بوجوتا – كولومبيا — تحل ذكرى رحيل الكاتب التشيكي الشهير فرانز كافكا، أحد أبرز الأسماء الإستراتيجية التي تركت بصمة عميقة وهيكلية في الأدب العالمي خلال القرن العشرين. ولا تزال أعماله ومخطوطاته تحظى باهتمام وبحث واسع النطاق من قِبل القراء، الأكاديميين، والنقاد. وفي الوقت نفسه، يستمر تدفق تأثيره الفكري والروائي في وجدان أجيال متعاقبة من الروائيين والمبدعين حول العالم.
ثلاثية العبث والقلق الإنساني ومحطة التحول الكبرى
ويُعد كافكا، الذي غيبه الموت في الثالث من يونيو عام 1924 عن عمر ناهز الأربعين عاماً، من أكثر الكتاب الحداثيين تأثيراً في صياغة مسار الرواية الحديثة وتفكيك قوالبها التقليدية. وقد كان ذلك بفضل نتاجه الأدبي الفريد الذي مزج بعبقرية بين الواقعية المفرطة، الفلسفة العبثية، والقلق الوجودي الإنساني. وفي مقدمة تلك الآثار الروائية الخالدة روايات «المحاكمة»، «القلعة»، وروائع قصيرة مثل «المسخ».
ومن بين أبرز القامات الأدبية العالمية الذين تأثروا بعمق بالمدرسة الكافكاوية، يبرز اسم الكاتب والروائي الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب جابرييل جارثيا ماركيز. وقد أفاض في الحديث بأكثر من مناسبة وحوار صحفي عن اللحظة التنويرية الصادمة التي اكتشف فيها لأول مرة أعمال الكاتب التشيكي. كما اعتبرها نقطة تحول فارقة وجوهرية في تشكيل حياته وصيرورته الأدبية.
حشرة كافكا التي حررت قلم ماركيز من قيود المنطق
ووفقاً لشهاداته، أكد ماركيز أن قراءته الأولى للجملة الافتتاحية الأيقونية والشهيرة من رواية «المسخ»—والتي يستيقظ فيها البطل “غريغور سامسا” ليجد نفسه فجأة وقد تحول على سريره إلى حشرة عملاقة مقززة—جعلته يدرك في توه عابر أن الأدب الحقيقي لا يخضع مطلقاً للقيود الأكاديمية الصارمة، أو للمنطق الرياضي المعتاد. وأكد أيضاً أن الكاتب المتمكن يستطيع، بلا هوادة، أن يبتكر عالمه الفانتازي الخاص ويقنع القارئ بتفاصيله السريالية تماماً إذا ما امتلك الموهبة الفطرية والقدرة السردية الفائقة على حبك الرواية.
وأشار الروائي الكولومبي الراحل إلى أن تلك القراءة المبكرة والصادمة فتحت أمام مخيلته آفاقاً إبداعية غير مطروقة للكتابة، وأسهمت بشكل مباشر في بلورة وصقل رؤيته الأدبية الخاصة. وهذه الرؤية هي التي قادته لاحقاً إلى صياغة وتأسيس أسلوبه الروائي الشهير عالمياً بـ «الواقعية السحرية». كما تجسد هذا الأسلوب في تدوين تحف أدبية طبقت شهرتها الآفاق مثل «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا».
«الكافكاوية» كاصطلاح كوني وترقب نقدي متجدد
وفي هذا الصدد، يرى نقاد الأدب وباحثو السرديات أن التأثير الكافكاوي العابر للقارات لم ينحصر في تجربة ماركيز الفردية. بل امتد وتغلغل إلى نتاج عدد ضخم من الكتاب والروائيين في قارات العالم الخمس. حتى غدت كلمة «كافكاوية» (Kafkaesque) مصطلحاً أدبياً وسياسياً معتمداً عالمياً لتوصيف المواقف العبثية، الدوائر البيروقراطية المعقدة والمظلمة، وشعور الفرد القاتل بالعجز التام والانسحاق أمام قوى غامضة، مهيمنة، وغير مرئية.
ورغم أن فرانز كافكا لم يتذوق طعم الشهرة العالمية أو الإنصاف النقدي خلال حياته القصيرة والمليئة بالاضطرابات النفسية، فإن أعماله التي نُشرت بفضل صديقه “ماكس برود” بعد وفاته، تحولت سريعاً إلى حجر زاوية أساسي في التراث الأدبي العالمي. كما أصبحت مادة رئيسية تُدرّس في كبريات الجامعات الدولية وتُترجم إلى عشرات اللغات الحية. ولا يزال طيفه الإبداعي حاضراً بقوة في السينما، المسرح، الفنون البصرية، والفكر الإنساني المعاصر. وبعد مرور أكثر من قرن على رحيله الفيزيائي، يواصل فرانز كافكا ترسيخ حضوره الطاغي في المشهد الثقافي العالمي باعتباره الأكثر قدرة وتنبؤاً بالتعبير عن تشظي وقلق الإنسان الحديث وأسئلته الوجودية الكبرى. وفي الوقت نفسه، تظل شهادات أدباء عظام من وزن ماركيز وثيقة دامغة على عمق الأثر الإستراتيجي الذي تركه في مجرى وتاريخ الأدب الإنساني.


