طهران ، ايران – في مشهد يعكس حالة من الذعر الأمني غير المسبوق، تحولت الشوارع الإيرانية إلى ما يشبه الثكنات العسكرية المفتوحة. وقد رُصد تصاعد ملحوظ في الانتشار العلني للميليشيات الموالية لطهران، لا سيما القوات الوكيلة التي تم استقدامها من خارج الحدود.
وتأتي هذه التحركات، بحسب مراقبين وشهادات ميدانية، كجزء من استراتيجية “القبضة الحديدية” التي يتبعها النظام لمنع اندلاع انتفاضة شعبية عارمة. يحدث هذا تزامنا مع الأزمات الاقتصادية الخانقة وتداعيات المواجهات العسكرية الأخيرة.
استيراد “القمع”: دخول الميليشيات العراقية و”فاطميون”
كشف حسين داعي الإسلام، عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لـ” صوت الإمارات”، عن معلومات استخباراتية تفيد بأن النظام الإيراني بدأ مؤخرا في إدخال أعداد كبيرة من عناصره الميليشياوية من العراق إلى داخل المدن الإيرانية. الهدف من هذه الخطوة، بحسب داعي الإسلام، هو الاستعانة بعناصر لا تتردد في استخدام العنف المفرط ضد المدنيين للسيطرة على الأوضاع الداخلية. ولم يقتصر الأمر على الميليشيات العراقية؛ حيث شهد الأسبوع الماضي تجول دوريات مسلحة تابعة لميليشيا “فاطميون” (الأفغانية) في شوارع العاصمة طهران باستخدام سيارات دفع رباعي. هذه التصرفات تمت في رسالة ترهيب واضحة للسكان. ويتركز هذا الانتشار الكثيف بشكل خاص في المناطق الحدودية الحساسة مثل كردستان، وسيستان وبلوشستان، وخوزستان (الأهواز). وتعد هذه المناطق بؤرا للاحتجاجات المطالبة بالحقوق القومية والمدنية.
عسكرة الفضاء العام وتكتيك “الشوارع الممتلئة”
يقول داعي الإسلام إن النظام يخشى “اللحظة الانفجارية” للسخط الشعبي أكثر من أي تهديد خارجي. ومن أجل ذلك، فرض حالة من الحكم العسكري غير المعلن. كذلك نشر عناصر مسلحة بملابس مدنية في الساحات الرئيسية، والمساجد، والأماكن الحساسة للتصدي لأي تحرك احتجاجي مفاجئ. وفي تكتيك ينم عن ذعر عميق من “فراغ الشوارع”، عمد الحرس الثوري إلى إخراج عائلات عناصره وأبنائهم لتنظيم فعاليات دينية ليلية وتوزيع مواد غذائية. هكذا يضمن وجود حشود موالية في الميادين تمنع المتظاهرين من السيطرة عليها. وقد تكررت تحذيرات قادة الحرس ومسؤولين مثل وزير الاتصالات الأسبق آذري جهرمي، الذي خاطب الأجهزة الأمنية قائلا: “إياكم أن تخلوا الشوارع”، في إشارة إلى أن غياب الحشود الأمنية والموالية سيعني فورا سقوط النظام بيد “وحدات المقاومة”.
الإعدامات كسلاح للردع
لم تتوقف محاولات النظام عند الانتشار العسكري، بل امتدت لتشمل “هستيريا إعدامات”. فخلال الأسابيع الأخيرة، أعدم النظام سبعة من أعضاء “وحدات المقاومة” المرتبطة بمنظمة “مجاهدي خلق”، إضافة إلى سبعة شبان شاركوا في انتفاضة يناير وهاجموا مراكز عسكرية. ويرى المحللون أن هذه الإعدامات تهدف بالدرجة الأولى إلى كسر حاجز الجرأة لدى الشباب الإيراني وردع الشارع. لكن استمرار النشاطات الاحتجاجية يشير إلى فشل هذه السياسة الدموية.
تحذيرات من الداخل: “ما بعد الحرب أصعب”
داخل أروقة النظام نفسه، بدأت أصوات تحذر من العواقب الكارثية. في 19 أبريل، صرح عماد الدين باقي، أحد الوجوه السياسية المعروفة، بأن انتهاء الحرب الخارجية سيفجر توترات داخلية حادة لم تحل أصلا، بل تفاقمت بسبب التضخم المفرط. كما أعرب المحلل المقرب من السلطة، روزبه علمداري، عن رعب النظام من تكرار عملية “الضياء الخالد” (1988). وحذر من “هجوم حاسم” قد ينطلق من الداخل هذه المرة على يد الشعب نفسه. وتتحقق اليوم مقولة المرشد علي خامنئي الشهيرة: “إذا لم نقاتل في سوريا والعراق واليمن ولبنان، فسنضطر للقتال داخل مدن إيران”. والواقع اليوم يؤكد أن النظام فقد أدواته الإقليمية. الآن بات وجها لوجه أمام عدوه الحقيقي: الشعب الإيراني.
كارثة اقتصادية: الجوع يطرق الأبواب
تتزامن هذه القبضة الأمنية مع انهيار اقتصادي وصفته المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، بأنه “كارثة تاريخية”. وقد قدرت الأضرار الأولية بنحو 270 مليار دولار. وتكشف لغة الأرقام عن مأساة معيشية؛ حيث باتت سلة الغذاء الأساسية تلتهم 85% من دخل العامل المتزوج. ووفقا لبيانات صحيفة “دنياي اقتصاد”، ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 68% في أربعة أشهر فقط. كما سجلت سلع أساسية زيادات فلكية. هذه الأرقام تعني عمليا أن الأسرة الإيرانية باتت عاجزة عن تأمين احتياجاتها البروتينية الأساسية. وهكذا شبه رئيس الحكومة مسعود بزشكيان وضع النظام بـ “مريض على حافة الانهيار”. وحذر من أن أي ضغط إضافي سيؤدي إلى الانفجار الكبير.


