دلهى ، الهند – سلطت دراسة حديثة أصدرها مركز “مؤسسة أوبزرفر للأبحاث” (Observer Research Foundation) الهندية الضوء على التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي وممراته المائية الحيوية. كما توقعت الدراسة أن تتجه الولايات المتحدة الأمريكية نحو الاعتراف الدبلوماسي الرسمي بجمهورية “صوماليلاند” (أرض الصومال). وتأتي هذه القراءة في ظل تصاعد التوترات والأزمات المرتبطة بأمن الملاحة البحرية. علاوة على ذلك، هناك امتداد للتهديدات من مضيق هرمز وصولا إلى مضيق باب المندب الاستراتيجي.
لماذا قد تعترف واشنطن أخيرا بصوماليلاند؟
يشير الاجتماع البارز الذي جمع رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله، واللواء كلود ك. تيودور جونيور، قائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في أفريقيا (SOCAFRICA)، لبحث التعاون الأمني والمصالح المشتركة، إلى أن اعتراف واشنطن بات مرجحا بشكل متزايد. ومع استمرار الأزمة مع إيران وحالة عدم اليقين المحيطة بمضيق هرمز، لم تعد الشراكة مع أرض الصومال خيارا دبلوماسيا عابرا. بل أصبحت ضرورة جيوسياسية ملحة.
يذكر أن أرض الصومال أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، وحافظت طوال العقود الماضية على كونها دولة مستقلة بحكم الأمر الواقع مع مؤسسات ديمقراطية مستقرة. وذلك رغم غياب الاعتراف الدولي الرسمي حتى ديسمبر 2025 عندما أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بها رسميا. بالإضافة إلى ذلك، لدى أرض الصومال علاقات وثيقة مع تايوان وإثيوبيا. واليوم، تدفع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بواشنطن لإعادة النظر في مواقفها السابقة.
الأهمية الجغرافية والعسكرية لميناء بربرة
تكتسب الجغرافيا السياسية لأرض الصومال أهمية مضاعفة مع امتداد الصراع البحري من مضيق هرمز نحو باب المندب. يمر عبر هذا المضيق نحو 12% من التجارة العالمية وملايين براميل النفط. وفي ظل التهديدات المستمرة التي يفرضها الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن باستخدام الصواريخ والمسيرات لتعطيل الملاحة، تحتاج واشنطن إلى شركاء إقليميين موثوقين ومستقرين لضمان حرية التجارة الدولية.
تمتد أرض الصومال على مسافة تتجاوز 850 كيلومترا على طول خليج عدن. ويمثل ميناء بربرة أصولها الاستراتيجية الأبرز؛ إذ تم تحديثه ليصبح واحدا من أكثر موانئ المياه العميقة كفاءة في شرق أفريقيا. كما يوفر المطار المجاور -القادر على استيعاب الطائرات العسكرية الكبيرة- مركزا لوجستيا مثاليا لعمليات الانتشار البحري، والاستخبارات، والمراقبة الجوية والبحرية. وهكذا يقلل هذا التطوير الاعتماد الحصري على منشآت جيبوتي المجاورة.
مواجهة النفوذ الصيني وتأمين سلاسل التوريد
إلى جانب الأهمية العسكرية، تبرز أرض الصومال كثقل موازن استراتيجي في مواجهة النفوذ المتنامي للصين في المنطقة.
ورغم المحاولات المستمرة من بكين لعزل هرجيسا وتقييد مجالها الجوي وعلاقاتها الدولية (لا سيما تحالفها مع تايوان والإمارات وإسرائيل)، فقد أظهرت قيادة أرض الصومال صمودا كبيرا في مقاومة الضغوط الصينية. علاوة على ذلك، أبدت القيادة توجهات واضحة نحو المعسكر الغربي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تمتلك أرض الصومال احتياطيات ضخمة وغير مستغلة من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وهو ما يتماشى مع المساعي الأمريكية لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية. كما يفتح هذا الواقع آفاقا جديدة أمام الشركات الغربية في مجالات التعدين والبنية التحتية.
مكافحة الإرهاب وآفاق الاعتراف الأمريكي
على صعيد الأمن الإقليمي، تظهر أرض الصومال سجلا مستقرا في رفض التطرف الإسلامي ومكافحة الإرهاب مقارنة بجارتها الصومال التي تعاني من تنامي نفوذ حركة الشباب. الاستقرار الداخلي والتماسك المؤسسي يجعلان منها شريكا مثاليا للولايات المتحدة في استراتيجياتها الأمنية بالقرن الأفريقي. وخلاصة القول، إذا استمر الصراع في التوسع وأصبح باب المندب مسرحا رئيسيا للتنافس الدولي، فإن مزايا أرض الصومال الجغرافية والسياسية والأمنية ستجعل الاعتراف الأمريكي بها خطوة حتمية. هكذا ستخدم هذه الخطوة المصالح الاستراتيجية لواشنطن في مواجهة التحديات الإيرانية والصينية على حد سواء.


