- «المحور السني».. حقيقة أم قفزة استخباراتية؟
- لكن.. التعاون المصري–التركي حقيقي
- سيناء.. من «تعزيز أمني» إلى «استعداد للحرب»؟
- معاهدة السلام.. ماذا تقول الوثائق؟
- لماذا تبدو القاهرة مختلفة الآن؟
- «عدو جديد».. كيف تتشكل الرواية؟
- أين تقف مصر في هذه المعادلة؟
- ماذا يخيف إسرائيل إذن؟
- المفارقة.. «اتفاق مكة» ليس مصريًا
- ماذا تقول خريطة الأدلة؟
القاهرة ، مصر – في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط، برز داخل إسرائيل خطاب جديد يحذر من تشكل «محور سني» تقوده تركيا ويضم قوى إقليمية بينها مصر والسعودية وباكستان، بالتوازي مع ترويج مخاوف من تحول القاهرة إلى مصدر تهديد عسكري محتمل لإسرائيل. لكن اللافت أن التشكيك في هذه الرواية لم يأتِ من خارج إسرائيل، وإنما من داخل أحد أبرز مراكز النقاش الإعلامي والأمني فيها. ففي مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، حذر الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين من تحويل الافتراضات الأمنية إلى «حقائق» مستقرة في الوعي العام، مشيرًا تحديدًا إلى الرواية المتعلقة بوجود «نوايا هجومية» مصرية ضد إسرائيل، وإلى الحديث عن نشوء «محور سني جديد» بقيادة تركيا ، لكن ماذا تقول الوقائع؟ ، هل تتحرك مصر بالفعل نحو مواجهة عسكرية مع إسرائيل؟ وهل تشكل القاهرة وأنقرة والرياض وإسلام آباد تحالفًا عسكريًا موحدًا؟ أم أن هناك تحولات حقيقية يجري تحميلها باستنتاجات تتجاوز الأدلة؟
«المحور السني».. حقيقة أم قفزة استخباراتية؟
توجد بالفعل شبكة جديدة من التنسيق الإقليمي تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، لكن وصفها حتى الآن بأنها «حلف عسكري سني» موحد ضد إسرائيل يحتاج إلى قدر أكبر من الأدلة. فالدول الأربع تتحرك في إطار تشاور إقليمي بشأن الأزمات الأمنية والسياسية، بينما وقعت تركيا والسعودية وباكستان في أغسطس 2026 اتفاق دفاع مشترك عُرف باسم «اتفاق مكة»، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بأنه، من الناحية التقنية، قريب من مبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي، فيما قالت أنقرة إن الاتفاق دفاعي وليس موجهًا ضد إيران أو أي دولة بعينها، وأشارت إلى إمكانية توسع عضويته مستقبلًا، مع ذكر مصر تحديدًا كمرشح محتمل. وهنا تظهر أول فجوة في الرواية المتداولة داخل إسرائيل: مصر ليست طرفًا في اتفاق الدفاع الثلاثي الموقع بين تركيا والسعودية وباكستان. وبالتالي، فإن دمج مصر تلقائيًا داخل «حلف عسكري سني» قائم بالفعل لا يتطابق مع الوضع القانوني والسياسي المعلن للاتفاق.
لكن.. التعاون المصري–التركي حقيقي
في المقابل، لا يمكن وصف المخاوف الإسرائيلية كلها بأنها مختلقة. فخلال صيف 2026، شهد التعاون العسكري المصري–التركي تصعيدًا ملحوظًا. في يونيو، نفذت القوات الجوية المصرية والتركية تدريبًا مشتركًا داخل مصر، تضمن طلعات جوية وتدريبات على مهام عملياتية هدفت إلى تعزيز القدرة على العمل المشترك. وفي الشهر نفسه، شاركت مصر وتركيا وأذربيجان في تدريب «نسر الأناضول 2026» في تركيا، بمشاركة مقاتلات متعددة المهام وطائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي. وتضمنت المرحلة الختامية التدريب على مهاجمة أهداف معادية افتراضية، والدفاع عن أهداف حيوية، واعتراض الطائرات المسيرة والتزود بالوقود جوًا.
وفي يوليو، انتقل التعاون إلى مستوى آخر مع تنفيذ تدريب «العقاب الذهبي 2026»، بمشاركة قوات المظلات والصاعقة المصرية والقوات الخاصة التركية، وتضمن تدريبات على الاقتحام والتعامل مع الطائرات المسيرة والعبوات الناسفة والعمليات الخاصة. كما أجرى وزير الدفاع المصري زيارة رسمية إلى تركيا، انتهت بتوقيع خطاب نوايا لتعزيز التعاون الدفاعي، إلى جانب بحث التعاون في الصناعات الدفاعية ، إذن، هناك تحول عسكري مصري–تركي حقيقي. لكن السؤال الذي لا تجيب عنه هذه الوقائع هو: ضد من؟ فالبيانات العسكرية المصرية المنشورة تصف هذه التدريبات بأنها جزء من خطط التدريب المشترك وتبادل الخبرات وتعزيز الكفاءة القتالية، ولا تقدم دليلًا علنيًا على أنها موجهة ضد إسرائيل.
سيناء.. من «تعزيز أمني» إلى «استعداد للحرب»؟
هنا تقع النقلة الأخطر في الخطاب الإسرائيلي. منذ 2025، أثارت زيادة الوجود العسكري المصري في سيناء نقاشًا واسعًا داخل إسرائيل، وظهرت تقارير وتحليلات تربط بين تعزيز الجيش المصري في شبه الجزيرة وبين احتمال الاستعداد لمواجهة مستقبلية مع إسرائيل. لكن دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS في مارس 2025 تناولت هذه المخاوف بالتفصيل ، الدراسة أقرت بوجود توسع عسكري مصري وتطوير للقدرات العسكرية، لكنها وضعت ذلك في سياق أوسع يشمل مكافحة الإرهاب في سيناء، وتأمين الحدود المصرية مع ليبيا وغزة، وحماية المصالح الاستراتيجية المصرية، وتطوير البنية التحتية في شبه الجزيرة. والأهم أن الدراسة نفسها ناقشت الادعاء القائل إن مصر تستعد لحرب استباقية ضد إسرائيل، قبل أن تؤكد أن التزام القاهرة بمعاهدة السلام يمثل عاملًا رئيسيًا يجعل فرضية الحرب المصرية أقل اتساقًا مع المصالح والاستراتيجية المصرية المعلنة. وخلصت إلى ضرورة خفض التوتر والحفاظ على معاهدة السلام بين البلدين. وهنا يصبح السؤال أكثر دقة ، إذا كان تعزيز الجيش المصري حقيقة، فهل تعني حقيقة التعزيز العسكري تلقائيًا وجود نية هجومية؟ ، الإجابة المهنية: لا.
معاهدة السلام.. ماذا تقول الوثائق؟
معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية الموقعة في 26 مارس 1979 أنهت حالة الحرب بين البلدين، ونصت على انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وعودة السيادة المصرية عليها. لكن المعاهدة وضعت في الوقت نفسه ترتيبات عسكرية تفصيلية لمناطق الانتشار في سيناء. وبموجب الملحق العسكري، توجد مناطق محددة بأعداد وقدرات عسكرية مختلفة، بينها منطقة «A» التي تسمح بوجود فرقة مشاة ميكانيكية مصرية، وبحد أقصى محدد من الدبابات والعربات المدرعة والأفراد. المهم أن الترتيبات الأمنية لم تكن ثابتة بصورة منفصلة عن الواقع الميداني. فدراسة INSS نفسها توثق أن إسرائيل وافقت منذ 2011 على إدخال قوات مصرية إضافية إلى سيناء لمواجهة الإرهاب، وأن آلية تنسيق تطورت لاحقًا للتعامل مع ما يعرف بـ«الأنشطة المتفق عليها» التي تتجاوز بعض حدود الانتشار الواردة في الترتيبات الأصلية. وبالتالي فإن وجود قوات مصرية إضافية في سيناء لا يمكن تفسيره منفردًا باعتباره مؤشرًا على قرار بالحرب.
لماذا تبدو القاهرة مختلفة الآن؟
التحول المصري لا يقتصر على سيناء. القاهرة تتحرك في اتجاه إعادة بناء موقعها كقوة إقليمية مستقلة، مع تنويع الشراكات العسكرية والسياسية. والتقارب مع تركيا يمثل أحد أبرز مظاهر هذا التحول. فخلال أشهر قليلة، انتقلت العلاقات العسكرية المصرية–التركية من التعاون التقليدي إلى تدريبات جوية متكررة، وتدريبات للقوات الخاصة، ومباحثات حول الصناعات الدفاعية. لكن هذا التحول يجب وضعه داخل سياق أوسع: مصر ليست الدولة الوحيدة التي تعيد ترتيب حساباتها الأمنية. والسعودية نفسها تتجه إلى بناء ترتيبات دفاعية إقليمية جديدة، فيما تعمل تركيا على تعزيز موقعها كقوة أمنية وعسكرية رئيسية في المنطقة. وفي يوليو أعلنت السعودية عن تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وحظيت المبادرة بتأييد 14 دولة، بينها مصر وتركيا وباكستان. أي أن بعض عناصر «المحور» الذي تتحدث عنه إسرائيل موجودة فعلًا، ولكنها موزعة بين ترتيبات مختلفة وأهداف متعددة، وليس بالضرورة ضمن غرفة عمليات عسكرية واحدة تستهدف إسرائيل.
«عدو جديد».. كيف تتشكل الرواية؟
مقال ميلشتاين في «يديعوت أحرونوت» يقدم مدخلًا مهمًا لفهم الظاهرة ، فالباحث الإسرائيلي لا ينفي أن تركيا أصبحت أكثر قوة وتأثيرًا، لكنه يحذر من تحويلها إلى نسخة جديدة من إيران في الخطاب الإسرائيلي. وفي مقال سابق نشره في يوليو، قال إن تركيا أصبحت «الديمون الجديد» لإسرائيل، لكنه حذر في الوقت نفسه من اختزالها في صورة «إيران الجديدة»، مشيرًا إلى اختلاف دوافعها ومصالحها وقدراتها. ثم عاد في مقاله الأحدث إلى التحذير من «المحور السني الجديد»، مؤكدًا أن الجمهور الإسرائيلي يجب أن يسأل عن مصدر هذه الفرضيات، خصوصًا في ظل وجود مصلحة سياسية محتملة في تضخيم بعض المخاطر. وهذه ليست دعوة إلى تجاهل المخاطر ، بل إلى التمييز بين ثلاثة مستويات: الخطر الموجود بالفعل – الخطر المحتمل – الخطر الذي يتم تقديمه للجمهور باعتباره حقيقة مكتملة دون أدلة كافية.
أين تقف مصر في هذه المعادلة؟
المؤشرات المتاحة ترسم صورة أكثر تعقيدًا ، المؤكد: مصر تعزز قدراتها العسكرية منذ سنوات – وجودها العسكري في سيناء ازداد في سياق مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود – القاهرة تعمق تعاونها العسكري مع تركيا – مصر تشارك في آليات تنسيق إقليمية متعدد – القاهرة دعمت ترتيبات أمن الملاحة في البحر الأحمر – مصر ليست طرفًا في اتفاق الدفاع الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان حتى الآن.
غير المثبت: أن مصر قررت شن حرب على إسرائيل – أن القاهرة انضمت إلى حلف عسكري هدفه مواجهة إسرائيل – أن التدريبات المصرية–التركية تمثل استعدادًا لعملية هجومية ضد إسرائيل – أن التحركات العسكرية المصرية في سيناء تعني وجود قرار سياسي بالانتقال إلى الحرب ، وهذه التفرقة هي جوهر التحقيق.
ماذا يخيف إسرائيل إذن؟
المؤشرات تشير إلى أن القلق الإسرائيلي يرتبط بصورة أكبر بتغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل. فبعد سنوات من الاعتقاد بأن إسرائيل تتمتع بتفوق عسكري وسياسي واسع في الإقليم، تظهر اليوم ترتيبات جديدة: تركيا تعزز نفوذها العسكري والسياسي – السعودية تبحث عن ضمانات أمنية إقليمية أكثر استقلالًا – باكستان تدخل في ترتيبات دفاعية جديدة مع قوتين إقليميتين – مصر تعزز تعاونها العسكري مع تركيا وتشارك في أطر تنسيق إقليمية. وهذا يعني أن إسرائيل قد تواجه مستقبلًا شرق أوسط أقل قابلية للعمل وفق قواعد كانت سائدة خلال العقود السابقة. لكن هذا شيء مختلف تمامًا عن القول إن هذه الدول قررت تشكيل تحالف عسكري لإسقاط إسرائيل.
المفارقة.. «اتفاق مكة» ليس مصريًا
ربما تكون هذه النقطة الأكثر أهمية في تفكيك الرواية. اتفاق الدفاع الذي أطلق عليه «اتفاق مكة» وُقع بين السعودية وتركيا وباكستان ، الاتفاق ينص على مبدأ الدفاع المشترك، لكنه لا يضم مصر في عضويته الحالية. وقد قالت تركيا إن الباب مفتوح لتوسيع الاتفاق، وذكرت مصر باعتبارها دولة يمكن أن تنضم مستقبلًا. وفي إسرائيل نفسها، تناولت «يديعوت أحرونوت» الاتفاق باعتباره تحولًا استراتيجيًا مهمًا، لكنها أشارت إلى أن هدفه الأساسي ليس إسرائيل وإنما الردع في مواجهة إيران والتهديدات الإقليمية. وهذه المفارقة تكشف مشكلة المصطلح: «محور سني» ليس بالضرورة «محورًا ضد إسرائيل». فالخصومة مع إيران، ومواجهة الحوثيين، وتأمين البحر الأحمر، وحماية الحدود، كلها ملفات تدفع دولًا سنية إلى التعاون، دون أن تعني بالضرورة أنها اتفقت على حرب مع إسرائيل.
ماذا تقول خريطة الأدلة؟
لا تسمح الأدلة المتاحة حتى الآن بإطلاق حكم يقول إن مصر أصبحت «العدو القادم» لإسرائيل. لكنها تسمح باستنتاج أكثر دقة وأهمية: مصر تتحرك داخل بيئة إقليمية جديدة، وتعيد توسيع شبكة شراكاتها العسكرية والسياسية، في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة إسرائيل على احتكار تعريف التهديدات الأمنية في المنطقة. التعاون المصري–التركي حقيقي – والتقارب السعودي–التركي–الباكستاني حقيقي – والتنسيق الإقليمي الجديد حقيقي – والقلق الإسرائيلي من هذه التحولات حقيقي أيضًا.
لكن تحويل كل هذه الوقائع إلى رواية واحدة تقول إن «محورًا سنيًا هجوميًا تقوده مصر وتركيا يتشكل لمحاصرة إسرائيل» يتطلب أدلة تتجاوز ما هو متاح علنًا. وهنا تحديدًا تظهر أهمية تحذير «يديعوت أحرونوت». فالمشكلة ليست في وجود تهديدات حقيقية، وإنما في إمكانية أن تتحول الاحتمالات إلى حقائق، والتقديرات إلى معلومات، والمخاوف إلى نوايا، ثم تتراكم جميعها داخل المجال العام حتى تصبح «حقيقة» يصعب تفكيكها.
وفي حالة مصر، تكشف الأدلة المتاحة مفارقة واضحة: الجيش المصري يتطور، لكن التطور العسكري ليس إعلان حرب – القاهرة تتقارب مع أنقرة، لكن التقارب ليس تحالفًا هجوميًا – مصر تشارك في ترتيبات إقليمية جديدة، لكن المشاركة ليست إعلانًا عن محور ضد إسرائيل. أما السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة فهو مختلف: «هل تتحول هذه الشبكات الجديدة من التعاون والتنسيق إلى تحالف عسكري مؤسسي يغير قواعد الأمن الإقليمي؟» حتى الآن، الإجابة: لم يحدث ذلك بعد ، لكن ما يحدث في المنطقة يشير إلى أن النظام الأمني الإقليمي القديم يتغير بسرعة، وإسرائيل تدرك ذلك؛ ولذلك أصبح الصراع على تعريف «من هو العدو القادم» جزءًا من الصراع نفسه.


