أبو ظبى ، الامارات ـ لا تبدأ قصة المساعدات الإماراتية إلى غزة من عدد الشاحنات التي عبرت، ولا من أطنان المواد التي حملتها، بل من سؤال أكثر دلالة: ماذا تعني هذه المساعدات في حياة الفلسطينيين، وماذا يحدث إذا انقطع أحد مساراتها؟ منذ إطلاق عملية «الفارس الشهم 3»، تحركت الإمارات عبر مسارات إغاثية متعددة شملت الغذاء والمياه والرعاية الصحية والإيواء، إلى جانب استقبال مرضى ومصابين من القطاع وتقديم الرعاية لهم. وبذلك تحولت العملية من مجرد قوافل مساعدات إلى منظومة إغاثية تتعامل مع احتياجات يومية متشابكة. وفي ظل استمرار الأزمة الإنسانية في القطاع، تصبح قيمة هذه المساعدات أكثر وضوحًا عند الانتقال من سؤال «كم أرسلت الإمارات؟» إلى سؤال آخر: «ماذا تغطي هذه المساعدات عندما تصل؟»
الغذاء.. من الشاحنة إلى مائدة الأسرة
يمثل الغذاء أحد المحاور الرئيسية في المساعدات الإماراتية، في وقت لا يزال فيه الوضع الغذائي في غزة شديد الهشاشة، رغم التحسن الذي سجلته بعض المؤشرات خلال الفترة الأخيرة. وتحذر الأمم المتحدة من أن تراجع تدفقات المساعدات أو نقص التمويل يمكن أن يعكس المكاسب المحدودة التي تحققت في الأمن الغذائي. وفي المقابل، تواصل الإمارات إرسال القوافل المحملة بالطرود الغذائية إلى القطاع ضمن «الفارس الشهم 3»، لتصل المساعدات إلى الأسر الأكثر احتياجًا والنازحين والفئات التي تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية. هنا تتحول الشاحنة من رقم في إحصاء المساعدات إلى وجبات تصل إلى أسر تنتظرها.
المياه.. المساعدة التي لا يمكن تأجيلها
إذا كان الغذاء يمكن تخزينه، فإن المياه تحتاج إلى منظومة مستمرة من الإنتاج والنقل والتخزين والتوزيع. وتواجه غزة أزمة حادة في الوصول إلى المياه الآمنة، مع تضرر البنية التحتية ونقص الوقود ومواد التشغيل اللازمة لمرافق المياه والصرف الصحي. وفي إطار «الفارس الشهم 3»، لم يقتصر الدور الإماراتي على إرسال مياه جاهزة للاستهلاك، بل شمل دعم مشاريع مرتبطة بالتحلية والتخزين والتوزيع، إلى جانب إدخال خزانات ومستلزمات مرتبطة بالمياه ضمن القوافل. وتكتسب هذه المساعدات أهمية مضاعفة، لأن نقص المياه لا يرتبط بالعطش وحده، وإنما بالنظافة والصحة العامة والوقاية من الأمراض. لذلك، فإن كل منظومة مياه تعمل تعني أن المساعدة لا تنتهي عند وصولها إلى غزة، بل تبدأ مرحلة جديدة من الاستفادة منها.
العلاج.. عندما تصبح المساعدة جزءًا من المستشفى
يواجه القطاع الصحي في غزة ضغوطًا هائلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالمنشآت ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود والموارد التشغيلية. وفي هذا القطاع، اتخذ الدور الإماراتي شكلًا يتجاوز إرسال المساعدات الطبية. فإلى جانب الإمدادات والمستلزمات، شملت الاستجابة الإماراتية إنشاء وتشغيل مستشفى ميداني داخل غزة، إلى جانب المستشفى الإماراتي العائم في مدينة العريش لاستقبال المرضى والمصابين القادمين من القطاع وتقديم الرعاية الطبية لهم. وتعني هذه المنظومة أن المساعدة الإماراتية لا تصل في صورة صندوق دواء فقط، وإنما يمكن أن تتحول إلى سرير مستشفى، وفريق طبي، وعلاج لمصاب أو طفل أو مريض يحتاج إلى رعاية متخصصة.
الإيواء.. ما وراء الخيمة
النزوح الجماعي جعل الإيواء أحد الاحتياجات الأساسية في غزة. فالخيمة أو مواد الإيواء لا تعني مجرد توفير سقف مؤقت، وإنما تمثل محاولة لمنح الأسرة النازحة مساحة تحميها من الظروف الجوية وتوفر قدرًا من الخصوصية والاستقرار. ولهذا تضمن «الفارس الشهم 3» مواد إيواء ضمن القوافل المتجهة إلى القطاع، إلى جانب الغذاء والمياه. وتزداد أهمية هذا المسار مع استمرار تضرر المساكن واضطرار أعداد كبيرة من السكان إلى العيش في أماكن مؤقتة. فغياب مواد الإيواء لا يعني اختفاء الخيام في يوم واحد، لكنه يعني تراجع القدرة على استبدال المواد المتضررة أو الاستجابة لموجات النزوح الجديدة.
الأطفال.. المستفيد الذي يجمع كل المسارات
الأطفال هم الحلقة التي تتقاطع عندها جميع الاحتياجات. فالطفل يحتاج إلى الغذاء، لكنه يحتاج كذلك إلى مياه آمنة ورعاية صحية ومأوى وحماية. وتشير الأمم المتحدة إلى أن الأطفال في غزة ما زالوا يواجهون مخاطر متعددة مرتبطة بسوء التغذية والمرض والنزوح والصدمة النفسية.
ومن هنا تظهر طبيعة المساعدة الإماراتية بصورة مختلفة؛ فالطرود الغذائية والمياه والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء لا تستهدف قطاعًا منفصلًا من حياة الطفل، وإنما تتقاطع جميعها في محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من ظروف الحياة. كما شملت المبادرات الإماراتية مساعدات مخصصة للأطفال، بما فيها الملابس والمستلزمات الأساسية. فالطفل الذي تصل إليه المساعدة لا يحصل بالضرورة على منتج واحد، وإنما يستفيد من سلسلة كاملة من الخدمات المرتبطة ببقائه وصحته وقدرته على تجاوز الأزمة.
