بروكسيل ، بلجيكا – تواجه القارة الأوروبية صيفًا شديد الحرارة، مع تزايد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية. وقد أعاد هذا الطقس الحار فتح النقاش حول مدى استعداد المدن الأوروبية للتعامل مع الطقس الحار. ويبرز هذا النقاش خاصة في ظل انخفاض معدلات استخدام أجهزة التكييف مقارنة بمناطق أخرى من العالم. وتشير تقديرات إلى أن الحرارة الشديدة تتسبب في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص سنويًا في أوروبا. في الوقت نفسه، هناك تحذيرات من أن نقص وسائل التبريد داخل المنازل والمباني العامة قد يزيد من المخاطر الصحية، خصوصًا على كبار السن والأشخاص الأكثر تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة.
ويبرز التكييف في قلب هذا الجدل، بعدما ظل لسنوات يُنظر إليه في عدد كبير من الدول الأوروبية باعتباره وسيلة للراحة أكثر من كونه ضرورة صحية. إلا أن تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة دفعا العديد من الخبراء إلى إعادة النظر في هذه الرؤية. ويرجع ذلك إلى تزايد فترات الحر الشديد خلال فصل الصيف. وتواجه أوروبا معادلة صعبة؛ فمن ناحية، تحتاج إلى توفير وسائل فعالة لحماية السكان من الحرارة. من ناحية أخرى، تخشى الحكومات من ارتفاع استهلاك الكهرباء وزيادة الانبعاثات الناتجة عن التوسع الكبير في استخدام أجهزة التكييف.
ولا تتوقف الحلول عند تركيب أجهزة التكييف، إذ تتجه الدعوات إلى تحسين تصميم المباني وزيادة المساحات الخضراء. كما يشدد الخبراء على أهمية استخدام العزل الحراري وتطوير أنظمة تبريد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، يجب توفير أماكن آمنة وباردة للفئات الأكثر عرضة للخطر خلال موجات الحر. ويحذر خبراء من أن المدن المكتظة بالسكان تواجه مخاطر أكبر بسبب ظاهرة “الجزر الحرارية” التي تجعل درجات الحرارة داخل المناطق الحضرية أعلى من المناطق المحيطة. وبالتالي، يزيد ذلك الضغط على كبار السن والمرضى والعاملين في الأماكن المفتوحة.
وتكشف موجات الحر المتكررة أن أوروبا أمام واقع مناخي جديد، بعدما أصبحت درجات الحرارة المرتفعة أكثر تكرارًا وشدة. لذلك، يفرض هذا الواقع على الحكومات وضع خطط طويلة المدى للتكيف مع ارتفاع الحرارة وحماية السكان. وبينما يستمر الجدل بشأن التوسع في استخدام أجهزة التكييف، تتزايد القناعة بأن التعامل مع الحرارة لم يعد مسألة رفاهية بل أصبح جزءًا من سياسات الصحة العامة، خاصة مع ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بموجات الحر. وتبقى المعركة الحقيقية أمام أوروبا هي تحقيق التوازن بين حماية حياة السكان وتقليل استهلاك الطاقة. ويأتي ذلك من خلال الاعتماد على مبانٍ أكثر كفاءة ومدن أكثر خضرة وتقنيات تبريد أقل استهلاكًا للطاقة. عندها فقط سيستطيعون مواجهة موجات الحر دون خلق أزمات بيئية جديدة.


