تل ابيب ، اسرائيل – لم تعد قصة منطقة E1 الواقعة شرق القدس مجرد مشروع لبناء آلاف الوحدات السكنية الإسرائيلية , فالمناقصة الجديدة التي طرحتها وزارة الإسكان الإسرائيلية لبناء 1,234 وحدة تكشف انتقال المشروع من دوائر التخطيط والمصادقة إلى مرحلة أكثر عملية، بالتوازي مع مشروعات طرق وبنية تحتية وإجراءات على الأرض يمكن أن تعيد تشكيل حركة السكان وحدود الاتصال الجغرافي في قلب الضفة الغربية. في 18 أغسطس 2026، فُتحت مناقصة لبناء 1,234 وحدة سكنية ضمن مخطط E1 الأكبر، الذي يضم 3,401 وحدة تمت الموافقة عليها سابقًا. ومن المقرر إغلاق باب تقديم العروض في 19 أكتوبر، أي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر بأسبوع واحد. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
ليست 1,234 شقة.. بل قطعة من خريطة أكبر
الرقم الذي تصدر المشهد هو 1,234، لكنه لا يمثل سوى نحو 36% من إجمالي الوحدات المخطط لها في E1. وتقع المنطقة في موقع شديد الحساسية بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، وفي قلب المجال الجغرافي الذي يربط رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم. الاتحاد الأوروبي وصف E1 بأنها من أكثر مناطق الضفة الغربية حساسية من الناحية الاستراتيجية، وحذر من أن تنفيذ المشروع سيقطع الاتصال الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، ويعوق نشوء منطقة حضرية فلسطينية مترابطة بين رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم، فضلًا عن تعزيز دمج معاليه أدوميم في المجال العمراني الإسرائيلي. وبذلك يصبح السؤال الأهم ليس: كم وحدة سكنية ستُبنى؟ بل: ما الذي ستفعله هذه الوحدات عندما توضع داخل شبكة من الطرق والمرافق والبنية التحتية؟
الطريق قبل البيت
تكشف التطورات السابقة أن مشروع E1 لا يتحرك بمعزل عن مشروعات الطرق. ففي مارس 2025، خصصت الحكومة الإسرائيلية 335 مليون شيكل لإنشاء طريق جديد مخصص لحركة الفلسطينيين بين العيزرية والزعيم، ضمن منظومة قالت تقارير أوروبية إنها تهدف إلى إعادة توجيه حركة المرور الفلسطينية بين شمال الضفة وجنوبها. ووفق تقرير الاتحاد الأوروبي عن الاستيطان لعام 2025، فإن الطريق يمكن أن يغلق أمام الفلسطينيين نحو 3% من مساحة الضفة الغربية، في الوقت الذي يسمح فيه بتعزيز الاتصال بين معاليه أدوميم ومنطقة E1 والمجال العمراني الإسرائيلي. كما حذر التقرير من تأثيره على تجمعات فلسطينية، بينها خان الأحمر.
هذه النقطة تكشف الفارق بين بناء مستوطنة وإعادة هندسة منطقة. فالطريق لا يبدو، في حد ذاته، مشروعًا سكنيًا. لكنه يحدد من يتحرك أين، ومن يستخدم أي مسار، وكيف تتصل المناطق ببعضها. وبمجرد تغيير شبكة الحركة، تتغير قيمة الأرض ومواقع التجمعات ومسارات التنمية المستقبلية. وهنا تصبح المعادلة: طرق جديدة → إعادة توزيع الحركة → فصل مناطق → بنية تحتية جديدة → توسع عمراني → واقع جغرافي يصعب التراجع عنه.
من يخرج من الخريطة؟
في مايو 2026، حذرت الأمم المتحدة من خطر الإخلاء القسري لتجمع خان الأحمر، بعدما وجه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الإدارة المدنية باتخاذ خطوات لإخلاء التجمع في أسرع وقت. وربط مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هذه الخطوة بمخطط E1، مشيرًا إلى أن تنفيذ المخطط الذي يضم 3,401 وحدة سيؤثر في 18 تجمعًا فلسطينيًا، بينها خان الأحمر، وسيعيد تشكيل الاتصال الإقليمي في المنطقة. وفي يونيو، حذر مكتب لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف من أن تنفيذ أمر إخلاء خان الأحمر يزيد مخاطر النقل القسري للسكان.
وهكذا تظهر طبقة أخرى من القصة. فالمعادلة ليست فقط: منازل إسرائيلية جديدة ، بل أيضًا: منشآت فلسطينية معرضة للإخلاء + طرق جديدة + إعادة توزيع للحركة + مستوطنات متصلة بالبنية التحتية الإسرائيلية. وهذا ما يجعل E1 مشروعًا جغرافيًا قبل أن يكون مشروعًا عقاريًا.
إسرائيل لا تحتاج إلى إعلان الضم لتغيير الواقع
الضم القانوني قرار سياسي يمكن الإعلان عنه في يوم واحد. أما تغيير الجغرافيا فيحتاج إلى سنوات من البناء والطرق وشبكات الخدمات والعقود والاستثمارات. وهنا تكمن أهمية E1. فالاتحاد الأوروبي اعتبر أن تنفيذ المشروع سيعزز ترسيخ السيطرة الإسرائيلية ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. كما ربط تقريره بين المشروع والاستثمارات الحكومية في البنية التحتية الخاصة بـE1 ومعاليه أدوميم. وتقول الأمم المتحدة إن مخطط E1 سيعزز الاتصال بين معاليه أدوميم والقدس الشرقية على حساب التواصل الإقليمي الفلسطيني، وإنه يمكن أن يعزز واقع الضم الفعلي. لذلك، يمكن النظر إلى ما يحدث باعتباره ضمًا من خلال البنية التحتية، وليس بالضرورة من خلال إعلان قانوني شامل.
وهذه قراءة تحليلية لمسار الأحداث وليست وصفًا لقرار إسرائيلي معلن بالضم. لماذا تصبح المناقصة أخطر من الموافقة؟ الموافقة على المخطط كانت خطوة سياسية وتخطيطية. أما المناقصة فتضع شركات البناء أمام فرصة الدخول الفعلي إلى المشروع. ولهذا تكتسب مناقصة 1,234 وحدة أهمية تتجاوز حجمها العددي. فمنظمة «السلام الآن» تقول إن الحكومة اختارت طرح مناقصة جديدة منفصلة لجزء من المشروع بدلًا من فتح المناقصة السابقة لكامل الوحدات، وحددت موعد إغلاق في 19 أكتوبر، قبل الانتخابات بأسبوع. وترى المنظمة أن التوقيت قد يسمح بإبرام عقود مع مقاولين قبل الانتخابات، بما يجعل إلغاء المشروع من جانب حكومة لاحقة أكثر صعوبة. وهذه قراءة سياسية من منظمة حقوقية إسرائيلية، وليست تفسيرًا رسميًا معلنًا من الحكومة لدوافع التوقيت.
لكن وجود الانتخابات في 27 أكتوبر، مقابل إغلاق المناقصة في 19 أكتوبر، يظل حقيقة زمنية تستحق المتابعة. والسؤال هنا: هل تحاول الحكومة تثبيت المشروع على الأرض قبل أن تتغير الخريطة السياسية في إسرائيل؟ لا توجد، حتى الآن، أدلة كافية للجزم بذلك. لكن التزامن يفتح الباب أمام ثلاثة تفسيرات محتملة:
تفسير أيديولوجي: تسريع مشروع تعتبره الحكومة جزءًا من رؤيتها لمستقبل الضفة.
تفسير انتخابي: تحويل المشروع إلى إنجاز يصعب على حكومة لاحقة التراجع عنه.
تفسير تفاوضي: خلق وقائع مادية جديدة بحيث تبدأ أي مفاوضات مستقبلية من خريطة مختلفة.
والفارق هنا مهم: التحقيق المهني لا يحتاج إلى اختيار إحدى الفرضيات مسبقًا؛ بل يعرض الوقائع التي تسمح للقارئ بتقييمها.
الشركات تدخل منطقة الخطر التطور الجديد يفتح أيضًا جبهة أقل ظهورًا: المسؤولية الاقتصادية للشركات.
فالاتحاد الأوروبي حذر في مايو 2026 الشركات من المشاركة في مناقصات E1 أو مشروعات الاستيطان الأخرى، مشيرًا إلى مخاطر قانونية وسمعة تجارية مرتبطة بالمشاركة في إنشاء المستوطنات.
وهذا يعني أن المعركة حول E1 لم تعد محصورة في الحكومات والمنظمات الدولية.
فكل عقد بناء يمكن أن يفتح سلسلة جديدة من الأسئلة:
من سيفوز بالمناقصة؟
من سيمول البناء؟
من يوفر التأمين؟
من ينفذ شبكات الطرق والمياه والكهرباء؟
وهل ستشارك شركات دولية أم سيقتصر التنفيذ على شركات إسرائيلية؟
هذه الأسئلة قد تصبح مهمة إذا تحولت التحذيرات الأوروبية من بيانات سياسية إلى إجراءات عملية تجاه الشركات المشاركة.
أوروبا ترى في E1 أكثر من مشروع إسكان
الموقف الأوروبي لم يتوقف عند الاعتراض على الوحدات السكنية. ففي يناير 2026، دعا الاتحاد الأوروبي إسرائيل إلى وقف مشروع E1، معتبرًا أن المشروع وطريق السيادة يشكلان خطرًا على تماسك الضفة الغربية، ويهددان فرص حل الدولتين. وفي مايو، حذر الاتحاد الأوروبي الشركات من المشاركة في مناقصات E1، بسبب المخاطر القانونية وسمعة الشركات.
أما بريطانيا، فأعلنت في أغسطس 2026 معارضتها لإعادة تقديم مشروع E1، ووصفته بأنه مشروع يهدف إلى قطع الضفة الغربية إلى نصفين. وفي 20 أغسطس، انضمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وكندا إلى إدانة مشتركة للتطور الأخير المتعلق بالمناقصة. وهكذا تتسع القضية من نزاع على أرض إلى اختبار لعلاقة إسرائيل بحلفائها الغربيين، ولقدرة الحكومات الأوروبية على الانتقال من الإدانات السياسية إلى إجراءات اقتصادية وقانونية.
مصر: لماذا تنظر القاهرة إلى E1 باعتباره تقسيمًا للضفة؟
الموقف المصري يضع E1 في سياق أوسع من قضية الاستيطان. ففي 5 أغسطس 2026، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اجتماع اللجنة الوزارية العربية في عمّان، إن مخطط E1 يهدف إلى فرض واقع يقسم الضفة الغربية إلى شطرين شمالي وجنوبي، وربط استمرار هذه السياسات بتقويض فرص تحقيق السلام على أساس حل الدولتين. وتكشف هذه الرؤية أن القاهرة تتعامل مع المشروع باعتباره جزءًا من معركة أوسع حول قابلية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. وهنا تصبح أهمية E1 بالنسبة لمصر مرتبطة بمستقبل التسوية الإقليمية نفسها. فإذا أصبح الاتصال الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها أكثر صعوبة، وأصبح الوصول من القدس الشرقية إلى باقي الضفة محكومًا بشبكة طرق ومناطق عمرانية جديدة، فإن السؤال لن يعود فقط: أين ستقام الدولة الفلسطينية؟ ، بل: هل ستكون هناك مساحة جغرافية متصلة تسمح أصلًا بقيامها؟
المعركة الحقيقية ليست على عدد الوحدات
الأرقام تقول إن المناقصة الحالية تشمل 1,234 وحدة من أصل 3,401.
لكن الجغرافيا تقول شيئًا آخر.
هناك مستوطنات.
وهناك طرق.
وهناك بنية تحتية.
وهناك مناطق تجارية وتشغيلية.
وهناك تجمعات فلسطينية تواجه أوضاعًا قانونية وإنسانية متزايدة الصعوبة.
وهناك استثمارات حكومية.
وهناك شركات يفترض أن تدخل في عملية البناء.
وعندما تجتمع هذه العناصر، فإن كل مشروع منفرد قد يبدو صغيرًا، لكن مجموعها يصنع شيئًا أكبر: شبكة عمرانية واقتصادية وأمنية تعيد تعريف وظيفة الأرض. وهنا تحديدًا تكمن أهمية E1.
ماذا لو اكتملت الخريطة؟
إذا تحولت الـ1,234 وحدة إلى مبانٍ فعلية، ثم تبعتها بقية الوحدات المخطط لها، واستكملت الطرق والمناطق التجارية والبنية التحتية، فإن السؤال لن يكون عن مشروع استيطاني منفرد. سيكون السؤال عن خريطة جديدة ، خريطة يصبح فيها الربط بين القدس ومعاليه أدوميم أكثر رسوخًا، بينما تصبح الحركة الفلسطينية بين شمال الضفة وجنوبها أكثر اعتمادًا على مسارات بديلة. ولهذا حذر الاتحاد الأوروبي من أن E1 يمكن أن يمنع تطور منطقة حضرية فلسطينية مترابطة بين رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم. وتحذر الأمم المتحدة من أن المشروع سيؤثر في 18 تجمعًا فلسطينيًا، وأنه سيعزز الانفصال الجغرافي للضفة ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة.
الضم قد يبدأ من الطريق
القصة التي بدأت بمناقصة لبناء 1,234 وحدة تكشف مسارًا أوسع. فالمشروع لا يتحرك وحده. الوحدات السكنية تحتاج إلى طرق. والطرق تعيد توزيع الحركة. والحركة تعيد تشكيل قيمة الأرض. والبنية التحتية تثبت الوجود العمراني. والوجود العمراني يصنع واقعًا يصعب التراجع عنه. لهذا فإن السؤال الأكثر أهمية بشأن E1 ليس عدد الشقق التي ستُبنى، وإنما ما إذا كانت إسرائيل تعمل على بناء البنية المادية التي تجعل خريطة الدولة الفلسطينية المستقبلية أكثر تجزؤًا قبل أن تصل أي مفاوضات جديدة إلى طاولة التفاوض.
وبينما يبقى الضم القانوني قرارًا سياسيًا يحتاج إلى إعلان وإجراءات رسمية، فإن تغيير الواقع الجغرافي يمكن أن يحدث بالتدريج، عبر طريق ومناقصة ومخطط عمراني وشبكة خدمات وعقد بناء. وهنا تصبح E1 أكثر من مستوطنة. إنها اختبار حقيقي لما إذا كانت الجغرافيا ستسبق السياسة في رسم مستقبل الصراع. وإذا نجحت هذه العملية، فقد لا يكون السؤال المستقبلي: هل ستقوم دولة فلسطينية؟ بل ربما يصبح السؤال الأصعب: أي دولة فلسطينية يمكن أن تقوم بعد أن تكون الطرق والمستوطنات والبنية التحتية قد أعادت رسم الخريطة؟


