القاهرة ، مصر ـ بدأت القصة بإعلان تعاون بين المستشارية الطبية بالسفارة السودانية في القاهرة ومؤسسة «بهية». وقد تم ذلك لتسهيل حصول السيدات السودانيات في مصر على خدمات الكشف والعلاج من سرطان الثدي. الإعلان سرعان ما تحول إلى جدل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي. ذلك حدث بعدما ظهرت اتهامات بأن تبرعات المصريين التي تجمعها المؤسسة تُستخدم لعلاج سيدات سودانيات.
«بهية» ترد: التبرعات مخصصة للمصريات
ردت «بهية» على هذه الاتهامات ببيان أكدت فيه أن التبرعات المقدمة من الأفراد والمؤسسات المصرية مخصصة لعلاج المصريات غير القادرات. بالإضافة إلى ذلك، قالت إن علاج غير المصريات يتم من خلال قسم العلاج الاقتصادي، أو عبر بروتوكولات تعاون مع جهات وسفارات تتحمل تكلفة الحالات. لكن هذا الرد يفتح سؤالًا أكثر أهمية من الجدل المتداول. والسؤال هو: من يدفع فعليًا تكلفة علاج السودانيات داخل «بهية»؟
السودانيات في «بهية».. القصة أقدم من الشراكة
البحث في أرشيف المؤسسة يكشف أن استقبال السودانيات ليس أمرًا جديدًا. فقد سبق أن نشرت «بهية» قصة مريضة سودانية تلقت العلاج داخل المؤسسة قبل الإعلان الحالي عن التعاون مع السفارة السودانية. هذا يعني أن السؤال لا يتعلق فقط بالشراكة الجديدة. بل يتعلق أيضًا بكيفية تمويل علاج غير المصريات طوال السنوات الماضية.
وجود المريضة لا يثبت مصدر التمويل
وجود مريضة سودانية داخل «بهية» لا يثبت بمفرده أن أموال التبرعات المصرية دفعت تكلفة علاجها. فالمؤسسة لديها أكثر من مصدر تمويل، بينها التبرعات الفردية، ومساهمات الشركات والبنوك والمؤسسات. بالإضافة إلى ذلك، هناك الخدمات الاقتصادية والتعاقدات. من ثم فإن الربط بين وجود المريضات السودانيات وبين أموال التبرعات يحتاج إلى دليل مالي. ولا يكفي الاعتماد على مجرد صور أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
900 مليون جنيه.. لماذا يصبح السؤال المالي مهمًا؟
تزداد أهمية التدقيق في مصادر التمويل مع تصريحات حديثة لرئيس مجلس أمناء «بهية» عن وصول الإنفاق الفعلي المباشر للمؤسسة إلى نحو 900 مليون جنيه خلال 2025. ذلك جاء بعد أن كان إجمالي النفقات السنوية يتراوح بين 80 و100 مليون جنيه في عام 2015. وتشير التصريحات إلى أن التمويل يأتي من مصادر متعددة، بينها المؤسسات والشركات وبرامج المسؤولية المجتمعية والأفراد. وبهذا الحجم من النشاط المالي، يصبح السؤال عن كيفية الفصل بين مصادر الأموال وأوجه إنفاقها أكثر أهمية للرأي العام.
«العلاج الاقتصادي».. الحلقة الأهم في القضية
هنا تظهر الحلقة الأهم في التحقيق: هل يوجد فصل محاسبي واضح بين أموال التبرعات المخصصة للعلاج المجاني، وبين إيرادات العلاج الاقتصادي والأموال التي تحصل عليها المؤسسة من الجهات المتعاقدة؟ فإذا كانت الجهات السودانية أو السفارة أو جهة أخرى تتحمل تكلفة علاج الحالات السودانية، فمن المفترض أن تكون هناك عقود أو فواتير أو مطالبات مالية توضح قيمة الخدمات والجهة التي سددتها. أما إذا كانت بعض الخدمات تقدم مجانًا، فيبقى السؤال: من تحمل تكلفتها؟
أين المستندات؟
حتى الآن، لا تظهر في المصادر المفتوحة التي أمكن فحصها وثيقة مالية تثبت أن تبرعات المصريين المخصصة لعلاج المصريات غير القادرات استُخدمت في علاج السودانيات. في المقابل، فإن البيان الرسمي للمؤسسة، رغم أهميته، لا يقدم للرأي العام تفاصيل مالية كافية تسمح بتتبع الأموال بصورة مستقلة. وهنا تظل الحلقة المفقودة هي المستند المالي.
خمسة مستندات يمكن أن تحسم الجدل
الحسم لا يحتاج إلى مزيد من الجدل على مواقع التواصل، وإنما إلى مستندات محددة، أبرزها: بروتوكول التعاون مع الجانب السوداني، وقيمة الاتفاق، وعدد الحالات التي يغطيها، وإجمالي تكلفة علاجها، وقيمة ما سددته الجهات المتعاقدة. كما أن نشر بيانات إيرادات ومصروفات قسم العلاج الاقتصادي والقوائم المالية المدققة، مع بيان واضح لمراكز التكلفة ومصادر الإيرادات، يمكن أن يحسم جانبًا كبيرًا من الجدل.
من دفع فاتورة العلاج؟
المعلومات المتاحة تثبت أن «بهية» تعالج سيدات سودانيات، وأن هناك تعاونًا مؤسسيًا مع الجانب السوداني. كما أن المؤسسة تقول إن علاج غير المصريات يتم عبر العلاج الاقتصادي أو جهات تتحمل التكلفة. لكنها لا تثبت حتى الآن أن تبرعات المصريين استُخدمت لعلاج السودانيات. من جهة أخرى، فإن السؤال عن مصدر تمويل هذه الحالات يظل قائمًا. ذلك لأن الإجابة النهائية لا يقدمها المنشور المتداول ولا البيان الرسمي، وإنما كشف الحساب والمستند المالي. والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يحكم التحقيق هو: من دفع؟ وكم دفع؟ وأين قُيدت هذه الأموال؟ وهل كانت منفصلة بالفعل عن تبرعات المصريين؟


