طرابلس ، ليبيا – لم يعد ما تشهده مدينة الزاوية غرب ليبيا مجرد سلسلة حوادث منفصلة داخل منشآت للطاقة، بعدما تكررت خلال أيام وقائع استهداف طالت مرافق نفطية وكهربائية. وقد انتهت هذه الوقائع بانفجار جديد قرب محطة كهرباء الزاوية في 15 أغسطس، أدى إلى خروج وحدات توليد عن الخدمة. وتكشف إعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث أن الخطر لم يعد محصورًا في منشأة واحدة. لكنه امتد إلى عدة عقد مترابطة داخل منظومة الطاقة، من خزانات الوقود والمرافق النفطية إلى محطات التحويل والتوليد. وفي المقابل، لا تزال هوية الجهة التي تقف وراء الهجمات غير محسومة. كما لم تحسم التحقيقات الرسمية حتى الآن سبب الانفجار الأخير أو ما إذا كان ناجمًا عن هجوم بطائرة مسيرة.
8 أغسطس بداية الخيط
بدأت سلسلة الأحداث، وفق التقارير المتاحة، في 8 أغسطس باستهداف أحد خزانات منشأة الزاوية النفطية بطائرة مسيرة.
وأفادت تقارير عن تعرض الخزان لأضرار وتسرب مادة النافثا، دون تسجيل حريق في الواقعة. بعدها، اتسعت دائرة الاستهداف خلال الأيام التالية. وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها جاءت كبداية لسلسلة طالت لاحقًا منشآت أكثر حساسية داخل منظومة الطاقة.
10 أغسطس أربعة ملايين ونصف المليون لتر تحت النار
في 10 أغسطس، تعرض خزان وقود في مجمع الزاوية النفطي لهجوم بطائرة مسيرة، وفق ما أوردته مصادر دولية.
وقالت المؤسسة الوطنية للنفط إن الخزان كان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين. وأضافت أن الهجوم أدى إلى اشتعال النيران وانهيار الخزان. رغم حجم الخسائر، لم تتعرض المصفاة نفسها لأضرار جسيمة. لكن استمرت إمدادات الوقود اعتمادًا على المخزونات والشحنات الواردة. مع ذلك، تتجاوز أهمية الهجوم الخزان المستهدف؛ فالضربة أصابت واحدة من أكثر النقاط حساسية في شبكة الطاقة الليبية.
من النفط إلى الكهرباء
خلال اليوم التالي، اتسعت دائرة المخاطر لتشمل منشآت كهربائية في محيط الزاوية، بينما أظهرت صور أقمار صناعية التقطتها منظومة Sentinel-2 أعمدة دخان فوق مجمع الزاوية النفطي. وبذلك لم تعد المؤشرات مرتبطة بمنشآت الوقود وحدها. بل بدأت تلامس الحلقة الأخرى من منظومة الطاقة: الكهرباء. وهنا يصبح التسلسل أكثر أهمية من كل حادث منفرد. نفط.. ثم وقود.. ثم كهرباء.
12 أغسطس ضربة في قلب شبكة الكهرباء
في 12 أغسطس تعرضت محطة تحويل جنوب الزاوية لهجوم بطائرة مسيرة، أدى إلى احتراقها وخروجها من الخدمة.
وقالت الشركة العامة للكهرباء إن الهجوم تسبب في فقدان التغذية عن مناطق واسعة جنوب المدينة. علاوة على ذلك، أظهرت البيانات الرسمية حجم التأثير بصورة أكثر وضوحًا، مع خروج أكثر من 700 ميجاوات من قدرة محطة الزاوية، البالغة نحو 1300 ميجاوات، عن الخدمة عقب التصعيد. وبذلك انتقلت الخسائر من أضرار في منشآت منفردة إلى ضغط مباشر على استقرار شبكة الكهرباء.
انسحاب الخبرة الأجنبية
لم يتوقف تأثير التصعيد عند المعدات. فقد علقت شركة جنرال إلكتريك الأمريكية عملياتها في محطة الزاوية وسحبت فرقها الفنية على خلفية المخاوف الأمنية. وتحمل هذه الخطوة دلالة تتجاوز الجانب الأمني؛ إذ إن تراجع الفرق الفنية المتخصصة يمكن أن يبطئ عمليات الإصلاح. كما يمكن أن يبطئ إعادة وحدات التوليد المتضررة إلى الخدمة. وبذلك يصبح الضرر مزدوجًا: استهداف المنشأة من جهة، وتعقيد عملية استعادتها من جهة أخرى.
15 أغسطس انفجار جديد
في مساء 15 أغسطس وقع انفجار بالقرب من محطة كهرباء الزاوية. وأكدت الشركة العامة للكهرباء خروج عدد من وحدات التوليد عن الخدمة، وبدأت فرقها الفنية التحقيق في أسباب الواقعة والعمل على استعادة الإمدادات تدريجيًا.
غياب الأدلة عن «الدقيقة الأخيرة» لا يلغي أهمية الصورة الأكبر.
فخلال فترة زمنية قصيرة ظهرت سلسلة من الوقائع طالت: خزانات وقود → منشآت نفطية → محطة كهرباء → محطة تحويل → وحدات توليد. هذا التسلسل لا يثبت وجود غرفة عمليات واحدة أو جهة واحدة تقف خلف جميع الأحداث. لكنه يكشف أن منشآت الطاقة في الزاوية تعرضت لضغط متكرر وعلى أكثر من مستوى.
لماذا الزاوية؟
تتمتع الزاوية بموقع استراتيجي داخل منظومة الطاقة الليبية. فالمدينة تضم أكبر مصفاة عاملة في البلاد، بطاقة تصل إلى نحو 120 ألف برميل يوميًا، إلى جانب منشآت تخزين وإمداد ومرافق مرتبطة بالطاقة، فيما تمثل محطة الزاوية الكهربائية أحد مكونات شبكة التوليد في المنطقة. وهذا يجعل الزاوية أكثر من مجرد مدينة تعرضت لهجمات. إنها عقدة تجمع النفط والكهرباء والوقود والبنية التحتية الحيوية في مساحة جغرافية واحدة. ومن هنا فإن إصابة منشأة واحدة يمكن أن تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى.
من يقف وراء الهجمات؟
حتى الآن، لا توجد جهة أعلنت مسؤوليتها بصورة موثقة عن سلسلة الهجمات. كما أن ربط الأحداث بصراع محلي على النفوذ في غرب ليبيا لا يمثل، في حد ذاته، دليلًا على مسؤولية أي طرف. وتبقى عدة فرضيات مطروحة للتحقيق، بينها صراع محلي على النفوذ، أو محاولة الضغط على منشآت الطاقة، أو تنفيذ حملة منظمة ضد البنية التحتية. لكن لا يمكن ترقية أي من هذه الفرضيات إلى نتيجة نهائية قبل توافر أدلة جنائية أو استخباراتية مستقلة.


