- الجولان.. بداية استراتيجية السيطرة على المرتفعات
- علي الطاهر.. لماذا تهم إسرائيل هذه التلة؟
- لماذا تمنح المرتفعات ميزة عسكرية؟
- جبل الشيخ.. القمة التي تراقب الحدود
- غزة.. كيف تستخدم إسرائيل المواقع المرتفعة؟
- الضفة الغربية.. المرتفعات والطرق وشبكة السيطرة
- من احتلال الأرض إلى السيطرة على القدرة
- هل تصنع المرتفعات حدودًا جديدة؟
ابو ظبى ، الامارات – من هضبة الجولان إلى جبل الشيخ وعلي الطاهر ومرتفعات غزة والضفة الغربية، تتكرر قاعدة عسكرية قديمة بصيغة جديدة: السيطرة على الارتفاع قد تمنح إسرائيل قدرة أكبر على المراقبة والتحكم في الحركة والردع، من دون الحاجة دائمًا إلى السيطرة الكاملة على المدن. فهل تتحول المرتفعات إلى بديل عن احتلال المدن؟
الجولان.. بداية استراتيجية السيطرة على المرتفعات
لفهم سبب عودة المرتفعات إلى قلب الحسابات الأمنية الإسرائيلية، ربما يجب البدء من هضبة الجولان، التي تمثل النموذج الأوضح لتحول الجغرافيا المرتفعة إلى أصل استراتيجي طويل الأمد ، احتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية خلال حرب يونيو 1967، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت أهميتها بالنسبة إلى إسرائيل بموقعها المرتفع وإطلالتها على مناطق واسعة من شمال إسرائيل وجنوب سوريا، إلى جانب اعتبارها منطقة عازلة ذات قيمة أمنية. وتشير دراسات عن الجولان إلى أن قيمته لم تكن مرتبطة بمساحته فقط، وإنما بالميزة العسكرية التي يمنحها الارتفاع وموقعه بالنسبة إلى مسارات الحركة والمراقبة.
وفي حرب أكتوبر 1973 حاولت سوريا استعادة الهضبة، قبل أن ينتهي القتال باتفاق فصل القوات عام 1974، الذي أنشأ منطقة عازلة وترتيبات عسكرية على جانبيها. لكن المعادلة القانونية والسياسية بقيت مختلفة عن الواقع العسكري؛ ففي ديسمبر 1981 أصدرت إسرائيل قرارًا بفرض قوانينها وإدارتها على الجولان، وهو القرار الذي اعتبره مجلس الأمن الدولي، في القرار 497، لاغيًا وباطلًا ومن دون أثر قانوني دولي.
الجولان، بهذا المعنى، لا يقدم مجرد مثال تاريخي على أهمية الجبال، بل يكشف جوهر الفكرة التي تتكرر اليوم: قد تصبح السيطرة على نقطة مرتفعة أكثر قيمة من السيطرة على مساحة أكبر إذا كانت تلك النقطة تمنح صاحبها القدرة على رؤية المجال المحيط والتحكم فيه وحرمان الخصم من استخدامه ، ومن الجولان يمكن فهم ما حدث لاحقًا في جبل الشيخ، وما يجري اليوم في علي الطاهر.
علي الطاهر.. لماذا تهم إسرائيل هذه التلة؟
في جنوب لبنان، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فقد برزت مرتفعات علي الطاهر، القريبة من النبطية وعلى ارتفاع يقارب 600 متر، باعتبارها واحدة من أكثر نقاط الاشتباك حساسية بين إسرائيل وحزب الله ، أهمية الموقع لا تتعلق بكونه جبلًا فحسب، وإنما بما يوفره من موقع مرتفع يسمح بالمراقبة والسيطرة على مسارات الحركة، فضلًا عن ارتباطه بشبكة مواقع وبنية تحتية عسكرية تحت الأرض. وخلال الحرب الأخيرة ركزت إسرائيل على السيطرة على المرتفعات المحيطة به، قبل أن تعلن السيطرة على الموقع وإدخاله ضمن المنطقة الأمنية التي تقول إنها تسعى إلى تثبيتها في جنوب لبنان.
لكن المفارقة أن علي الطاهر خرج من إطار الجغرافيا العسكرية إلى قلب التفاوض السياسي. فالموقع أصبح جزءًا من النقاش حول نزع سلاح حزب الله وترتيبات انتشار الجيش اللبناني، بينما ترى إسرائيل أن الاحتفاظ بمواقع استراتيجية يمنحها ورقة ضغط إضافية في أي تسوية. وحتى بعد وقف إطلاق النار، ظل الموقع نقطة اشتباك مرتبطة مباشرة بمستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب اللبناني ، وهنا تظهر الفكرة الأساسية للتقرير: التلة ليست مجرد موقع عسكري عندما تصبح السيطرة عليها وسيلة للتأثير في ما يحدث حولها.
لماذا تمنح المرتفعات ميزة عسكرية؟
في العلوم العسكرية، لا تُقاس قيمة الأرض بمساحتها، وإنما بما تمنحه من أفضلية عملياتية. وتعرّف العقيدة العسكرية مفهوم «الأرض الحاكمة» بأنها المنطقة التي يمنح الاستيلاء عليها أو الاحتفاظ بها أو السيطرة عليها ميزة واضحة لأحد طرفي القتال، بينما يمثل الارتفاع عاملًا مهمًا عندما يوفر رؤية أفضل وحقول نيران أوسع أو يتحكم في طرق الاقتراب والحركة ، ولهذا لا يعني الاستيلاء على كل تل أنه انتصار استراتيجي، فبعض المرتفعات يمكن تجاوزها. لكن عندما تطل التلة على طرق أو تجمعات أو مواقع عسكرية، أو تصبح نقطة ربط بين أكثر من محور، فإن قيمتها تتضاعف.
وهذا ما يجعل السيطرة على المرتفعات مختلفة عن السيطرة على المدن. فالمدينة تفرض على القوة المهاجمة مواجهة شبكة معقدة من المباني والسكان والأنفاق والشوارع، بينما يمكن لموقع مرتفع مناسب أن يوفر جزءًا من القدرة المطلوبة لمراقبة هذه البيئة والتأثير فيها من الخارج ، وتؤكد دراسات في الجغرافيا العسكرية أن الارتفاعات ومواقع السيطرة على الأرض يمكن أن تكون عوامل حاسمة في نتائج العمليات، من جبهات الحرب العالمية الأولى إلى معارك جاليبولي والعلمين.
جبل الشيخ.. القمة التي تراقب الحدود
إذا كان الجولان هو النموذج التاريخي، فإن جبل الشيخ يمثل نسخة أكثر وضوحًا من عودة المرتفعات إلى الحسابات الأمنية الإسرائيلية في البيئة السورية ، بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت القوات الإسرائيلية مناطق داخل منطقة الفصل في الجولان، وسيطرت على مواقع استراتيجية من بينها مواقع في جبل الشيخ. وأعلنت إسرائيل أن وجودها هناك مرتبط بالتهديدات الأمنية، بينما وثقت الأمم المتحدة استمرار الوجود الإسرائيلي في منطقة الفصل ومواقع مجاورة لها.
وتكمن أهمية جبل الشيخ في طبيعته الجغرافية وموقعه؛ فهو يهيمن على مساحة واسعة من المنطقة الحدودية، فيما تقع أعلى نقاطه على ارتفاعات كبيرة جدًا مقارنة بالمناطق المحيطة. وتصف الأمم المتحدة منطقة عمليات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك بأنها منطقة جبلية يهيمن جبل الشيخ على شمالها ، وهكذا يصبح الرابط بين الجولان وجبل الشيخ وعلي الطاهر أكثر وضوحًا: كلما زادت قدرة الموقع المرتفع على مراقبة المجال المحيط والتحكم في الحركة ومنع الخصم من استخدام الأرض، زادت قيمته حتى لو كانت مساحته محدودة.
غزة.. كيف تستخدم إسرائيل المواقع المرتفعة؟
لكن هل تحتاج إسرائيل إلى جبال فعلًا لتطبيق هذه المعادلة؟ الحالة الغزية تقدم الإجابة: ليس بالضرورة ، غزة ليست ساحة جبلية، لكن العمليات العسكرية الإسرائيلية أظهرت اهتمامًا بالمواقع المرتفعة، سواء عبر التلال والمرتفعات الطبيعية المحدودة، أو المباني والمنشآت، أو السواتر والمواقع العسكرية التي تمنح رؤية أوسع للمجال المحيط.
وفي مناطق مثل بيت حانون والشجاعية، ارتبطت التحركات العسكرية بإقامة مواقع ومراقبة من نقاط تمنح القوات قدرة أفضل على رؤية المناطق المحيطة والتحكم في مسارات الحركة. وأشارت تقارير إلى مواقع إسرائيلية في شمال غزة وفرت رؤية استراتيجية باتجاه بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا ومدينة غزة ، وفي هذا السياق، يصبح مصطلح «المرتفعات» أوسع من الجبل نفسه. فقد يكون مبنى مرتفعًا، أو موقعًا محصنًا، أو ساترًا ترابيًا، أو قطعة أرض أعلى من محيطها ، المهم ليس شكل الارتفاع، وإنما ما الذي يمكن رؤيته والسيطرة عليه من فوقه.
الضفة الغربية.. المرتفعات والطرق وشبكة السيطرة
في الضفة الغربية تظهر المعادلة بصورة أكثر تعقيدًا، لأن المرتفعات لا تعمل منفردة، بل ضمن شبكة من الطرق والمستوطنات والحواجز ونقاط المراقبة ، تمتد مناطق جبلية على طول قلب الضفة، وتتقاطع معها طرق رئيسية، أبرزها الطريق 60، بينما تؤدي نقاط السيطرة والطرق والمواقع المرتفعة دورًا في إعادة تشكيل حركة الفلسطينيين بين المدن والقرى.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ عدد عوائق الحركة في الضفة الغربية 925 عائقًا حتى ديسمبر 2025، بينها حواجز وبوابات طرق وإغلاقات خطية وسواتر وكتل ترابية، مع تأثير مباشر على حركة ملايين الفلسطينيين. وأشار المكتب إلى أن مئات هذه العوائق تعرقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية ، هنا لا يصبح الهدف بالضرورة السيطرة على «مدينة من أعلى»، وإنما بناء شبكة جغرافية تجعل السيطرة على الحركة ممكنة من خلال التحكم في العقد والطرق والمواقع التي تمر بها ، وهذا يوسع مفهوم المرتفعات من «قمة جبل» إلى منظومة سيطرة على الأرض.
من احتلال الأرض إلى السيطرة على القدرة
عند جمع الحالات الأربع، تظهر صورة مختلفة عن فكرة الاحتلال التقليدية ، الجولان يقدم نموذجًا طويل الأمد للسيطرة على أرض مرتفعة ذات قيمة أمنية. وجبل الشيخ يوضح أهمية القمة في مراقبة المجال الحدودي. وعلي الطاهر يكشف كيف يمكن لتلة واحدة أن تتحول إلى ورقة في مفاوضات نزع السلاح. أما غزة والضفة فتظهران كيف يمكن استخدام الارتفاعات والنقاط المسيطرة والطرق لتغيير البيئة العملياتية من دون الحاجة إلى احتلال كل مدينة وكل شارع.
لذلك ربما تكون العبارة الأدق هي أن إسرائيل لا تستبدل المدن بالمرتفعات بصورة مطلقة، وإنما تبحث في بعض الحالات عن السيطرة على القدرة بدل السيطرة على المساحة ، فالسيطرة على المرتفع قد تعني مراقبة طريق، وحرمان الخصم من موقع إطلاق، وتأمين منطقة حدودية، وتوفير عمق إضافي، والضغط على حركة القوات أو السكان ، وهذا يفسر لماذا يمكن أن تصبح مساحة صغيرة ذات قيمة أكبر من مساحة واسعة لا تمنح صاحبها ميزة مماثلة.
هل تصنع المرتفعات حدودًا جديدة؟
المشهد الممتد من الجولان إلى جبل الشيخ وعلي الطاهر وغزة والضفة الغربية يقترح تحولًا في طريقة قراءة الخرائط العسكرية الإسرائيلية ، لم يعد السؤال فقط: ما المدن أو المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل ؟ بل أصبح السؤال الأكثر دقة: ما النقاط التي تسيطر عليها، وماذا تستطيع أن تفعل من فوقها؟ ، فإذا كانت السيطرة على مدينة تعني السيطرة على مساحة وسكان وبنية تحتية، فإن السيطرة على المرتفعات قد تعني السيطرة على ما حول المدينة: طرقها، ومداخلها، ومجالها البصري، ومواقعها العسكرية، وقدرة الخصم على التحرك داخلها.
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد لا تحتاج القوة إلى رسم حدود جديدة على الخريطة لكي تغيّر الواقع الجغرافي. يكفي أحيانًا أن تمسك بالنقاط التي تجعل الخريطة كلها تعمل بطريقة مختلفة ، من الجولان إلى جبل الشيخ، ومن علي الطاهر إلى مرتفعات غزة والضفة، تبدو الجغرافيا وكأنها تعود إلى الواجهة باعتبارها سلاحًا قائمًا بذاته ، فالمرتفعات ليست بديلًا مطلقًا عن المدن، لكنها قد تكون بديلًا عن السيطرة الشاملة عندما يكون الهدف هو السيطرة على القدرة لا السيطرة على السكان. وفي النهاية، قد تكون تلة واحدة أهم من مدينة كاملة، إذا كانت القمة تمنح من يسيطر عليها القدرة على رؤية ما حولها والتأثير فيه.



