طهران ، ايران – فجرت نيويورك تايمز وهآرتس خلال الأيام الماضية مفاجأة حول محاولات الموساد الإسرائيلي تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد، وهو المسؤول المثير للجدل ليس داخل إيران فقط، ولكن أيضا خارجها. القنبلة الإعلامية تكشف عن اختراق إسرائيلي متغلل داخل “العمائم” الإيرانية. فقد حاولت الموساد تجنيد نجاد ضمن مشروع لتغيير النظام في إيران. ولكن مكتب الرئيس الإيراني الأسبق نفي هذه المزاعم بشدة ووصفها بالـ “هوليوودية”
ثنائية نجاد ومشائي في الحكم والمعارضة
ولكن قصة التجنيد والتغلل الإسرائيلي ليست جديدة، فالرجل الأبرز في فترتي حكم نجاد وهو إسفنديار رحيم مشائي، والذي عمل كنائب أول للرئيس في 2009 يعتبر الرجل الأول وعقل أحمدي نجاد. وكانت له تصريحات مثيرة للجدل في الداخل الإيراني حول إسرائيل. فقد صرح قائلا إن “إيران اليوم هي صديقة الشعب الأمريكي والشعب الإسرائيلي. ما من أمة في العالم هي عدوتنا وهذا فخر لنا”. وهذا التصريح قوبل بعاصفة من المتشددين في إيران.
وما يمنح هذه التسريبات ثقلا إضافيا هو أنها لا تأتي من فراغ، بل تتقاطع مع تصريحات سابقة أدلى بها تامر هيمان، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي. وقد أكد في مقابلة مع شبكة PBS الأمريكية، أن إسرائيل صممت سلسلة أمنية لإيران، بدأت بالأكراد. مشروع أحمدي نجاد كان إحدى حلقات هذه السلسلة. ولكن لماذا تم اختيار نجاد بالذات ليكون على رأس المشروع الإسرائيلي لتغيير النظام في إيران؟ ما يمكن قوله إن محاولة إسرائيلية حاولت استغلال أفكار نجاد وتياره، وخاصة “مشائي” الذي اعتقل وتمت محاكمته في 2018 بتهمة العمل ضد الأمن القومي. يشكل الرجلان بالنسبة لإسرائيل الحد الأدني المطلوب. فليس مهما أن تكون عميلا، ولكن الأهم أنك لن تشكل مصدر تهديد لمصالح إسرائيل. هذا ما يرسم ملامح فكر الرجلين اللذين ارتبطا بتاريخ طويل بعد سنوات قليلة من تأسيس نظام العمائم في إيران.
الأكراد في عقل نجاد ومشائي
فعلى الجانب المخطط الإسرائيلي بتسليح الأكراد ووصول نجاد للحكم يشكل فهما لتاريخ الرئيس الإيراني الأسبق ونائبه الأول. مع تشكيل وزارة الاستخبارات، انتقل من الحرس الثوري الإيراني إلى هذه المنظمة. وخلال فترة رئاسة مير حسين موسوي للوزراء ( 1981- 1989)، عندما كان “محمد محمدي ري شهري” وزيرا للاستخبارات، عين مشائي مسؤولا عن إدارة أمن كردستان من قبل وزارة الاستخبارات. كما حاول تدوين خبراته في كردستان في كتاب بعنوان “استراتيجية الجمهورية الإسلامية تجاه الأكراد الإيرانيين”. ثم تولى مسؤولية هذا الملف. وفي كردستان نفسها، كان مشائي يحضر اجتماعات المحافظين لكونه عضوا في مجلس أمن المحافظة. من هنا بدأت علاقته بمحمود أحمدي نجاد واستمرت حتى اليوم. وانتهت هذه العلاقة بقرابة بين العائلتين.
ومع تعين أحمدي نجاد نائبا لحاكم كردستان، كلف مشائي بمهمة “تطوير استراتيجية الجمهورية الإسلامية فيما يتعلق بالأكراد الإيرانيين”. ولذلك، فإلى جانب الروابط العائلية، يعد مشائي صديقا قديما وأحد أقرب حلفاء أحمدي نجاد. يوصف غالبا بأنه “الرجل الأول” في حياة نجاد السياسية والفكرية. كما عمل مشائي في استخبارات الحرس الثوري في رامسار. ونظرا للأزمة التي عصفت بالمناطق الكردية في بداية الثورة، ولا سيما في الفترة ما بين عامي 1989 و1992، توجه إلى كردستان بدعوة من محمد رضا نقدي للعمل نائبا لرئيس وحدة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري في مقر “حمزة سيد الشهداء”.
وإذا كانت إسرائيل قد راهنت- بحسب هذه القراءة- على توظيف الملف الكردي كحلقة أولى في “سلسلة أمنية” أوسع تستهدف زعزعة استقرار النظام من الأطراف قبل الوصول إلى المركز، فإن اختيار شخصية مثل نجاد، الذي يملك خبرة مباشرة بملف كردستان عبر تعيينه نائبا لحاكم المحافظة سابقا، يبدو متسقا مع هذا التصور الاستراتيجي. إذ يمنح أي مشروع تغيير محتمل، قاعدة معرفية وشبكة علاقات ميدانية جاهزة في منطقة تعد من أكثر مناطق إيران هشاشة أمنيا. لذلك فإن خطة الموساد الإسرائيلي بربط نجاد بتسليح الأكراد، تكشف عن فهم عميق للخريطة الإيرانية. ويمكن أن يكون هذا الفهم هو محاولة أن يصبح “نجاد” والأكراد رأس حربة التغيير داخل إيران. باعتبار أن الرجل إذا لم يصبح صديقا فإنه لن يكون عدوا.
البعد العقائدي لدى نجاد ومشائي
وعلى الجانب الأخر لا يقل البعد العقائدي لهذه القصة أهمية عن بعدها الأمني والاستخباراتي، فكل من نجاد ومشائي طورا على مدى السنوات رؤية دينية وفكرية خاصة تجاه مسألة المهدوية، تختلف جوهريا عن الطرح التقليدي السائد لدى تيارات مثل جمعية الحجتية وغيرها من التيارات المحافظة، التي ترى أن ظهور الإمام المهدي مرتبط بحالة انهيار عالمي وسيادة الظلم.
في المقابل، يتبنى الرجلان رؤية أكثر تفاؤلا، مفادها أن العالم يسير نحو مزيد من الإشراق والكمال، وأن ازدهار الإنسانية وصون حقوق الإنسان هما الشرط الذي يمهد لظهور المخلص، لا العكس.
ويقولان إن العالم يزداد إشراقا وكمالا، وأن البشرية تزدهر يوما بعد يوم، وأن حقوق الإنسان يجيب أن تكون مصانة ومنتشرة على نطاق واسع في العالم. كما يعتقدان أن إمام الزمان اختفى بسبب قصوره، وأن سبب غيابه لا يمكن أن يكون سبب ظهوره، فسبب ظهوره هو الفضل، ويتحقق هذا الفضل عندما ترتقي الإنسانية إلى مرتبة سامية، ويؤمنان بضرورة تقديم المهدية في المجتمع بصيغة خطاب إنساني. ولذلك يطلق إسفنديار رحيم مشائي ومحمود أحمدي نجاد على نفسيهما علنا لقب “إنسانيين”، ويشعران بانتماء واضح إلى “الإنسانية”، ويرى مشائي أن الحكومة الدينية (وبالتالي نظام الجمهورية الإسلامية باعتباره حكومة دينية) حكومة مكروهة في العالم، ويرى أن التمسك بالإنسانية، بدلا من مناقشة الحكومة الدينية، ضروري لتصحيح نظرة العالم إلى نظام الجمهورية الإسلامية.
كما قال أيضا “لقد انتهى عهد الإسلام السياسي، وتطورت الإنسانية، وتعمق فهمها، ووصلت إلى حقيقة أنها لم تعد بحاجة إلى الخضوع لقوانين الإسلام.” هذا الخطاب، الذي يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى طرح فلسفي أو ديني مجرد، يحمل في جوهره بعدا سياسيا بالغ الحساسية بالنسبة لمؤسسة الحكم في طهران، إذ يطعن ضمنيا في الأساس النظري الذي تقوم عليه ولاية الفقيه، وهو ما يفسر حدة المواجهة التي تعرض لها مشائي من التيار المتشدد، ووصولها إلى حد محاكمته واعتقاله. أيضا خلال ولايته الثانية، شن الرئيس أحمدي نجاد انقلابا ضد المافيا في وزارة الاستخبارات والحرس الثوري بإقالة وزير الاستخبارات ومداهمة الوزارة للاستحواذ على وثائق هامة، مما أدى لمواجهة مع المرشد الأعلى.
وفي عام 2021، أثار جدلا واسعا بمقطع فيديو كشف فيه عن نفوذ إسرائيلي عميق داخل البنية الأمنية الإيرانية، زاعما أن المسؤول الأول عن مكافحة التجسس الإسرائيلي في الوزارة كان هو نفسه جاسوسا لصالح إسرائيل. بالإضافة إلى أن نجاد ومشائي دخلوا في خلافات واسعة مع المراجع الدينية المتشددة التي تشكل عقل نظام “ولاية الفقيه” واتهما بالتيار المنحرف بل ذهب إلى اتهام مشائي بالتجسس لإسرائيل.
في المحصلة، تكشف التسريبات لإعلامية، سواء ثبتت صحتها الكاملة أم لا، عن طبيعة التفكير الاستخباراتي الإسرائيلي تجاه خريطة التشابكات الإيرانية، القائمة على البحث عن نقاط الاختراق الممكنة داخل بنية النظام نفسه، بدلا من الاكتفاء بالرهان على معارضة خارجية منقطعة الصلة بالداخل. كما تسلط الضوء على حجم التعقيد الذي يكتنف العلاقة بين التيارات المتصارعة داخل النظام الإيراني، حيث يمكن لشخصية مثل أحمدي نجاد، الذي كان يوما رمزا للتشدد المعادي لإسرائيل والغرب، أن تجد نفسها اليوم في قلب اتهامات معاكسة تماما.
وبمعزل عن مآلات هذه القصة إعلاميا ومدي صدقها أو كذبها، فإنها تعيد إلى الواجهة نقاشا أعمق حول هشاشة الثقة داخل مؤسسة الحكم الإيرانية، وحول الكلفة السياسية الباهظة التي قد يدفعها أي فاعل داخلي حتى لمجرد الاشتباه في تقاربه الفكري مع الخصم التاريخي لطهران، ومدى قدرت إدارة الصراع بين تل أبيب وطهران، وكيفية توظيف عوامل داخلية في النظام الإيراني بما يغير شكل النظام ، ويتماشي مع الحد الأدني من الأهداف الإسرائيلية “إذا لم تكن إيران صديقة لإسرائيل فأنه الحياد يكون بداية الطريق نحو استراتيجية تحويل العدو لصديق”.


