- غزة.. العقدة التي تتجاوز حدود القطاع
- لبنان.. الردع الذي يتحول إلى مشكلة
- سوريا.. اختبار الانتقال من القوة إلى الترتيب الأمني
- إيران.. عندما يصبح الردع جزءًا من الأزمة
- الخليج والبحر الأحمر.. عندما تصل الحرب إلى الاقتصاد العالمي
- أمريكا.. الردع بالقوة والدبلوماسية
- المعضلة التي تجمع الخرائط الخمس
- الأمن الإسرائيلي وحده لا يكفي
- الخليج يريد الأمن لا الحرب
- الخطر الأكبر.. حرب لا يريدها أحد
- من يطفئ الشرق الأوسط؟
- من يستطيع منع الحرب التالية؟
أبو ظبى ، الامارات – لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في الشرق الأوسط هو من يملك القدرة على خوض الحرب، وإنما من يملك القدرة على منع الحرب التالية. فمن غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، وصولًا إلى الخليج والبحر الأحمر، تتقاطع خلال المرحلة الراهنة عمليات عسكرية وحسابات ردع وتحركات دبلوماسية في مشهد واحد شديد التعقيد. كل طرف تقريبًا يقدم تحركاته باعتبارها دفاعًا عن أمنه أو محاولة لمنع خصمه من توجيه ضربة مستقبلية، لكن تراكم هذه الإجراءات يرفع في الوقت نفسه احتمالات سوء التقدير والانزلاق إلى مواجهة أوسع. وتكشف قراءة المشهد من خلال خمس ساحات رئيسية أن الشرق الأوسط لا يواجه حربًا واحدة، بقدر ما يواجه سلسلة أزمات مترابطة يمكن أن تنتقل شرارتها من جبهة إلى أخرى.
غزة.. العقدة التي تتجاوز حدود القطاع
تبقى غزة مركز الثقل الأول في المعادلة. فالخلاف لم يعد يقتصر على وقف القتال، وإنما امتد إلى شكل المرحلة التالية: مستقبل الحكم في القطاع، ومصير سلاح الفصائل، والوجود العسكري الإسرائيلي، وترتيبات الأمن وإعادة الإعمار. وتزامن استمرار العمليات العسكرية مع تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة بالتعاون مع مصر وقطر وتركيا، في محاولة لدفع مسار سياسي ينهي الحرب ويفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة في القطاع.
وتتمسك إسرائيل، وفق مواقفها المعلنة، بضرورة منع إعادة بناء القدرات العسكرية التي يمكن أن تهدد أمنها، بينما ترى حماس أن سلاحها يمثل ورقة أساسية في أي ترتيبات تفاوضية. وهنا تظهر أولى مفارقات الأزمة: الأمن الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه عسكريًا يظل مرتبطًا في النهاية بسؤال سياسي يتعلق بمستقبل الفلسطينيين وغزة.
لبنان.. الردع الذي يتحول إلى مشكلة
على الجبهة اللبنانية، تبدو معادلة الردع أكثر تعقيدًا. إسرائيل تعتبر القدرات العسكرية لحزب الله تهديدًا مباشرًا لأمنها، بينما يرى الحزب أن الاحتفاظ بالسلاح جزء من قدرته على الردع. وبالتوازي مع العمليات العسكرية والضغوط السياسية، ظهرت محاولات لإيجاد ترتيبات تسمح بتثبيت الهدوء وإعادة تنظيم الوضع الأمني في الجنوب اللبناني. لكن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة، مقابل استمرار المخاوف الإسرائيلية، يبقي الجبهة قابلة للاشتعال. والنتيجة أن كل طرف يرى في قدرات الآخر سببًا لتعزيز إجراءاته الأمنية، بما يعيد إنتاج معضلة الأمن بصورة متكررة.
سوريا.. اختبار الانتقال من القوة إلى الترتيب الأمني
في سوريا، تختلف الصورة نسبيًا. فدمشق تسعى إلى بناء ترتيبات أمنية مع إسرائيل، بينما لا تزال الملفات الحدودية والسياسية والأمنية مفتوحة، وسط استمرار عمليات إسرائيلية داخل الأراضي السورية. وتكتسب الساحة السورية أهمية استثنائية بسبب موقعها بين إسرائيل ولبنان والعراق وإيران، ما يجعل استقرارها عنصرًا أساسيًا في منع تحولها مجددًا إلى ساحة للمواجهة بالوكالة. ومن هنا، فإن نجاح أي ترتيبات أمنية سورية ـ إسرائيلية لن يكون مجرد اتفاق ثنائي، بل يمكن أن يمثل اختبارًا لقدرة المنطقة على الانتقال من منطق الضربات الوقائية إلى منطق إدارة المخاطر عبر التفاهمات.
إيران.. عندما يصبح الردع جزءًا من الأزمة
تمثل إيران الحلقة الأكثر حساسية في منظومة الأمن الإقليمي. فطهران تنظر إلى قدراتها العسكرية وشبكة علاقاتها الإقليمية باعتبارها أدوات ردع في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تنظر إسرائيل وواشنطن إلى بعض هذه القدرات باعتبارها مصادر تهديد يجب احتواؤها. وبعد المواجهات الأخيرة، أصبحت معادلة الردع أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع انتقال جزء من التنافس إلى المجال البحري. فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية، يمكن أن يتحول في أي مواجهة إلى ورقة ضغط استراتيجية، بما يجعل تأثير الصراع يتجاوز الشرق الأوسط إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
الخليج والبحر الأحمر.. عندما تصل الحرب إلى الاقتصاد العالمي
أخطر ما في المشهد الراهن أن الصراع لم يعد محصورًا في ساحات القتال. فالتوترات حول مضيق هرمز وباب المندب أظهرت أن أمن الملاحة أصبح جزءًا من معادلة الردع. وأي اضطراب طويل في الممرين يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وإعادة توجيه السفن، وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية. وهكذا تنتقل نتائج الصراع من الميدان العسكري إلى الاقتصاد العالمي. صاروخ واحد قد يصيب سفينة، لكن تأثيره يمكن أن يصل إلى موانئ وأسواق وشركات في قارات أخرى.
أمريكا.. الردع بالقوة والدبلوماسية
واشنطن تتحرك على مسارين متوازيين.
الأول عسكري، من خلال الحفاظ على وجود قوي في المنطقة وحماية القوات والمصالح الأمريكية والحلفاء.
والثاني دبلوماسي، عبر محاولة دفع ترتيبات لوقف القتال واحتواء الأزمات، خصوصًا في غزة.
لكن هذا الدور يحمل مفارقة واضحة؛ فزيادة الانتشار العسكري الأمريكي تهدف إلى ردع الخصوم، إلا أنها قد تُقرأ في طهران أو لدى جماعات مسلحة باعتبارها استعدادًا لمواجهة جديدة. وبذلك تصبح القوة الأمريكية في الوقت نفسه أداة للردع وأحد عناصر الحسابات التي قد تؤدي إلى التصعيد.
المعضلة التي تجمع الخرائط الخمس
عند وضع غزة ولبنان وسوريا وإيران والخليج والبحر الأحمر على خريطة واحدة، تظهر معادلة مختلفة.
إسرائيل تريد منع التهديد قبل وصوله إلى حدودها.
إيران تريد رفع كلفة استهدافها.
حزب الله يريد الحفاظ على قدرة الردع.
الفصائل الفلسطينية تريد الاحتفاظ بأوراق قوة في مواجهة إسرائيل.
الولايات المتحدة تريد منع خصومها من توسيع نفوذهم، وفي الوقت نفسه تجنب حرب إقليمية شاملة.
أما دول الخليج، فتريد بيئة أمنية مستقرة تحمي أراضيها ومنشآتها وممرات التجارة والطاقة.
المشكلة أن هذه الأهداف ليست متعارضة بالكامل، لكنها لا تتطابق أيضًا.
الأمن الإسرائيلي وحده لا يكفي
التجربة الأخيرة تطرح سؤالًا يتجاوز العمليات العسكرية: هل يمكن تحقيق أمن إسرائيلي مستدام عبر إضعاف مصادر التهديد عسكريًا فقط؟ الإجابة التي تقدمها التجربة الإقليمية تبدو أكثر تعقيدًا ، فالضربة العسكرية قد تدمر قدرة محددة، لكنها لا تعالج بالضرورة الظروف السياسية التي أنتجت الصراع. ولهذا فإن الأمن المستدام يحتاج إلى عنصرين متلازمين: قدرة حقيقية على حماية السكان والدولة من التهديدات، ومسار سياسي يعالج جذور الصراع ويمنع إعادة إنتاجه. وينطبق ذلك بصورة خاصة على القضية الفلسطينية، التي تظل جزءًا أساسيًا من البيئة الأمنية للمنطقة.
الخليج يريد الأمن لا الحرب
بالنسبة لدول الخليج، لا تبدو الحرب الإقليمية الشاملة خيارًا قابلًا للتحمل. فالمنطقة مرتبطة بالطاقة والتجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية، وأي توسع في المواجهة يمكن أن ينعكس مباشرة على أمن الملاحة والاقتصاد والاستقرار. ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية الخليجية التي تدفع باتجاه خفض التصعيد، بالتوازي مع بناء قدرات دفاعية تحمي الدول من تداعيات أي مواجهة محتملة.
الخطر الأكبر.. حرب لا يريدها أحد
قد لا يكون السيناريو الأخطر هو قرار طرف واحد بشن حرب شاملة. الخطر الأكبر هو سلسلة من القرارات المحدودة:
ضربة استباقية.
رد انتقامي.
استهداف سفينة.
عملية عسكرية.
إطلاق صاروخ.
خطأ في التقدير.
ثم رد جديد.
وفي بيئة إقليمية شديدة التوتر، يمكن لهذا التسلسل أن يحول حادثًا محدودًا إلى مواجهة واسعة قبل أن تتمكن قنوات الوساطة من احتوائه.
من يطفئ الشرق الأوسط؟
المشهد الإقليمي يكشف أن الردع وحده لا يكفي. القوة العسكرية يمكن أن تمنع هجومًا، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام أمني مستدام. والدبلوماسية يمكن أن توقف القتال، لكنها تحتاج إلى ترتيبات أمنية وسياسية تمنع عودة الأزمة. ولهذا فإن الطريق الأكثر واقعية للخروج من دائرة التصعيد يقوم على ثلاثة مسارات متوازية:
أولًا: حماية الدول والمجتمعات من التهديدات الأمنية الفعلية.
ثانيًا: بناء ترتيبات إقليمية تمنع انتقال الصراع من جبهة إلى أخرى.
ثالثًا: فتح مسارات سياسية حقيقية لمعالجة النزاعات، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى في الشرق الأوسط: الجميع يريد الردع، لكن المنطقة تحتاج إلى نظام يجعل الردع وسيلة لمنع الحرب، لا مقدمة لها.
من يستطيع منع الحرب التالية؟
من غزة إلى طهران، ومن بيروت ودمشق إلى هرمز وباب المندب، تبدو المنطقة أمام منظومة واحدة من الأزمات المتداخلة.
إسرائيل تريد أمنًا يمنع تكرار الهجمات.
إيران تريد ردع أي محاولة لاستهدافها.
الفصائل المسلحة تريد الاحتفاظ بأوراق القوة.
وأمريكا تريد الحفاظ على نفوذها ومنع انفجار إقليمي واسع.
لكن الأمن المستدام لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها. فالأمن الإسرائيلي لا ينفصل عن أمن جيرانه، والاستقرار الإقليمي لا ينفصل عن حل القضية الفلسطينية، وحماية الخليج والبحر الأحمر لا تنفصل عن خفض التوتر بين القوى المتنافسة. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من يربح الحرب؟ بل: من يستطيع منع الحرب التالية؟


