القاهرة – مصر — يستعيد المصريون في هذه الأيام بفيض من الاعتزاز التاريخي ذكرى افتتاح مطار ألماظة الجوي، الذي يعد أحد أبرز المعالم الإستراتيجية والتاريخية في مسيرة النهوض بالطيران المصرى؛ والمنشأة الأيقونية التي افتتحها الملك فؤاد الأول قبل 93 عاماً. بذلك دشن الملك أول مطار مصري حديث العهد. كما أصبح واحدًا من أهم وأبرز مراكز الملاحة الجوية في منطقة الشرق الأوسط وقارة أفريقيا خلال النصف الأول من القرن العشرين.
طفرة الثلاثينيات والافتتاح الملكي لربط قارات العالم
وشهد مطلع ثلاثينيات القرن الماضي اهتماماً رسمياً وتشريعياً متزايداً بقطاع الطيران واللوجستيات الجوية في مصر، تماشياً مع التطور التكنولوجي الهائل وحركة التدفق والنقل الجوي المتسارعة عالمياً؛ وهو الأمر الجوهري الذي دفع الحكومة المصرية آنذاك إلى اتخاذ قرار إستراتيجي بإنشاء مطار دولي حديث. كان المطار الجديد قادراً على استقبال وتأمين الرحلات الدولية الطويلة. علاوة على ذلك، ربط الدولة المصرية بشبكات الطيران الناشئة والممتدة بين الشرق والغرب.
وفي عام 1933، قام الملك فؤاد الأول بافتتاح مطار ألماظة رسمياً في المنطقة الواقعة شمال شرق العاصمة القاهرة، ليتحول سريعاً إلى مركز رئيسي محوري لإدارة حركة الطيران المدني والعسكري على حد سواء؛ كما لعب المطار دوراً باليد الطولى في استقبال وتنظيم الرحلات الجوية الكثيفة القادمة من قارات أوروبا، آسيا، وأفريقيا. في ذلك الوقت، كانت مدينة القاهرة تمثل إحدى المحطات الجيوسياسية واللوجستية الأساسية على خطوط الطيران الدولية بعيدة المدى.
الحرب العالمية الثانية والتحول إلى قاعدة لوجستية للحلفاء
واكتسب المطار أهمية إستراتيجية وعسكرية بالغة بفضل موقعه الجغرافي الفريد والمتميز؛ حيث تحول في غضون سنوات قليلة إلى قاعدة انطلاق أساسية للرحلات الجوية المنظمة، ومركزاً وطنياً لتدريب الطيارين وإعداد الكوادر الجوية. فضلاً عن ذلك، أسهم المطار بشكل مباشر في دعم وتطوير جهود تحديث وتأسيس سلاح القوات الجوية المصرية خلال العقود الأولى من نشأتها المباركة.
وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية المستعرة، تضاعف الدور الحيوي والمحوري لمطار ألماظة بشكل غير مسبوق؛ إذ اعتمدت عليه قوات الحلفاء وتشكيلاتها العسكرية كنقطة ارتكاز لوجستية وإمدادية بالغة الحساسية والأهمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. نتيجة لذلك، عزز ذلك من مكانته الدولية كأحد أبرز المطارات العسكرية الفعالة في المنطقة طوال فترة الصراع العالمي.
الزحف العمراني وولادة مطار القاهرة الدولي
ومع حدوث التوسع العمراني والسكاني الضخم الذي شهدته العاصمة القاهرة، وتزايد خطوط حركة الطيران المدني التجاري ومعدلات المسافرين في مرحلة ما بعد الحرب العالمية، برزت حاجة الدولة الملحة إلى تدشين مطار أكبر مساحة، وأكثر مواكبة للتقنيات الحديثة لاستيعاب الأعداد المليونية المتزايدة من الركاب؛ وهو ما أدى لاحقاً إلى تأسيس وتطوير مطار القاهرة الدولي الحالي. ثم أصبح المطار الجديد يتسلم الراية ويصير البوابة الجوية الرسمية والرئيسية للبلاد.
ورغم انتقال الثقل الأكبر والكامل للحركة الجوية المدنية والتجارية إلى مطار القاهرة الدولي الجديد، ظل مطار ألماظة محتفظاً بكامل هيبته ومكانته التاريخية والعسكرية السامية؛ حيث ارتبط اسمه في الوجدان العام بمراحل مفصلية من تطور قطاع الطيران المصري. على مدار عقود طويلة، شهد المطار أحداثاً سياسية كبرى، واستقبل زيارات رسمية رفيعة المستوى لشخصيات وقادة بارزين من مختلف دول العالم.
ويؤكد المؤرخون والباحثون في التراث الوطني أن مطار ألماظة لم يكن يوماً مجرد منشأة خدمية للنقل الجوي، بل كان رمزاً سيادياً حياً لمرحلة من التحديث والانفتاح الثقافي والاقتصادي الشامل الذي شهدته مصر في النصف الأول من القرن العشرين. كذلك أسهم المطار بفاعلية في ترسيخ وتثبيت مكانة البلاد كمركز إقليمي رائد للنقل الجوي يربط بين القارات الثلاث القديمة. واليوم، وبعد مرور أكثر من تسعة عقود على قعقعة المحركات الأولى في مدرجه، لا يزال اسم ألماظة محفوراً بقوة في الذاكرة الوطنية المصرية. فهو شاهد حي على عراقة تاريخ الطيران، وبداية الرحلة الطموحة التي جعلت من مصر واحدة من أوائل الدول الرائدة في مجال الملاحة والنقل الجوي في الفضاء العربي والأفريقي.


