كييف ، أوكرانيا – توقفت حركة الملاحة في الممر البحري الأوكراني بالبحر الأسود لأول مرة منذ إطلاقه العام 2023. جاء ذلك في ظل تصاعد الهجمات الروسية المكثفة على السفن التجارية والموانئ الاستراتيجية. وقد دفع هذا التصعيد السريع شركات الشحن العالمية إلى تعليق رحلاتها مؤقتاً. وكان السبب يعود إلى المخاطر الأمنية المتزايدة وسقوط قتلى وجرحى بين أطقم السفن.
وأكد مسؤولون أوكرانيون أن الموانئ لا تزال مفتوحة وتواصل عملها الإداري. كما أشاروا إلى أن قرار وقف الملاحة اتخذته شركات تشغيل السفن بشكل مستقل حفاظاً على سلامة طواقمها. وقال وزير الزراعة الأوكراني تاراس فيسوتسكي إن الحكومة تعمل جاهدة على إيجاد حلول بديلة. وذلك لاستئناف حركة الشحن في أقرب وقت ممكن، بحسب ما نقلته شبكة “فرانس 24”.
وجاء تعليق الملاحة عقب تعرض سفينة تجارية جديدة لهجوم مباشر وإضرام النيران فيها قبالة سواحل أوديسا الأربعاء الماضي. حيث تمكنت فرق الإنقاذ السلطات الأوكرانية من إنقاذ 16 بحاراً كانوا على متنها. وكان هذا الهجوم قد سبقه إعلان كييف، الإثنين، عن مقتل ما يصل إلى 10 بحارة في استهداف سفينة أخرى. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الروسية أن عملياتها العسكرية تستهدف حصراً السفن والموانئ التي تُستخدم لدعم المجهود الحربي الأوكراني.
تحركات دبلوماسية وخسائر متراكمة
في تحرك دبلوماسي عاجل، طلبت أوكرانيا عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، في 27 يوليو، للتحقيق في الهجمات الأخيرة. كما اتهمت موسكو بممارسة “الإرهاب” وتعريض الأمن الغذائي العالمي للخطر. ووفقاً لبيانات النقطة العامة في منطقة أوديسا، استهدفت روسيا نحو 28 سفينة تجارية خلال الشهر الماضي وحده. أدى ذلك إلى مقتل 21 بحاراً وعاملاً في الموانئ وإصابة آخرين.
يذكر أن أوكرانيا أنشأت الممر البحري الآمن في أغسطس 2023 بعد انهيار اتفاق تصدير الحبوب الذي رعته الأمم المتحدة وتركيا. ومنذ ذلك الحين، جرى شحن أكثر من 197 مليون طن من البضائع عبر الموانئ الأوكرانية. شملت هذه البضائع 117 مليون طن من الحبوب، وفقاً لهيئة الموانئ الأوكرانية. وخلال عام 2026 وحده، تعاملت الموانئ مع أكثر من 42 مليون طن من البضائع. كان من بينها نحو 24 مليون طن من المنتجات الزراعية. هذا يمثل زيادة تقارب 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
البدائل اللوجستية وتداعيات الأزمة
حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من احتمال تصعيد روسيا لهجماتها، مشيراً إلى أن موسكو تسعى عمداً إلى عزل أوكرانيا عن البحر الأسود. ويعد ذلك تكراراً لتصريحات سابقة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي تطور عملي، أعلنت شركة الشحن العملاقة “ميرسك” تحويل مسار خدمتها البحرية إلى رومانيا بدلاً من ميناء تشورنومورسك الأوكراني. جاء ذلك عقب تعرض الأخير لهجوم روسي، في خطوة تعكس تنامي المخاوف الاستثمارية والتشغيلية لدى شركات الشحن.
كما أفادت وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال” بأن تجار الحبوب الأوكرانيين يدرسون إعادة توجيه صادراتهم عبر الحدود البرية الغربية أو عبر نهر الدانوب وصولاً إلى ميناء كونستانتا الروماني. إلا أن انخفاض منسوب المياه وموجات الجفاف التي تشهده القارة الأوروبية يحدان من كفاءة هذا الخيار. علاوة على ذلك هناك الارتفاع الحاد في تكاليف النقل الملقاة على عاتق المزارعين الأوكرانيين.
على الجانب الآخر، تواجه روسيا بدورها ضغوطاً متزايدة على حركة الشحن البحري بعد تكثيف الهجمات الأوكرانية المضادة، خاصة في بحر آزوف. وتشير تقارير إلى أن موسكو فرضت قيوداً صارمة على الملاحة في بحر آزوف ومضيق كيرتش. كذلك أبلغت شركات الشحن بقيود جديدة على عمليات الإبحار الليلية من ميناء نوفوروسيسك، الذي يُعد أحد أهم الموانئ الحيوية لتصدير الحبوب والمعادن والنفط والطاقة الروسية.
يُذكر أنه قبل اندلاع الحرب، كانت أوكرانيا توفر نحو 6% من صادرات القمح العالمية وأكثر من 10% من صادرات الذرة. إلا أن طاقتها الإنتاجية تراجعت بما لا يقل عن الثلث خلال سنوات الحرب. أدى ذلك إلى تأثير مباشر وحاد على الدول النامية التي تعتمد بشكل أساسي على الحبوب الأوكرانية لتأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية.


