أبو ظبى ، الامارات – لم يعد «حلف مكة» مجرد اتفاق دفاعي ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان. فبعد أسابيع قليلة من توقيعه، انتقل إلى مرحلة أكثر تنظيمًا مع انعقاد أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول. في الوقت نفسه كانت إسرائيل واليونان تعلنان عن مشروع «درع آخيل» للدفاع الجوي. هذا التزامن لا يثبت وحده وجود تحالف مضاد، لكنه يكشف شيئًا أكثر أهمية. إن الشرق الأوسط وشرق المتوسط يدخلان مرحلة تتسابق فيها الدول على بناء شبكات أمنية جديدة، بدل الاعتماد على ترتيبات التحالفات القديمة.
من اتفاق إلى بنية دفاعية
في 31 أغسطس، اجتمعت في إسطنبول قيادات سياسية وعسكرية من السعودية وتركيا وباكستان في أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية المنبثقة عن «اتفاق مكة للدفاع المشترك» ، الاجتماع لم يكن بروتوكوليًا فقط؛ فقد ناقش تعزيز القدرات الدفاعية، وزيادة قابلية التشغيل البيني بين القوات. كذلك ناقش التعاون في الصناعات الدفاعية والإنتاج المشترك والبحث والتطوير، إلى جانب وضع آليات جديدة لتنظيم عمل الاتفاق ورسم خارطة طريق للخطوات المقبلة. والأهم أن أنقرة أعلنت بدء بناء الهيكل المؤسسي للتحالف، بما في ذلك إنشاء أمانة عامة في الرياض، مع تولي شخصية باكستانية منصب الأمين العام الأول. في الوقت نفسه يجري إعداد خارطة طريق يمكن أن تفتح الباب أمام دول أخرى. هنا يتغير معنى «حلف مكة» ، فالمسألة لم تعد وثيقة تقول إن الهجوم على دولة من الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجومًا على الجميع. وإنما أصبحت محاولة لبناء مؤسسة تستطيع تحويل هذا الالتزام السياسي إلى تعاون عسكري قابل للتنفيذ.
وفي الجهة الأخرى.. «درع آخيل»
في اليوم نفسه تقريبًا، كانت إسرائيل واليونان تتحركان في اتجاه مختلف. أعلنت الدولتان اتفاقًا دفاعيًا بقيمة تقارب 3.6 مليارات دولار لإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات لليونان، في صفقة توصف بأنها الأكبر في تاريخ صادرات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية. وتشمل المنظومة أنظمة إسرائيلية متقدمة للدفاع ضد الصواريخ والطائرات والطائرات المسيّرة. المشروع حمل اسم «درع آخيل»، وهو ليس مجرد شراء سلاح منفرد؛ بل بناء شبكة دفاعية متكاملة تمنح اليونان قدرة أكبر على التعامل مع تهديدات جوية وصاروخية متعددة. وهنا ظهرت القراءة السياسية الأوسع: هل نحن أمام صفقة دفاعية بين إسرائيل واليونان فحسب، أم أمام بداية تشكيل محور أمني في شرق المتوسط يمكن أن يعمل في الاتجاه المقابل للتمدد الإقليمي لحلف مكة؟
التزامن الذي يلفت الانتباه
اجتماع إسطنبول كان أول خطوة مؤسسية لحلف يضم تركيا والسعودية وباكستان. بينما كانت إسرائيل واليونان تدفعان في اليوم نفسه بمشروع دفاعي ضخم. هذه الصورة جعلت «درع آخيل» يبدو، في بعض القراءات، كأنه الرد الغربي–الإسرائيلي على شبكة أمنية جديدة تتشكل من إسطنبول إلى الرياض وإسلام آباد. صحيفة «القدس العربي» ربطت صراحة بين التوقيتين واعتبرت المشروع الإسرائيلي–اليوناني مشروعًا مضادًا لحلف الرياض وإسلام آباد وأنقرة. لكن هناك فارقًا مهمًا ، «حلف مكة» يضم ثلاث دول ذات ثقل عسكري وجغرافي واقتصادي مختلف. بينما «درع آخيل» حتى الآن مشروع دفاع جوي ثنائي بين إسرائيل واليونان. لذلك فإن الحديث عن «حلف مضاد» يبقى قراءة استراتيجية محتملة، وليس واقعًا مؤسسيًا مكتملًا.
لماذا اليونان؟
المفتاح قد يكون في الجغرافيا ، تركيا عضو مؤسس في حلف مكة، وتمتلك موقعًا استراتيجيًا يصل البحر الأسود بالمتوسط والشرق الأوسط. وفي المقابل، تمثل اليونان بوابة أخرى إلى شرق المتوسط وأوروبا. وبالتالي، فإن تعزيز التعاون الدفاعي بين إسرائيل وأثينا يمنح الطرفين قدرة أكبر على بناء شبكة أمنية تمتد من إسرائيل إلى شرق المتوسط. إنها مساحة تتقاطع فيها المصالح التركية والإسرائيلية واليونانية. ولهذا فإن «درع آخيل» لا يُقرأ فقط من زاوية الصواريخ التي ستعترضها المنظومة، وإنما من زاوية الموقع الذي ستحتله اليونان داخل شبكة الأمن الإقليمي الجديدة.
إسرائيل لا تواجه الحلف مباشرة
المفارقة أن حلف مكة أعلن رسميًا أنه دفاعي وليس موجّهًا ضد دولة بعينها. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد أن الاتفاق لا يستهدف أي دولة. في الوقت نفسه تحدثت أنقرة عن إمكانية توسيع الإطار ليشمل دولًا أخرى. وهذا يعني أن إسرائيل تستطيع نظريًا التعامل مع «حلف مكة» باعتباره ترتيبًا دفاعيًا لا يستهدفها. لكن السياسة الإقليمية لا تُقاس بالبيانات وحدها. فوجود تركيا وباكستان والسعودية داخل إطار دفاعي واحد، مع بند للدفاع الجماعي، يخلق قدرة استراتيجية جديدة في المنطقة حتى لو لم يذكر الاتفاق إسرائيل بالاسم. وهذا تحديدًا ما يجعل سباق التحالفات أكثر تعقيدًا: الدول لا تحتاج إلى إعلان عدو مشترك حتى تعيد ترتيب مواقعها العسكرية على أساس وجود تهديد محتمل.
أين تدخل واشنطن؟
السؤال الأكبر لا يتعلق فقط بإسرائيل واليونان أو تركيا والسعودية وباكستان، بل بالولايات المتحدة. فواشنطن تمتلك علاقات دفاعية عميقة مع اليونان وإسرائيل وتركيا والسعودية وباكستان، وإن بدرجات وأشكال مختلفة. وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيدًا: هل تسمح الولايات المتحدة بنشوء منظومتين أمنيتين متوازيتين في منطقة واحدة، أم تحاول منع تحولهما إلى محورين متقابلين؟ الاختبار الحقيقي سيكون عندما تنتقل الاتفاقات من مرحلة البيانات إلى مرحلة العمليات المشتركة، وتبادل المعلومات، والتدريب، والإنتاج الدفاعي، وربما تنسيق الاستجابة في حال وقوع أزمة.
مصر.. الحلقة التي قد تغير الخريطة
في هذه الخريطة، تظهر مصر بوصفها دولة يصعب تجاهل موقعها. فالقاهرة ليست عضوًا في حلف مكة حتى الآن، لكنها تقع بين مسارات الخليج وشرق المتوسط والبحر الأحمر. كذلك تمتلك ثقلًا عسكريًا وجغرافيًا يجعل أي توسع للتحالفات الإقليمية مرتبطًا بحساباتها. كما أن أي تحول في العلاقات بين تركيا والسعودية وباكستان من اتفاق ثلاثي إلى إطار أوسع سيعيد طرح السؤال حول الدول التي يمكن أن تنضم، والدول التي ستفضل البقاء خارج هذه البنية. ولهذا فإن مستقبل حلف مكة لا يتوقف فقط على الدول الثلاث المؤسسة، بل على من سيدخل إليه ومن سيختار موقعًا مقابلًا له.
من «حلف مكة» إلى سباق الشبكات
المشهد الجديد لا يشبه الحرب الباردة التقليدية التي تنقسم فيها المنطقة إلى معسكرين واضحين. الأقرب أنه سباق لإنشاء «شبكات أمنية» متداخلة. هناك شبكة تضم تركيا والسعودية وباكستان، وقد تتوسع لاحقًا. أيضًا هناك شبكات أخرى تقودها إسرائيل عبر شراكات دفاعية مع دول شرق المتوسط. وبينهما دول تحاول الاحتفاظ بعلاقات مع أكثر من طرف في الوقت نفسه. وهذا النموذج يجعل التحالفات أكثر مرونة، لكنه يجعل المنطقة أيضًا أكثر قابلية لسوء الحسابات. فصفقة دفاع جوي قد تبدو تجارية، لكنها تصبح جزءًا من توازن أوسع عندما تتزامن مع إنشاء تحالف دفاعي جديد.
هل بدأ سباق التحالفات؟
الإجابة الأكثر دقة حتى الآن: نعم، بدأت مؤشرات سباق أمني جديد، لكن من المبكر وصفه بأنه مواجهة بين حلفين متكاملين. حلف مكة بدأ بالفعل في بناء مؤسساته، ووضع آليات للتعاون، والتفكير في التوسع. في المقابل، انتقلت إسرائيل واليونان إلى مشروع دفاعي ضخم يرفع مستوى التعاون العسكري بينهما. لكن ما ينقص الصورة حتى الآن هو وجود بنية معلنة تربط «درع آخيل» بتحالف إقليمي أوسع، أو إعلان رسمي بأن الهدف منه مواجهة حلف مكة. لذلك قد يكون وصف «التحالف المضاد» سابقًا لأوانه. لكن المؤكد أن الخريطة الأمنية للمنطقة بدأت تتحرك.
المعركة القادمة ليست في السماء فقط
قد تبدو «درع آخيل» معنية بالصواريخ والطائرات والمسيّرات، بينما ينشغل «حلف مكة» بالردع والدفاع المشترك. لكن المنافسة الحقيقية قد تكون أوسع من السلاح نفسه. من يملك شبكة التحالفات الأوسع؟ من يستطيع إنتاج السلاح بدل شرائه؟ من يستطيع تحريك قواته عبر أكثر من مسرح؟ وأيضًا من يستطيع جذب دول جديدة إلى منظومته من دون تحويلها إلى مواجهة مفتوحة؟
هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان «حلف مكة» مجرد اتفاق دفاعي ثلاثي، أم نواة لبنية أمنية جديدة في المنطقة. في الجهة المقابلة، ستحدد قدرة إسرائيل على توسيع نموذج «درع آخيل» إلى شراكات أخرى ما إذا كانت الصفقة مع اليونان ستظل مشروعًا وطنيًا يونانيًا، أم تتحول إلى قطعة في شبكة أمنية أوسع بشرق المتوسط.
المنطقة أمام خريطة جديدة
في أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا دفاعيًا مشتركًا. بعد أسابيع قليلة بدأت الدول الثلاث بناء هيكل مؤسسي له في إسطنبول، بينما وقعت إسرائيل واليونان صفقة دفاع جوي ضخمة. قد لا يكون الطرفان قد أعلنا حرب تحالفات. أيضًا قد لا تكون «درع آخيل» صُممت أصلًا لمواجهة «حلف مكة».
لكن تزامن الخطوتين يكشف تحولًا لا يمكن تجاهله ، المنطقة لم تعد تنتظر ضمانة أمنية واحدة؛ بل بدأت ببناء ضماناتها الخاصة. وهنا يصبح السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة ليس: من سيواجه من؟ بل: من سينضم إلى أي شبكة قبل أن تتحول الشبكات نفسها إلى خريطة جديدة للقوة في الشرق الأوسط؟



