- أطفال درعا.. أول خيط في القضية
- المسجد العمري.. من الاحتجاج إلى المواجهة المفتوحة
- المحكمة ترسم خطًا من درعا إلى رأس السلطة
- لماذا اعتبرت المحكمة بعض الجرائم جرائم حرب؟
- كيف قالت المحكمة إنها أثبتت الاتهامات؟
- لماذا كان عاطف نجيب حاضرًا بينما حوكم بشار غيابيًا؟
- الإعدام ليس العقوبة الوحيدة
- تعويض الضحايا.. الوجه الآخر للحكم
- ثمانية أحكام بالإعدام.. ورموز أمنية وعسكرية في القائمة
- محاكمة تاريخية.. لكن الجدل لم ينته
- العقبة الروسية.. هل يمكن تنفيذ الحكم؟
- ما الذي يعنيه الحكم لسوريا الجديدة؟
- حكم على الأسد أم بداية لمحاكمة مرحلة كاملة؟
دمشق ، سوريا ـ في قاعة محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، لم يكن المشهد مجرد جلسة لإصدار حكم على رئيس سوري سابق، بل محطة هي الأبرز حتى الآن في مسار العدالة الانتقالية التي تحاول سوريا الجديدة بناءها بعد سقوط نظام بشار الأسد. في 11 أغسطس 2026، أصدرت المحكمة حكمها في القضية رقم 1 لعام 2026، وقضت بالإعدام على بشار الأسد غيابيًا، وعلى شقيقه ماهر الأسد، وعاطف نجيب، إلى جانب ستة متهمين آخرين فارين، بعد إدانتهم بجرائم قتل وتعذيب وحرمان غير مشروع من الحرية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. أما المتهم محمد أيمن عيوش، فقد أُسقطت الدعوى العامة بحقه بسبب وفاته.
الحكم، بحسب المحكمة، صدر بالإجماع في قرار يتكون من 396 صفحة، على أن تنشر وزارة العدل النص الكامل لاحقًا بعد حذف أسماء الشهود المشمولين بالحماية. ولذلك فإن ما أصبح متاحًا حتى الآن هو أبرز الحيثيات والمنطوق الذي أعلنته المحكمة، وليس كامل القرار القضائي.
أطفال درعا.. أول خيط في القضية
لم تبدأ المحكمة روايتها من سنوات الحرب الطويلة، وإنما عادت إلى الأيام الأولى للاحتجاجات في درعا عام 2011. بحسب حيثيات المحكمة، كان اعتقال مجموعة من الأطفال وتعذيبهم بعد كتابتهم شعارات مناهضة للحكومة على جدران المدارس من الأحداث التي سبقت انفجار الاحتجاجات. وقالت المحكمة إن شهودًا كانوا أطفالًا في ذلك الوقت تحدثوا عن تعرضهم للضرب والصعق الكهربائي والتعليق وقلع الأظافر.
وكان عاطف نجيب، الذي ترأس فرع الأمن السياسي في درعا، من أبرز الشخصيات التي وضعتها المحكمة في قلب هذه الوقائع، إذ قالت إنه حقق شخصيًا مع بعض الأطفال وشارك في التعامل الأمني مع الاحتجاجات. بعد ذلك خرجت مظاهرات في درعا للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، وتقول المحكمة إن مظاهرة 18 مارس 2011 قوبلت بالرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط قتلى، قبل أن تتوسع المواجهات خلال الأيام التالية.
المسجد العمري.. من الاحتجاج إلى المواجهة المفتوحة
تتوقف حيثيات المحكمة عند أحداث المسجد العمري في درعا يومي 22 و23 مارس 2011. وتقول المحكمة إن قوات أمنية اقتحمت المسجد باستخدام الغاز والذخيرة الحية، وسقط قتلى وجرحى، بينما تعرضت سيارات إسعاف لإطلاق النار، واحتُجز عدد من المصابين، توفي بعضهم لاحقًا. وترى المحكمة أن هذه الوقائع لم تكن أحداثًا أمنية منفصلة، وإنما جزء من مسار تصاعدي في التعامل مع الاحتجاجات، تلاه تحرك لسكان القرى المحيطة بدرعا، ثم عمليات أمنية أوقعت أعدادًا أكبر من القتلى والجرحى. ومن هنا يبدأ الانتقال في حيثيات الحكم من مسؤولية ضباط ميدانيين إلى السؤال الأكبر: من كان صاحب القرار في أعلى هرم السلطة؟
المحكمة ترسم خطًا من درعا إلى رأس السلطة
الجزء الأكثر أهمية في حيثيات الحكم يتعلق ببشار الأسد نفسه. فالمحكمة لم تكتفِ بالقول إن الأسد كان رئيسًا للجمهورية وقت وقوع الجرائم، وإنما اعتبرت أن مسؤوليته تجاوزت مجرد الفشل في الرقابة على أجهزة الدولة. وبحسب المحكمة، كان الأسد هو صاحب القرار الرئيسي الذي وضع السياسات وأعلنها، واستخدم مؤسسات الدولة لتنفيذها، ثم وفر الحماية للمسؤولين عن تنفيذها من المحاسبة.
ولهذا وصفت المحكمة دوره بأنه جزء من «مشروع إجرامي مشترك»، معتبرة أن مسؤوليته نشأت من موقعه في قمة منظومة القرار وليس فقط من موقعه الدستوري كرئيس للدولة. وهذه هي النقطة القانونية الأثقل في الحكم، لأنها تحاول إقامة صلة مباشرة بين القرار السياسي الأعلى والجرائم التي ارتكبتها الأجهزة التابعة للدولة.
لماذا اعتبرت المحكمة بعض الجرائم جرائم حرب؟
المحكمة قسمت الوقائع زمنيًا. فقد قررت أن النزاع في سوريا أصبح، وفق المعايير التي اعتمدتها، نزاعًا مسلحًا غير دولي في منتصف يوليو 2012. وبناء على ذلك، اعتبرت المحكمة أن الجرائم التي ارتكبها عاطف نجيب خلال الفترة من فبراير إلى أبريل 2011 تقع قبل بداية النزاع المسلح، ولذلك وصفتها بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم وطنية.
أما بالنسبة إلى بشار الأسد وبقية المتهمين الفارين، فقالت المحكمة إن أفعالهم امتدت إلى ما بعد منتصف يوليو 2012، ولذلك شملت إداناتهم جرائم حرب، إلى جانب الجرائم ضد الإنسانية والجرائم الوطنية. كما قالت المحكمة إنها اعتمدت في تعريف الجرائم ضد الإنسانية على المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كيف قالت المحكمة إنها أثبتت الاتهامات؟
لم تستند المحكمة، بحسب إعلانها، إلى مصدر واحد للأدلة. وقالت إن القرار اعتمد على شهادات شهود النيابة، وأقوال المدعين بالحق المدني، ووثائق رسمية، وتقارير طبية، ومواد صوتية ومرئية عُرضت أثناء المحاكمة، إضافة إلى تقارير دولية موثقة. كما قالت إن شهادات الشهود تعاضدت فيما بينها وتقاطعت في تحديد الوقائع والتواريخ والأماكن، وإن المحكمة استمعت أيضًا إلى شهود الدفاع. واتخذت المحكمة إجراءات لحماية بعض الشهود، حيث استخدمت أرقامًا بدلًا من أسمائهم، ومنعت الكشف عن هوياتهم أو المعلومات التي قد تؤدي إلى تحديد أماكنهم.
لماذا كان عاطف نجيب حاضرًا بينما حوكم بشار غيابيًا؟
هذه واحدة من أبرز المفارقات في القضية. عاطف نجيب كان المتهم الوحيد الموجود داخل سوريا والماثل أمام المحكمة، بينما صدر الحكم على بشار وماهر الأسد وبقية المتهمين الفارين في غيابهم. وقالت المحكمة إنها طبقت المواد الخاصة بالمحاكمة الغيابية في قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، وإنها استوفت الشروط القانونية اللازمة لذلك.
أما بشار الأسد، فهو موجود في روسيا منذ سقوط حكومته في ديسمبر 2024، بعدما فر من دمشق مع تقدم قوات المعارضة، وتقول رويترز إن روسيا منحته وعائلته اللجوء. وهذا يجعل الحكم عليه قائمًا في الوقت الراهن بصورة أساسية على المستوى القانوني والرمزي، بينما يظل تنفيذ العقوبة مرتبطًا بإمكانية القبض عليه أو تسليمه.
الإعدام ليس العقوبة الوحيدة
الحكم لم يقتصر على عقوبة الإعدام. فالمحكمة أبقت مذكرات التوقيف بحق المتهمين الفارين، وأمرت بتعميمها واتخاذ الإجراءات اللازمة للملاحقة الدولية وفق الأطر القانونية. كما قررت تثبيت الحجز الاحتياطي على الأموال والممتلكات وتحويله إلى حجز تنفيذي، واتخاذ إجراءات تتعلق بإدارة أموال المتهمين الفارين. وهذا يعني أن القضية تحمل آثارًا تتجاوز العقوبة الجنائية إلى الملاحقة المالية والقضائية الدولية.
تعويض الضحايا.. الوجه الآخر للحكم
وضعت المحكمة ملف الضحايا في جزء مستقل من القرار، معتبرة أن جبر الضرر عنصر أساسي في العدالة الانتقالية. وقضت بإلزام المحكوم عليهم بالتعويض المشترك للمدعين المدنيين الذين قبلت مطالباتهم، على أن يحدد التعويض وفق حجم الضرر الذي تعرض له كل شخص. كما أبقت حقوق الضحايا الآخرين وأسر القتلى والمفقودين الذين لم يقدموا مطالبات خلال هذه القضية، بما يسمح لهم باللجوء إلى الجهات القضائية المختصة مستقبلًا.
ثمانية أحكام بالإعدام.. ورموز أمنية وعسكرية في القائمة
إلى جانب بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب، شملت أحكام الإعدام ستة متهمين فارين هم فهد الفريج، ولؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق الناصر، وطلال العيسمي، إضافة إلى ماهر الأسد، وفق قائمة المحكمة. ووجهت إليهم اتهامات بالقتل المتعمد، والقتل المتعدد، والقتل المصحوب بالتعذيب، والتحريض على القتل، والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان غير المشروع من الحرية والخطف، وصنفت المحكمة هذه الأفعال بالنسبة إلى المتهمين الذين امتدت أفعالهم إلى مرحلة النزاع المسلح ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
محاكمة تاريخية.. لكن الجدل لم ينته
رغم أهمية الحكم بالنسبة إلى ضحايا النظام السابق، فإن صدوره لم ينهِ الجدل حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا. فمنظمات حقوقية رحبت بأهمية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، لكنها أثارت مخاوف تتعلق بسرعة المحاكمة وضمانات الدفاع واستخدام عقوبة الإعدام.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن هيومن رايتس ووتش رفضها عقوبة الإعدام في جميع الحالات، معتبرة أنها عقوبة قاسية وغير قابلة للتراجع، خصوصًا عندما تكون ضمانات المحاكمة العادلة محل تساؤل. كما قال مركز العدالة والمساءلة السوري، الذي راقب المحاكمة، إنه سجل مشكلات إجرائية، بينها سرعة الإجراءات وضعف بعض الشهادات في الربط المباشر بين عاطف نجيب والجرائم المنسوبة إليه، فضلًا عن ملاحظات على أداء محاميه. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فالمحاكمة تمثل بالنسبة إلى كثير من السوريين لحظة طال انتظارها، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بإثبات أن العدالة الانتقالية الجديدة لن تتحول إلى مجرد عدالة انتقامية.
العقبة الروسية.. هل يمكن تنفيذ الحكم؟
بالنسبة إلى بشار الأسد، تبدو العقبة الأكبر خارج قاعة المحكمة. فهو موجود في روسيا، بينما تؤكد موسكو منحه اللجوء، ولم تستجب حتى الآن للمطالب السورية بتسليمه. ويحذر حقوقيون سوريون من أن إصدار حكم بالإعدام قد يجعل تسليمه أكثر صعوبة، لأن الدول التي ترفض عقوبة الإعدام قد لا توافق على تسليم شخص يواجه احتمال تنفيذها. وبحسب رويترز، يرى المحامي السوري أنور البني أن عقوبة الإعدام قد تعرقل استعادة الأسد، ووصف المحاكمة بأنها أقرب إلى «عدالة استعراضية» من كونها عدالة انتقالية.
ما الذي يعنيه الحكم لسوريا الجديدة؟
الحكم يتجاوز شخص بشار الأسد. فالمحكمة أعلنت صراحة أن بإمكان النيابة ملاحقة مسؤولين آخرين لم تشملهم القضية الحالية إذا ظهرت أدلة كافية، ما يعني أن ملف النظام السابق لم يغلق بإصدار أحكام الإعدام. كما أن تثبيت الملاحقات الدولية والحجوزات على الأموال يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تمتد إلى شخصيات أخرى داخل وخارج سوريا. وفي الوقت نفسه، يضع الحكم السلطات السورية الجديدة أمام اختبار أكبر: هل تستطيع تحويل هذه القضية إلى نموذج قضائي مستدام لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أم ستظل المحاكمة مجرد لحظة رمزية مرتبطة بسقوط النظام السابق؟
حكم على الأسد أم بداية لمحاكمة مرحلة كاملة؟
في ظاهر الأمر، القصة هي حكم بالإعدام على بشار الأسد. لكن قراءة حيثيات المحكمة تكشف أن القضية أكبر من شخص الرئيس السابق. المحكمة حاولت إعادة بناء سلسلة تبدأ من اعتقال أطفال درعا عام 2011، مرورًا بقمع المظاهرات، ثم اتساع المواجهة إلى حرب استمرت نحو 14 عامًا، وصولًا إلى تحميل رأس السلطة مسؤولية ما وصفته المحكمة بمشروع إجرامي استخدمت فيه مؤسسات الدولة. وبحسب الرواية القضائية، فإن بشار الأسد لم يكن مجرد مسؤول سياسي أخفق في السيطرة على أجهزة الدولة، بل صاحب القرار الأعلى الذي وضع السياسات ووجّه مؤسسات الدولة لتنفيذها وحمى منفذيها من المساءلة.
لكن الحكم، رغم ثقله السياسي والقانوني، لا يعني أن بشار الأسد سيواجه الإعدام قريبًا؛ فهو صدر غيابيًا، والمتهم موجود في روسيا. كما أن النسخة الكاملة للحكم، المكونة من 396 صفحة، لم تُنشر بعد، وهو ما يعني أن التفاصيل النهائية للأدلة والتعليل القانوني ستظل بحاجة إلى مراجعة النص الكامل عندما يصبح متاحًا. وبذلك لا تنتهي قضية بشار الأسد عند قاعة محكمة دمشق. الحكم فتح معركة جديدة: معركة إثبات أن سوريا قادرة على تحقيق العدالة للضحايا، وفي الوقت نفسه تقديم محاكمة تستوفي المعايير القانونية التي تجعل أحكامها قابلة للصمود أمام الاختبار الداخلي والدولي.


