الرياض ، السعودية – لم تبدأ اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة في السابع من أغسطس 2026 داخل قاعة التوقيع، بل سبقتها أشهر من الاتصالات وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية. بدأت هذه العملية باتفاق سعودي باكستاني، ثم اتسعت دائرة التفاوض مع دخول تركيا. وفي الوقت نفسه، تحركت مصر بالتوازي داخل مسار تشاوري إقليمي أوسع. وتكشف متابعة التصريحات الرسمية والتغطيات الدولية أن الاتفاق كان نتاج مسار تدريجي فرضته التحولات الأمنية في المنطقة. ولكن هذا كان قبل أن يصل إلى صيغته النهائية في مكة.
البداية من الرياض
كانت نقطة الانطلاق المعلنة في 17 سبتمبر 2025، عندما وقعت السعودية وباكستان اتفاقية للدفاع الاستراتيجي المشترك في الرياض. نصت على أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يعد اعتداءً على الأخرى. ولم تكن الاتفاقية بداية التعاون العسكري بين البلدين إذ يمتد التعاون الدفاعي السعودي الباكستاني لعقود. مع ذلك، منح الاتفاق الجديد العلاقة إطارًا أكثر وضوحًا، وفتح الباب أمام توسيع التعاون في مجالات التدريب والمناورات والتنسيق الدفاعي. ومنذ تلك اللحظة بدأت تتشكل نواة منظومة أمنية يمكن البناء عليها إقليميًا.
تركيا تدخل غرفة التفاوض
في يناير 2026 ظهرت تركيا علنًا في المشهد، بعدما كشفت تقارير دولية عن محادثات بين أنقرة والرياض وإسلام آباد بشأن توسيع إطار التعاون الدفاعي. وفي 15 يناير، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وجود محادثات، لكنه شدد على أن الاتفاق لم يكن قد وقع بعد. وقد أوضح أن الرؤية التركية تتجاوز مجرد الانضمام إلى اتفاق ثنائي باتجاه إنشاء منصة تعاون إقليمية أوسع. وفي التوقيت نفسه، كشف وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني أن الدول الثلاث كانت قد أعدت بالفعل مسودة لاتفاق دفاعي بعد مفاوضات استمرت عدة أشهر. هذه المعلومة تكشف أن اتفاق مكة لم يكن قرارًا مفاجئًا. بل كان ثمرة مسار تفاوضي بدأ قبل الإعلان عنه بوقت طويل.
ماذا كانت تريد أنقرة
كان دخول تركيا إلى المفاوضات يحمل حسابات تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فأنقرة، العضو في حلف شمال الأطلسي، سعت خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع شراكاتها الأمنية والعسكرية مع القوى الإقليمية. وتم ذلك بالتوازي مع تطوير صناعتها الدفاعية وزيادة حضورها في ملفات الشرق الأوسط. ومن ثم، فإن المشاركة في صيغة تجمع السعودية وباكستان وتركيا تمنح أنقرة منصة إضافية للتنسيق الأمني. مع ذلك، لا يعني ذلك بالضرورة إنشاء بديل عن التحالفات التركية القائمة. وتشير تحليلات مراكز بحثية إلى أن السياسة التركية في المنطقة تقوم بدرجة متزايدة على تنويع الشراكات وبناء خيارات استراتيجية متعددة بدل الاعتماد على مسار واحد.
مصر تظهر في المسار الموازي
بينما كانت المفاوضات الثلاثية تتحرك، كانت القاهرة تشارك في مسار إقليمي موازٍ مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
وفي أبريل 2026 عقدت الدول الأربع اجتماعًا لكبار المسؤولين في إسلام آباد، بعد اجتماع وزاري سابق. ثم استضافت القاهرة في يونيو اجتماعًا آخر لوزراء الخارجية. وأكدت الرئاسة المصرية آنذاك أهمية تطوير آلية التشاور بين الدول الأربع في ظل ما تشهده المنطقة من أزمات أمنية وعسكرية متلاحقة. لكن وجود مصر في هذا المسار لا يعني أنها كانت طرفًا في اتفاق مكة. فالاتفاق الذي وقع في أغسطس ظل ثلاثيًا بين السعودية وتركيا وباكستان.
الحرب غيرت حسابات الغرفة
مع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة خلال 2026، لم تعد المناقشات حول التعاون الدفاعي مسألة بعيدة المدى.
الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، وتهديد المنشآت الحيوية، ومخاطر الملاحة والطاقة، دفعت دول المنطقة إلى إعادة تقييم مفهوم الأمن الجماعي. وفي هذا السياق، عقدت السعودية وتركيا ومصر وباكستان سلسلة من الاجتماعات والاتصالات لمناقشة التطورات العسكرية وسبل خفض التصعيد وتعزيز التنسيق. وهكذا انتقلت فكرة التعاون الدفاعي من مستوى التخطيط الاستراتيجي إلى مستوى أكثر إلحاحًا فرضته التطورات الميدانية.
من الاتفاق إلى الانتشار العسكري
لم يبق التعاون السعودي الباكستاني في الإطار السياسي. ففي أبريل 2026 أعلنت السعودية وصول قوة جوية باكستانية إلى قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية في القطاع الشرقي، في إطار اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك. وفي مايو تحدثت تقارير دولية عن نشر باكستان قوات ومقاتلات ومنظومات دفاع جوي في السعودية. وهذه التطورات كانت مؤشرًا على أن الاتفاق السعودي الباكستاني بدأ يتحول إلى ترتيبات عملية. ولذلك وفر لاحقًا قاعدة يمكن البناء عليها داخل الاتفاق الثلاثي.
السؤال الأصعب من قدم المبادرة
في أي تدقيق عن «الغرفة التي سبقت القمة» يظل السؤال الأساسي هو صاحب المبادرة. فقد وضعت السعودية وباكستان الأساس من خلال اتفاق سبتمبر 2025. بينما دخلت تركيا لاحقًا بمقاربة أكثر اتساعًا، وأعلنت باكستان في يناير وجود مسودة ثلاثية قيد التفاوض. أما مصر، فكانت تتحرك داخل آلية رباعية للتشاور السياسي والأمني. لذلك، فإن الأدق مهنيًا هو القول إن اتفاق مكة كان نتاج عملية تفاوضية متعددة الأطراف. وليس مبادرة منفردة أعلنتها دولة واحدة ثم انضمت إليها الدول الأخرى.
لماذا مكة
لم يكن اختيار مكة مجرد تفصيل بروتوكولي. فالمكان يحمل رمزية دينية وسياسية كبيرة، ويتناسب مع الرسالة التي حرصت الدول الثلاث على تقديمها بعد توقيع الاتفاق. وهذه الرسالة هي أن التعاون يستهدف حماية أمن الدول الأطراف وتعزيز قدراتها الدفاعية، وليس إنشاء تحالف معلن ضد دولة بعينها. وأكد مسؤولون أتراك وباكستانيون بعد التوقيع أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة محددة. وتلك الصياغة تمنح الاتفاق مساحة للمناورة السياسية، خصوصًا في ظل حساسية العلاقات الإقليمية وتشابكها.
إيران حاضرة رغم غياب اسمها. رغم أن الاتفاق لا يقدم إيران باعتبارها الطرف المستهدف، فإن البيئة الأمنية التي سبقته تجعل طهران عنصرًا أساسيًا في حسابات المنطقة. فالصواريخ والطائرات المسيرة، وأمن الخليج، والمنشآت النفطية، والممرات البحرية، كلها ملفات ترتبط مباشرة بموازين القوة مع إيران. مع ذلك، فإن إبقاء الاتفاق خارج صيغة «تحالف ضد إيران» يسمح للدول الثلاث بتقديمه باعتباره منظومة دفاعية مفتوحة بدل تحويله إلى إعلان مواجهة إقليمية جديدة.
وماذا عن مصر
تظل القاهرة واحدة من أهم القطع غير الموجودة في الصورة النهائية. فمصر شاركت مع السعودية وتركيا وباكستان في اجتماعات تشاورية متتالية، واستضافت إحدى جولات الحوار. كما أن موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وثقلها السياسي يجعلها لاعبًا رئيسيًا في أي ترتيبات أمنية إقليمية. لكنها لم توقع اتفاق مكة. وبعد التوقيع، ظهرت تصريحات تركية تشير إلى إمكانية انضمام دول أخرى مستقبلًا، من بينها مصر. وبذلك يبدو أن اتفاق مكة قد يكون نقطة بداية لمنظومة أكبر، وليس بالضرورة شكلها النهائي.
الغرفة التي كشفتها مكة
عند إعادة ترتيب الأحداث زمنيًا، تظهر أربعة مسارات متداخلة.
الأول بدأ سعوديًا باكستانيًا في سبتمبر 2025.
الثاني توسع مع دخول تركيا إلى مفاوضات الاتفاق الثلاثي.
الثالث تمثل في المسار التشاوري الذي جمع مصر والسعودية وتركيا وباكستان.
أما الرابع ففرضته التطورات العسكرية المتسارعة خلال 2026، ودفع باتجاه تحويل التعاون الدفاعي من فكرة استراتيجية إلى ترتيبات عملية.
وهكذا لم تكن مكة نقطة البداية، وإنما كانت لحظة الإعلان عن نتيجة عملية طويلة لإعادة بناء شبكة الأمن الإقليمي.
لقد تحولت القصة من اتفاق ثنائي إلى مظلة إقليمية محتملة. هذا يكشف أن المنطقة لا تتحرك فقط نحو تحالفات تقليدية، وإنما نحو ترتيبات أكثر مرونة تجمع بين القدرات العسكرية والتنسيق السياسي وتبادل المعلومات والتعاون الصناعي والدفاع الجوي وأمن الملاحة. وتملك الدول الثلاث عناصر مختلفة داخل هذه المعادلة.
السعودية توفر الثقل الاقتصادي والجغرافي وموقعها المركزي في الخليج.
تركيا تضيف قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة وثقلًا سياسيًا إقليميًا.
أما باكستان فتضيف خبرة عسكرية واسعة وقدرات جوية وصاروخية، فضلًا عن كونها الدولة النووية الوحيدة في المجموعة. وهذه التركيبة هي التي تمنح اتفاق مكة أهميته الاستراتيجية.
من سيكون داخل الغرفة فى المرحلة القادمة
لم تكن الصورة التي ظهرت في مكة في 7 أغسطس 2026 سوى المشهد الأخير لعملية بدأت قبلها بعشرة أشهر على الأقل.
بدأت الرياض وإسلام آباد بتثبيت إطار دفاعي ثنائي، ثم دخلت أنقرة على خط التفاوض، بينما تحركت القاهرة ضمن مسار تشاوري موازٍ. ثم دفعت التحولات العسكرية الإقليمية الأطراف إلى تسريع ترتيباتها. والأهم أن الاتفاق لم يخرج من فراغ، بل من تراكم اتصالات ومسودات واجتماعات وتعاون عسكري ميداني سبق لحظة التوقيع.
لهذا، فإن قراءة اتفاق مكة باعتباره مجرد اتفاق دفاعي ثلاثي تختزل القصة. أما القراءة الأوسع فتشير إلى أن المنطقة بدأت تبحث عن بنية أمنية إقليمية أكثر اعتمادًا على قدراتها الذاتية، مع الاحتفاظ بعلاقاتها وتحالفاتها الدولية القائمة. وفي هذه القصة تحديدًا، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ماذا وقعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة. بل من سيكون داخل الغرفة في المرحلة التالية.


