باريس ، فرنسا – حذرت صحيفة “بوليتيكو” من أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027 قد تحمل تداعيات كبيرة على مستقبل حلف شمال الأطلسي “الناتو“. ذلك قد يحدث في حال وصول قوى سياسية تتبنى مواقف متشككة أو معارضة للحلف إلى قصر الإليزيه. مشيرة إلى أن نتائج استطلاعات الرأي تعكس تنامي التأييد لتيارات سياسية تدعو إلى إعادة النظر في علاقة فرنسا بالتحالف العسكري الغربي.
نصف الناخبين أمام خيارات معارضة للناتو
وأوضحت الصحيفة أن أحدث استطلاعات الرأي تشير إلى أن نسبة كبيرة من الناخبين الفرنسيين تؤيد مرشحين يتخذون مواقف سلبية من الناتو. ومن أبرزهم مارين لوبان، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب “التجمع الوطني”، وجان لوك ميلانشون، مؤسس حزب “فرنسا الأبية”. وتسعى لوبان إلى إخراج فرنسا من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف. بينما يذهب ميلانشون إلى موقف أكثر حدة، إذ أعلن رغبته في انسحاب فرنسا من الناتو بشكل كامل. ويثير هذا التوجه مخاوف داخل الحلف من إمكانية حدوث تغيير جوهري في سياسة باريس الدفاعية خلال السنوات المقبلة. وبحسب استطلاع داخلي أجراه الناتو خلال الربيع، واطلعت عليه “بوليتيكو”، قال نحو 54% من الناخبين الفرنسيين إنهم سيصوتون لصالح بقاء فرنسا داخل الحلف. كما أنها ثاني أدنى نسبة بين الدول الأعضاء الـ32، بعد مونتينيغرو.
مخاوف من “فجوة كبيرة” داخل الحلف
تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الناتو، الذي يواجه تساؤلات متزايدة بشأن مستوى الالتزام العسكري الأمريكي تجاه أوروبا. بالتزامن مع توجه دول أوروبية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز قدراتها العسكرية تحسبا لاحتمال وقوع مواجهة مع روسيا. وتحذر “بوليتيكو” من أن الرئيس الفرنسي المقبل قد يتمكن من إحداث “فجوة كبيرة” داخل الحلف، خصوصا إذا اختارت باريس تقليص مشاركتها في الهياكل العسكرية المشتركة. وتزداد أهمية الموقف الفرنسي بالنظر إلى أن فرنسا تمثل إحدى أبرز القوى العسكرية الأوروبية. كما أنها القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي. وقال جيمي شيا، الباحث في شؤون الدفاع لدى مركز “فريندز أوف يوروب” والمتحدث السابق باسم الناتو، إن تراجع الوجود الأمريكي في أوروبا يجعل ابتعاد دولة أوروبية كبرى مثل فرنسا عن الحلف أمرا أكثر إشكالية. في وقت يفترض فيه أن تتحمل الدول الأوروبية، ومن بينها فرنسا، مسؤوليات دفاعية أكبر.
تداعيات عسكرية تتجاوز القيادة السياسية
وترى ماري أغنيس شتراك زيمرمان، رئيسة لجنة الدفاع في البرلمان الأوروبي، أن فرنسا ليست مجرد دولة مؤسسة للناتو. بل هي لاعب رئيسي داخل منظومته العسكرية، ولا سيما بسبب قدراتها النووية. واعتبرت أن المستفيد الوحيد من انسحاب فرنسا أو إضعاف دورها داخل الحلف سيكون خصوم الدول الغربية. ومن بين الملفات التي تثير القلق مستقبل مجموعة القتال الفرنسية في رومانيا، التي تضم نحو 1200 عسكري وتقودها باريس. إلى جانب وجود القوات الفرنسية في إستونيا ومشاركتها في عمليات ومهام مختلفة ضمن المنظومة الدفاعية الأوروبية والأطلسية. كما قد يتأثر التعاون في مجالات الاستخبارات والأقمار الصناعية والقدرات النووية، وهي مجالات تعد فرنسا فيها من الدول الأكثر تقدما داخل أوروبا.
تجربة ديغول تعود إلى الواجهة
ويشير محللون إلى أن فكرة ابتعاد فرنسا عن القيادة العسكرية للناتو ليست جديدة، إذ سبق للرئيس الفرنسي شارل ديغول أن أخرج بلاده من القيادة العسكرية المتكاملة للحلف عام 1966. مع استمرار باريس في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع الناتو والمشاركة في عدد من عملياته. وعادت فرنسا إلى الهياكل العسكرية المتكاملة للحلف عام 2009 خلال رئاسة نيكولا ساركوزي. ويطرح احتمال عودة سياسة الابتعاد عن القيادة العسكرية تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين باريس والناتو في حال فوز لوبان بالرئاسة. وقال الفريق أول الفرنسي ميشال ياكوفليف، نائب رئيس أركان سابق في المقر العسكري للناتو، إن الانسحاب من هياكل القيادة العسكرية يمكن من الناحية النظرية أن يبدأ بسرعة. موضحا أن الرئيس الفرنسي لا يحتاج بالضرورة إلى استشارة البرلمان لاتخاذ هذه الخطوة. وأشار إلى أن التنفيذ الفعلي قد يستغرق نحو عام، بسبب الحاجة إلى إعادة توزيع نحو ألف ضابط فرنسي يعملون بصورة دائمة في مؤسسات الناتو. إضافة إلى إنشاء هيئة اتصال جديدة لتنظيم العلاقات بين باريس والحلف.
خسائر في القدرات العسكرية والتمويل
وقد لا تقتصر تداعيات ابتعاد فرنسا عن الناتو على الجانب السياسي، إذ يرى ياكوفليف أن الحلف قد يفقد مجموعة مهمة من القدرات العسكرية الفرنسية. وتشمل هذه القدرات حاملة الطائرات الفرنسية الوحيدة التي تعمل بالطاقة النووية، وسفن الإنزال البرمائي من فئة “ميسترال”. إضافة إلى قدرات الأقمار الصناعية والاستخبارات والبحرية الفرنسية. وبحسب ياكوفليف، تمتلك فرنسا “قليلا من كل شيء”، وهو ما يجعل مساهمتها داخل الحلف ذات قيمة استراتيجية، خصوصا في ظل الحاجة إلى توزيع الأعباء العسكرية بين الدول الأوروبية. كما قد ينعكس أي انسحاب أو تقليص للمشاركة الفرنسية على ميزانية الحلف، إذ تساهم باريس حاليا بنحو 10% من الميزانية التشغيلية السنوية للناتو. التي تبلغ نحو 5.3 مليار يورو.
انتخابات حاسمة في أبريل 2027
ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 18 أبريل 2027، على أن يجرى الدور الثاني في 2 مايو إذا اقتضت الحاجة. ولن يتمكن الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون من الترشح، بعدما تولى الرئاسة لولايتين متتاليتين. وتعتزم مارين لوبان خوض السباق الرئاسي. بعدما حصلت في مطلع يوليو على إمكانية الترشح عقب تخفيف الحكم الصادر بحقها في قضية اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي. وفي ظل احتدام المنافسة الانتخابية، ستبقى السياسة الخارجية والدفاعية من أبرز الملفات التي قد تحدد اتجاه الناخبين الفرنسيين. وإذا تمكنت قوى سياسية معارضة أو متشككة في الناتو من الوصول إلى السلطة، فقد يجد الحلف نفسه أمام اختبار جديد لتماسكه. في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات أمنية متزايدة وتعيد الدول الأعضاء تقييم أدوارها العسكرية ومسؤولياتها الدفاعية.


