- الطاقة.. نقطة البداية
- من النفط إلى النفوذ
- اتفاق الرياض وطهران.. الاختبار الدبلوماسي الأهم
- بكين تقترب من الخليج بحذر
- قاعدة جيبوتي.. أول خطوة عسكرية
- هرمز.. الاختبار الذي يكشف حدود القوة الصينية
- الصين لا تريد أن تصبح أمريكا أخرى
- معضلة إيران
- الخليج لا يبحث بالضرورة عن بديل أمريكي
- نحو منظومة أمن متعددة الشركاء
- الصين تمثل منظومة أمن جديدة وليست بديل
أبوظبي ، الامارات ـ مع إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، لم يعد السؤال المطروح في الخليج يتمثل فقط في حجم الوجود العسكري الأمريكي، وإنما في مستقبل منظومة الأمن الإقليمي نفسها: هل تظل واشنطن اللاعب الأمني الرئيسي، أم تستطيع الصين الانتقال من كونها شريكًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا إلى قوة قادرة على توفير ضمانات أمنية فعلية لدول الخليج؟
تملك بكين بالفعل مجموعة من الأوراق التي تجعلها مرشحًا مهمًا لهذا الدور؛ فهي من أكبر مستوردي الطاقة الخليجية، وترتبط بشراكات اقتصادية واستراتيجية مع السعودية والإمارات ودول أخرى، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع إيران، كما نجحت في مارس 2023 في رعاية استئناف العلاقات السعودية الإيرانية. لكن الانتقال من الوساطة السياسية إلى الضمان الأمني يظل مسارًا أكثر تعقيدًا، إذ يتطلب وجودًا عسكريًا دائمًا وقدرة على الردع والتدخل في أوقات الحرب، وهي مجالات لا تزال فيها الفجوة واسعة بين الصين والولايات المتحدة.
الطاقة.. نقطة البداية
يمثل الخليج بالنسبة إلى الصين أحد أهم مفاتيح أمنها الاقتصادي. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الصين استوردت في 2024 متوسط 11.1 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، وكانت السعودية والإمارات وإيران والعراق وعُمان من بين مصادر الإمدادات الرئيسية. وتزداد أهمية هذه العلاقة عند النظر إلى مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة الخليجية المتجهة إلى الأسواق الآسيوية.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط مر عبر المضيق خلال 2025، بما يعادل نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، فيما اتجه نحو 80% من التدفقات إلى الأسواق الآسيوية. وبالتالي فإن استقرار الخليج بالنسبة إلى بكين ليس قضية نفوذ جيوسياسي فقط، وإنما يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والاقتصاد الصيني.
من النفط إلى النفوذ
خلال السنوات الأخيرة، وسعت الصين حضورها في الخليج من تجارة الطاقة إلى الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والاتصالات والموانئ. لكن بكين اتبعت نموذجًا مختلفًا عن النموذج الأمريكي؛ فهي لم تبنِ شبكة تحالفات دفاعية واسعة، ولم تنشر قوات ضخمة في الخليج، بل ركزت على توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع مختلف الأطراف. وتشير دراسات بحثية حديثة إلى أن النفوذ الاقتصادي الصيني في الخليج أصبح عاملًا مؤثرًا في حسابات دول المنطقة، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى مظلة أمنية صينية مماثلة للمظلة الأمريكية. وهنا تكمن المفارقة: الصين تملك مصالح هائلة في أمن الخليج، لكنها لا تمتلك بعد القدرات العسكرية المنتشرة لحمايتها.
اتفاق الرياض وطهران.. الاختبار الدبلوماسي الأهم
كانت الوساطة الصينية بين السعودية وإيران عام 2023 نقطة تحول في صورة بكين داخل المنطقة. ففي مارس من ذلك العام أعلنت الرياض وطهران، برعاية صينية، الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح السفارات، في خطوة أظهرت قدرة بكين على التواصل مع خصمين إقليميين في وقت كانت فيه واشنطن تواجه صعوبة في لعب دور الوسيط بينهما. وأثبتت الخطوة أن الصين تستطيع استخدام قوتها الاقتصادية وعلاقاتها المتوازنة لبناء قنوات اتصال سياسية. لكن نجاح الوساطة لا يعني امتلاك القدرة على فرض السلام بالقوة. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للدور الصيني.
بكين تقترب من الخليج بحذر
لم تعد الصين تكتفي بالخطاب الاقتصادي. فقد كثفت تدريباتها البحرية مع دول المنطقة، وأجرت مناورات مشتركة مع السعودية، كما شاركت في تدريبات بحرية مع إيران وروسيا. وفي أكتوبر 2025 أجرت الصين والسعودية تدريبات بحرية مشتركة ركزت على المرافقة البحرية والبحث والإنقاذ ومكافحة الإرهاب وحماية السفن. وفي مارس من العام نفسه شاركت الصين وإيران وروسيا في مناورات بحرية قرب ميناء تشابهار الإيراني، تضمنت تدريبات على مكافحة القرصنة والبحث والإنقاذ والتعامل مع التهديدات البحرية. واللافت أن بكين تستطيع التعاون عسكريًا مع السعودية وإيران في الوقت نفسه، وهي ميزة دبلوماسية تمنحها مساحة للمناورة لا تتوافر بسهولة للولايات المتحدة.
قاعدة جيبوتي.. أول خطوة عسكرية
تملك الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي منذ 2017، وهي أول قاعدة عسكرية صينية خارج البلاد. ومن هناك شاركت البحرية الصينية في مهام مكافحة القرصنة وحماية السفن في خليج عدن، كما نفذت عمليات إجلاء وحماية للمواطنين الصينيين. وفي ديسمبر 2025 أعلنت وزارة الدفاع الصينية أن قوة المرافقة البحرية الصينية الـ47 أكملت مهمة استمرت 368 يومًا في خليج عدن، ورافقت أكثر من 100 سفينة صينية وأجنبية. لكن هذه الخبرة البحرية، رغم أهميتها، لا تعني أن الصين أصبحت قادرة على إدارة أمن الخليج في مواجهة حرب إقليمية واسعة.
هرمز.. الاختبار الذي يكشف حدود القوة الصينية
مضيق هرمز يمثل أهم اختبار محتمل للدور الصيني. فإذا تعطلت الملاحة في المضيق، فإن حماية التجارة الصينية تتطلب أكثر من سفن دورية أو عمليات مرافقة. ستحتاج بكين إلى منظومة متكاملة تشمل:
قواعد بحرية متقدمة، وطائرات استطلاع، ودفاعًا جويًا، وقدرات مضادة للألغام، وسفن إمداد، واستخبارات بحرية، وقدرة على حماية السفن في بيئة حرب. وهذه القدرات موجودة لدى الولايات المتحدة بدرجة أكبر بكثير من الصين.
ويشير تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الوجود الصيني الحالي لا يوفر لبكين قدرة مماثلة للوجود الأمريكي على حماية الملاحة في الخليج خلال مواجهة عسكرية واسعة. كما يوضح المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن الوجود العسكري الصيني في الشرق الأوسط ما زال محدودًا، وأن قاعدة جيبوتي والانتشار البحري الحالي يخدمان بالدرجة الأولى حماية المصالح الصينية ومكافحة القرصنة والإجلاء، وليس توفير مظلة ردع إقليمية شاملة.
الصين لا تريد أن تصبح أمريكا أخرى
العائق أمام تحول الصين إلى ضامن أمني للخليج ليس عسكريًا فقط. هناك أيضًا قرار سياسي صيني. فبكين لا تبدو راغبة في الدخول في شبكة التزامات عسكرية تشبه شبكة التحالفات الأمريكية. التحول إلى ضامن أمني يعني أن الصين قد تضطر إلى التدخل في أزمات لا تتعلق مباشرة بأمن أراضيها، وربما مواجهة إيران أو أطراف أخرى لحماية حلفائها أو خطوط التجارة. وتخلص تحليلات تشاتام هاوس إلى أن الصين لا تبدو مرشحة في المدى المنظور لتحل محل الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة، وإن كانت مرشحة للعب دور أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي.
معضلة إيران
تمثل إيران الاختبار الأكثر تعقيدًا. فالصين ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية متقدمة مع طهران، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بشراكات استراتيجية قوية مع السعودية والإمارات ودول الخليج. وهذه المعادلة تمنح بكين ميزة الوسيط، لكنها تحد من قدرتها على التحول إلى حليف عسكري لطرف ضد الآخر. فالدولة التي تريد الحفاظ على قنوات الاتصال مع الجميع ستجد صعوبة في الالتزام بالدفاع العسكري عن طرف واحد. وتشير تحليلات حديثة إلى أن دول الخليج تختبر بالفعل قدرة الصين على استخدام نفوذها لدى إيران لخفض التصعيد، بينما تفضل بكين استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي بدل الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
الخليج لا يبحث بالضرورة عن بديل أمريكي
رغم تصاعد الشكوك حول مدى استدامة الاعتماد على واشنطن، لا تبدو دول الخليج أمام خيار بسيط عنوانه:
أمريكا أم الصين؟ الأقرب هو البحث عن تنويع مصادر الأمن. فالولايات المتحدة تمتلك حتى الآن تفوقًا كبيرًا في الطيران والدفاع الجوي والاستخبارات والقواعد والانتشار العسكري، بينما توفر الصين أدوات مختلفة تتمثل في الاقتصاد والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والوساطة. وتشير دراسات حديثة إلى أن العلاقة الخليجية الصينية تقوم بدرجة أكبر على مفهوم التكامل وليس الاستبدال؛ أي الاستفادة من الصين دون التخلي بالضرورة عن الشراكة الأمنية الأمريكية.
نحو منظومة أمن متعددة الشركاء
قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو ظهور منظومة أمن خليجية متعددة الأطراف.
في هذا النموذج:
الولايات المتحدة تحتفظ بالدور العسكري المتقدم.
الصين توسع دورها الاقتصادي والدبلوماسي والبحري.
تركيا وباكستان تقتربان أكثر من الترتيبات الدفاعية الخليجية.
الدول الخليجية تزيد استثماراتها في قدراتها العسكرية والاستخباراتية والدفاع الجوي.
ويعكس الاتفاق الدفاعي الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026 هذا الاتجاه نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر تنوعًا.
الصين تمثل منظومة أمن جديدة وليست بديل
الصين تمتلك الكثير من عناصر القوة التي تؤهلها للعب دور أكبر في أمن الخليج: اقتصاد ضخم، واعتماد متزايد على الطاقة الخليجية، وعلاقات متوازنة مع السعودية وإيران، وقدرات بحرية متنامية، وقاعدة في جيبوتي، وشبكة واسعة من المصالح التجارية والاستثمارية. لكنها تفتقد حتى الآن إلى العناصر التي تحول القوة إلى ضمان أمني شامل:
قواعد عسكرية واسعة في الخليج، والتزامات دفاعية ملزمة، وانتشار جوي وبحري دائم، واستعداد سياسي لخوض حرب دفاعًا عن شركائها. ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل ستحل الصين محل الولايات المتحدة؟ بل: هل تستطيع الصين أن تصبح أحد أعمدة منظومة أمن خليجية جديدة لا تعتمد على قوة واحدة؟
المؤشرات الحالية ترجح أن هذا السيناريو أكثر واقعية. فبكين لا تحتاج إلى طرد واشنطن من الخليج كي تحقق نفوذًا أكبر؛ يكفي أن تصبح القوة التي لا تستطيع أي دولة إقليمية أو دولية تجاهلها عند بحث أمن الطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي.
وبينما تبقى الولايات المتحدة صاحبة الثقل العسكري الأكبر، تتحرك الصين لامتلاك مفتاح آخر: القدرة على جمع الخصوم حول طاولة واحدة، وربط أمن الخليج بمصالح الاقتصاد العالمي. وهنا قد يكون مستقبل أمن الخليج ليس في استبدال الضامن الأمريكي بضامن صيني، وإنما في الانتقال تدريجيًا إلى نظام أمني متعدد الشركاء تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ دون أن تمتلك أي منها وحدها مفاتيح المنطقة.


