ابو ظبى ، الامارات – لم يعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصف سلطنة عُمان مجرد تصريح عابر في خضم الحرب مع إيران؛ فالتصعيد يكشف صراعًا أوسع حول مضيق هرمز، ومستقبل الملاحة فيه. الصراع أيضًا حول من يملك القدرة على فرض قواعد اللعبة الأمنية والسياسية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم. وفي مقابلة مع «فوكس نيوز» في 17 أغسطس/آب، هدد ترامب بالعمل العسكري ضد عُمان إذا «وقفت في الطريق» أمام الجهود الأمريكية لإعادة فتح مضيق هرمز. لكنه قال لاحقًا إن الولايات المتحدة تستطيع التعامل مع مسقط «بسهولة».
لكن المفارقة أن عُمان ليست طرفًا مباشرًا في الحرب، بل تؤدي دورًا محوريًا في الاتصالات بين واشنطن وطهران. كذلك، تعمل مع إيران على ترتيبات تسمح بعودة حركة السفن عبر المضيق. وكانت طهران قد أعلنت أن التوصل إلى اتفاق مع مسقط بشأن مسارات الملاحة أصبح قريبًا.
معركة تتجاوز عُمان
مضيق هرمز هو جوهر الأزمة. فقد كانت تمر عبره قبل الحرب تدفقات نفطية تقترب من 20 مليون برميل يوميًا. تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن المتوسطات التاريخية الأخيرة للتدفقات تجاوزت 20 مليون برميل يوميًا. ومع تراجع حركة الملاحة خلال الأزمة، أصبحت تداعيات هرمز تتجاوز الخليج إلى أسواق الطاقة العالمية. وقالت رويترز إن عدد السفن التي عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع تراجع بشدة، بالتزامن مع تعثر المفاوضات الأمريكية–الإيرانية. لذلك فإن الصراع الحقيقي لا يدور فقط حول فتح المضيق، وإنما حول من يضع قواعد الملاحة فيه. وأيضا حول من يملك أدوات الضغط على تدفقات الطاقة العالمية.
لماذا عُمان؟
قوة مسقط في هذه الأزمة هي تحديدًا قدرتها على التواصل مع أطراف متخاصمة. فقد حافظت عُمان على قنوات اتصال مع إيران والولايات المتحدة. وتحولت إلى أحد أهم مسارات الوساطة في الملف الإيراني. واليوم تجد نفسها أمام معادلة صعبة: الحفاظ على علاقتها بطهران، وعدم الاصطدام بواشنطن، وفي الوقت نفسه منع تحول المضيق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وهنا تظهر المفارقة:
الميزة التي صنعت نفوذ عُمان الدبلوماسي أصبحت مصدرًا للضغط عليها. فنجاح مسقط في التوصل إلى ترتيبات مع إيران بشأن الملاحة قد يدعم الحل الدبلوماسي. لكنه في المقابل قد يصطدم بتصور أمريكي يريد إعادة فتح المضيق ضمن شروط واشنطن.
الخليج أمام اختبار جديد
أي تصعيد عسكري حول عُمان أو هرمز لن يبقى محصورًا في البلدين. الإمارات والسعوجية تمتلكان بعض البدائل لتصدير النفط بعيدًا عن المضيق. لكن قدرات التجاوز لا تكفي لتعويض التدفقات المعتادة عبره بالكامل. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن قدرة المنطقة على تجاوز هرمز محدودة مقارنة بحجم التدفقات التي تمر منه. كما أن غالبية النفط الذي يمر عبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل الصين والهند واليابان من أكثر الاقتصادات تعرضًا لأي اضطراب طويل في الملاحة. وبالتالي فإن أي مواجهة واسعة ستتحول سريعًا من أزمة خليجية إلى أزمة طاقة واقتصاد عالمية.
الصين تدخل المشهد من بوابة الطاقة
كلما طال اضطراب هرمز، زادت أهمية الصين، باعتبارها أحد أكبر المستفيدين من استقرار تدفقات الطاقة الخليجية. لكن دخول بكين لا يعني بالضرورة مواجهة عسكرية مع واشنطن؛ الأرجح أن يتزايد دورها الدبلوماسي والاقتصادي للضغط باتجاه استقرار الملاحة. خصوصًا أن استمرار الأزمة يهدد سلاسل الإمداد والطاقة في آسيا. وهكذا تتحول أزمة هرمز تدريجيًا إلى اختبار للتوازن بين القوة الأمريكية، والنفوذ الإيراني، والمصالح الخليجية، والحضور الصيني.
السيناريوهات المقبلة
الأول: صفقة هرمز
تنجح الوساطة العُمانية–الإيرانية في إعادة حركة الملاحة تدريجيًا، وتعود المفاوضات الأمريكية–الإيرانية إلى مسارها.
الثاني: تسوية تحت الضغط
تعود الملاحة جزئيًا، لكن يبقى المضيق خاضعًا لتوتر عسكري وسياسي مرتفع.
الثالث: انهيار الوساطة
تفشل المفاوضات، ويتحول التهديد الأمريكي لعُمان إلى إجراءات عسكرية، بالتزامن مع انتقال إيران إلى موقف أكثر هجومية في هرمز. وهو احتمال حذرت منه تصريحات نقلتها رويترز عن مسؤول إيراني.
القصة الحقيقية ليست أن ترامب هدد عُمان
القصة أن الدولة الخليجية التي بنت نفوذها على الحوار والوساطة أصبحت الآن واقعة في قلب صراع على واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. وإذا تحولت الوساطة العُمانية من أداة لحل الأزمة إلى سبب للصدام، فإن الخطر لن يقتصر على مسقط.
السؤال الأكبر سيكون: «هل يستطيع الخليج الحفاظ على هرمز كممر ملاحي دولي، أم يتحول المضيق إلى ساحة نفوذ عسكري تُفرض فيها قواعد الملاحة بالقوة؟» إذا حدث السيناريو الثاني، فإن تهديد عُمان لن يكون سوى علامة على بداية مرحلة أمنية جديدة في الخليج.


