ترامب والرسالة التي حملها البيان العربي والإسلامي تكشف أن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطًا متزايدة لإثبات قدرتها على التنفيذ. ولهذا فإن المعركة السياسية المقبلة لن تدور فقط حول مستقبل قطاع غزة. إنها ستختبر أيضًا حدود النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
فإذا نجحت واشنطن في التوصل إلى صيغة تقبل بها إسرائيل وحماس، وبدأ الانسحاب ونزع السلاح والترتيبات الأمنية وإعادة الإعمار، فستكون قد أثبتت قدرتها على إدارة واحدة من أعقد أزمات المنطقة. أما إذا بقيت الخطة رهينة الخلافات بين الأطراف، فقد يصبح البيان العربي والإسلامي الأخير علامة على فجوة متزايدة بين ما تستطيع واشنطن اقتراحه وما تستطيع فرضه.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تنجح خطة ترامب في إنهاء الحرب؟بل أصبح: هل تملك واشنطن النفوذ الكافي لفرض السلام الذي اقترحته؟ وهذه الإجابة قد تحدد ليس فقط مستقبل غزة، وإنما أيضًا شكل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.


