- غزة.. الاختبار الأكبر للدور المصري
- أنقرة.. صفحة جديدة في إدارة الأزمات
- ليبيا.. الأمن القومي على الحدود الغربية
- من طرابلس إلى القاهرة.. مسار متواصل
- واشنطن.. الطرف الذي لا يمكن تجاهله
- فلسطين.. الاتصال مع أكثر من طرف
- الخريطة الكاملة.. ماذا تقول التحركات؟
- لماذا تتحرك القاهرة بهذه الطريقة؟
- الرجل الذي لا يظهر كثيرًا
- قوة القاهرة في قدرتها على التحدث مع المختلفين
القاهرة ، مصر – في منطقة تتقاطع فيها أزمات غزة وليبيا والسودان والقرن الأفريقي مع حسابات القوى الدولية، تظهر القاهرة بصورة متكررة في نقاط الاتصال بين أطراف متباينة، فيما يبرز رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد في عدد من اللقاءات المرتبطة بهذه الملفات. ولا تكشف اللقاءات المعلنة بطبيعتها ما يدور داخل القنوات السرية، لكنها ترسم، عند جمعها زمنيًا وجغرافيًا، خريطة للاتصالات التي تديرها القاهرة في ملفات ترتبط مباشرة بأمنها القومي وبالتوازنات الإقليمية.
ومن واشنطن وأنقرة إلى طرابلس وغزة، تشير الوقائع المعلنة إلى أن مصر تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع أطراف متعددة، بما يعزز موقعها كوسيط إقليمي في أزمات يصعب التعامل معها عبر المسارات الدبلوماسية التقليدية وحدها.
من داخل الجهاز إلى واجهة الملفات الإقليمية تولى حسن رشاد رئاسة جهاز المخابرات العامة المصرية في أكتوبر 2024، خلفًا للواء عباس كامل. ومنذ ذلك الحين، ظل حضوره الإعلامي محدودًا مقارنة بالمسؤولين السياسيين، وهو أمر يتناسب مع طبيعة منصبه، لكن اسمه ظهر في عدد من الملفات الإقليمية شديدة الحساسية.
وتبرز أهمية هذه التحركات ليس من خلال عدد اللقاءات فحسب، وإنما من خلال نوعية الأطراف التي التقاها والملفات التي ناقشها. فالقائمة تشمل مسؤولين أمريكيين وأتراكًا، وشخصيات فلسطينية، ومسؤولين ليبيين، إلى جانب مسؤولين من دول أفريقية. وهنا تظهر القاهرة باعتبارها نقطة اتصال بين مسارات مختلفة، لا باعتبارها الطرف الوحيد القادر على حسمها.
غزة.. الاختبار الأكبر للدور المصري
يظل قطاع غزة الملف الأكثر وضوحًا في خريطة الاتصالات المصرية. وتملك القاهرة خبرة طويلة في الوساطة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، فضلًا عن موقعها الجغرافي المباشر واتصالاتها مع مختلف الأطراف. وفي يونيو 2026، عقد رشاد مباحثات مع رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن في القاهرة، تناولت تطورات غزة وليبيا.
ولم يتوقف الأمر عند اللقاء المصري-التركي، إذ شارك المسؤولان في اجتماع مع قيادات من حركة حماس، بالتزامن مع وجود وفد للحركة في القاهرة لإجراء مباحثات بشأن تطورات اتفاق وقف إطلاق النار وخطة السلام الخاصة بالقطاع. وتكشف هذه الواقعة عن إحدى أهم وظائف القاهرة في الملف: توفير قناة اتصال تجمع أطرافًا لا تملك دائمًا قنوات مباشرة أو مستقرة فيما بينها. فواشنطن تضطلع بدور رئيسي في طرح مسارات التسوية، وقطر وتركيا تشاركان في الوساطة، بينما تبقى مصر طرفًا محوريًا بحكم موقعها وعلاقاتها واتصالاتها الممتدة مع الأطراف الفلسطينية.
أنقرة.. صفحة جديدة في إدارة الأزمات
يحمل تكرار الاتصالات بين القاهرة وأنقرة دلالة خاصة. فالعلاقات المصرية-التركية مرت لسنوات بمرحلة من التوتر السياسي، قبل أن تبدأ عملية تطبيع تدريجية أعادت العلاقات إلى مستوى أكثر استقرارًا. وفي الوقت الراهن، أصبحت ملفات مثل غزة وليبيا ساحات يتقاطع فيها اهتمام البلدين. ويظهر ذلك في لقاءات رشاد وإبراهيم قالن، التي لم تقتصر على العلاقات الثنائية، وإنما امتدت إلى أزمات إقليمية مشتركة. وهنا تتضح إحدى سمات السياسة المصرية: التعامل مع المصالح المشتركة حتى عندما توجد اختلافات سياسية حول بعض الملفات.
ليبيا.. الأمن القومي على الحدود الغربية
إذا كانت غزة تمثل نموذجًا للوساطة، فإن ليبيا تمثل بالنسبة لمصر ملفًا يرتبط بصورة مباشرة بأمنها القومي. وفي يونيو 2026، توجه حسن رشاد إلى العاصمة طرابلس، حيث التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة وعددًا من المسؤولين الليبيين. وتزامنت التحركات المصرية مع اتصالات مرتبطة بالمسار السياسي الليبي وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.
وفي القاهرة، التقى رشاد أيضًا الفريق أول صدام حفتر، بحضور مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية. وبحسب البيانات والتصريحات المعلنة، تناولت اللقاءات دعم الاستقرار في ليبيا وتقريب وجهات النظر والدفع باتجاه توحيد المؤسسات. وتكتسب هذه التحركات أهمية لأنها تظهر اتصال القاهرة بأطراف مختلفة من المشهد الليبي، في وقت لا يزال فيه الانقسام السياسي والأمني يمثل أحد أبرز تحديات البلاد.
من طرابلس إلى القاهرة.. مسار متواصل
لم تكن زيارة طرابلس محطة منفردة. ففي يوليو 2026، التقى رشاد وكيل وزارة الدفاع الليبية عبدالسلام الزوبي في القاهرة، وبحث الجانبان ملفات مرتبطة بالاستقرار الليبي وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. ويشير استمرار هذه الاتصالات إلى أن ليبيا بقيت ضمن الملفات النشطة على أجندة القاهرة، وليس مجرد قضية مرتبطة بزيارة واحدة أو لقاء عابر. كما أن تزامن بعض التحركات المصرية مع تحركات أمريكية وتركية في الملف الليبي يكشف طبيعة أكثر تعقيدًا للمشهد، حيث تتقاطع مصالح عدة قوى إقليمية ودولية حول مستقبل الدولة الليبية.
واشنطن.. الطرف الذي لا يمكن تجاهله
في المقابل، تظهر الولايات المتحدة باعتبارها إحدى القنوات الرئيسية في شبكة الاتصالات المصرية. وشارك حسن رشاد في اجتماعات للرئيس عبدالفتاح السيسي مع مسؤولين أمريكيين معنيين بالملفات العربية والأفريقية، بينهم مسعد بولس.
وتناولت هذه اللقاءات تطورات إقليمية متعددة، بما في ذلك غزة وليبيا والسودان وملفات أخرى. كما ظهر رشاد ضمن الوفد المصري في لقاءات رفيعة المستوى مع الإدارة الأمريكية، في سياق التنسيق بشأن أزمات المنطقة. لكن القراءة المهنية لهذه اللقاءات يجب أن تبقى في حدود ما أعلنته الجهات الرسمية: وجود رئيس المخابرات في هذه الاجتماعات يؤكد أهمية البعد الأمني في العلاقات المصرية-الأمريكية، لكنه لا يكشف وحده طبيعة أو نتائج الاتصالات غير المعلنة.
فلسطين.. الاتصال مع أكثر من طرف
لا تقتصر الاتصالات المصرية على حركة حماس. فقد شهدت القاهرة لقاءات واتصالات مع مسؤولين من السلطة الفلسطينية وقيادات حركة فتح، بالتوازي مع استمرار التواصل مع حماس. وتعكس هذه القنوات محاولة مصر الحفاظ على اتصال مع مختلف مكونات المشهد الفلسطيني، في وقت يرتبط فيه مستقبل غزة أيضًا بأسئلة أكبر حول الإدارة الفلسطينية وإعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب. وبذلك، لا تتعامل القاهرة مع الملف الفلسطيني من زاوية عسكرية أو أمنية فقط، وإنما تحاول الحفاظ على موقعها في النقاش المتعلق بمستقبل القطاع والنظام السياسي الفلسطيني.
جنوب السودان.. الوجه الأقل ظهورًا
بعيدًا عن غزة وليبيا، تمتد شبكة الاتصالات المصرية إلى جنوب السودان.
وفي فبراير 2026، التقى حسن رشاد وفدًا رفيع المستوى من جنوب السودان برئاسة توت جلواك، مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية.
وبحث اللقاء التعاون بين البلدين في قضايا مرتبطة بالأمن والاستقرار الإقليمي.
وقد تبدو هذه المحطة أقل حضورًا في الإعلام مقارنة بغزة، لكنها تكتسب أهميتها من موقع جنوب السودان في منطقة النيل والقرن الأفريقي.
وهنا تظهر دائرة أخرى من مفهوم الأمن المصري، تمتد جنوبًا إلى ملفات النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
الخريطة الكاملة.. ماذا تقول التحركات؟
عند وضع اللقاءات المعلنة في صورة واحدة، تظهر أمامنا خريطة متعددة الاتجاهات:
غزة: وساطة واتصالات مع الأطراف الفلسطينية.
ليبيا: أمن الحدود ودعم المسار السياسي وتوحيد المؤسسات.
تركيا: تنسيق حول ملفات إقليمية مشتركة.
الولايات المتحدة: تشاور بشأن أزمات الشرق الأوسط وأفريقيا.
فلسطين: تواصل مع حماس والسلطة الفلسطينية.
جنوب السودان: تعاون أمني وإقليمي مرتبط بمنطقة النيل.
هذه الخريطة لا تعني أن القاهرة تمتلك مفتاح كل أزمة، لكنها تكشف اتساع دوائر الاتصال المصرية وتنوع الأطراف التي تتعامل معها.
لماذا تتحرك القاهرة بهذه الطريقة؟
تقع مصر في نقطة جغرافية تجعلها متأثرة مباشرة بعدد من أزمات المنطقة.
غزة على حدودها الشرقية.
ليبيا على حدودها الغربية.
السودان جنوبًا.
والبحر الأحمر والقرن الأفريقي في نطاقها الاستراتيجي.
وفي الوقت نفسه، ترتبط مصر بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلاقات متطورة مع تركيا، وشراكات واسعة مع دول الخليج، وقنوات اتصال مع أطراف فلسطينية وليبية متعددة. لذلك، فإن الحفاظ على قنوات اتصال متوازية يمكن أن يمثل بالنسبة للقاهرة أداة لإدارة المخاطر قبل أن تتحول الأزمات الإقليمية إلى تهديدات مباشرة للمصالح المصرية.
الرجل الذي لا يظهر كثيرًا
تكمن أهمية حسن رشاد الصحفية في المفارقة بين قلة ظهوره الإعلامي واتساع الملفات التي يظهر فيها اسمه. فهو ليس مسؤولًا دبلوماسيًا يصدر بيانات يومية، ولا يظهر عادة في المؤتمرات الصحفية. لكن عندما تنتقل الأزمة إلى مرحلة الاتصالات الأمنية والتفاوض غير المباشر، يظهر اسم رئيس المخابرات ضمن المشهد.
قوة القاهرة في قدرتها على التحدث مع المختلفين
تكشف خريطة التحركات المعلنة لحسن رشاد خلال الفترة الأخيرة عن نمط واضح: مصر تحاول ألا تترك أيًا من الملفات المحيطة بها خارج نطاق الاتصال المباشر.
في غزة، تتحدث مع أطراف فلسطينية وتنسق مع القوى الدولية والإقليمية.
وفي ليبيا، تتعامل مع أطراف مختلفة من المشهد السياسي والأمني.
ومع تركيا، تنسق حول ملفات كانت حتى وقت قريب مصدر تنافس بين البلدين.
ومع واشنطن، تحافظ على قناة مباشرة في الملفات الإقليمية.
وفي أفريقيا، تتابع قضايا ترتبط بالنيل والأمن الإقليمي.
وهكذا، فإن قصة حسن رشاد لا تكمن فقط في شخصه، وإنما في الخريطة التي تتحرك عبرها المؤسسة التي يرأسها.
فالرجل الذي لا يظهر كثيرًا يظهر اسمه عندما تصبح الأزمات بحاجة إلى قنوات اتصال. والسؤال الأهم ليس ماذا يحدث خلف الأبواب المغلقة، فهذا لا يمكن معرفته من دون مصادر مباشرة، وإنما: لماذا تحرص القاهرة على أن تكون حاضرة في معظم نقاط الاتصال عندما تنتقل أزمات المنطقة من المواجهة إلى التفاوض؟
الوقائع المعلنة تقدم إجابة أولية: لأن موقع مصر الجغرافي ومصالحها الأمنية وشبكة علاقاتها الإقليمية تجعل الانكفاء عن هذه الأزمات أكثر كلفة من المشاركة في إدارتها. وهنا تتحول المخابرات العامة، بعيدًا عن الأضواء، إلى إحدى الأدوات التي تستخدمها القاهرة للحفاظ على موقعها كلاعب اتصال ووساطة واستقرار في إقليم سريع التغير.


