واشنطن ، الولايات المتحدة – لا تبدو استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران غائبة بقدر ما تبدو عالقة عند النقطة الأصعب: كيف تتحول القوة العسكرية والضغط الاقتصادي إلى تسوية سياسية يمكن لواشنطن إعلانها انتصارًا؟
منذ انتقال المواجهة إلى الحرب، توسعت الأهداف الأمريكية من منع إيران من امتلاك سلاح نووي إلى إضعاف قدراتها الصاروخية والعسكرية، وتقليص قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين، وفرض ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
لكن اتساع الأهداف جعل تعريف «النصر» أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن الضربات العسكرية يمكنها تدمير منشآت وقدرات، لكنها لا تستطيع القضاء على المعرفة النووية أو ضمان عدم إعادة بناء القدرات التي تعرضت للتدمير.
من الضغط إلى الحرب.. ثم العودة إلى التفاوض
اعتمد ترامب منذ البداية على مزيج من الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري والتفاوض، قبل أن تتحول المواجهة إلى حرب مفتوحة. وبعد العمليات العسكرية، عادت الدبلوماسية إلى المشهد عبر اتصالات ومفاوضات غير مباشرة، لكنها لم تنتج حتى الآن اتفاقًا دائمًا. وتشير تحليلات صادرة عن مراكز بحثية أمريكية إلى أن واشنطن تواجه معضلة أساسية: ربط نهاية الحرب بالتوصل إلى اتفاق نووي يجعل تحقيق تسوية نهائية أكثر صعوبة، خصوصًا في ظل غياب الثقة بين الطرفين. ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن القوة العسكرية يمكن أن تؤخر البرنامج النووي الإيراني أو تدمر أجزاء من بنيته التحتية، لكنها لا تستطيع بمفردها إزالة المعرفة والخبرة البشرية التي راكمتها إيران على مدى سنوات.
المشكلة ليست في الضغط.. بل في النهاية
تكمن المفارقة الأساسية في أن استراتيجية ترامب تبدو أكثر وضوحًا في أدواتها من أهدافها النهائية. فالولايات المتحدة تستطيع زيادة العقوبات، واستهداف شبكات التمويل، وتشديد الخناق على صادرات النفط، والحفاظ على التفوق العسكري. لكن السؤال الأصعب هو: ما الذي سيحدث إذا لم تؤدِ هذه الإجراءات إلى استسلام إيران؟ إيران، التي عاشت لسنوات تحت العقوبات، تمتلك خبرة واسعة في الالتفاف عليها، كما أن لديها دوافع قوية للحفاظ على قدراتها الأساسية وعدم تقديم تنازلات تعتبرها تهديدًا لبقاء النظام. ويرى مركز Stimson أن الحرب لم تحقق حتى الآن الأهداف القصوى التي ارتبطت بها، بما في ذلك إنهاء القدرات الصاروخية الإيرانية أو القضاء الكامل على قدراتها النووية، وهو ما يعكس حدود استراتيجية المطالب القصوى.
إيران لا تحتاج إلى الانتصار
في المقابل، لا تحتاج طهران بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري على الولايات المتحدة. يكفيها منع واشنطن من تحويل التفوق العسكري إلى استسلام سياسي كامل. وتستطيع إيران، رغم الفارق الهائل في القدرات العسكرية، استخدام موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية والتأثير في حركة الطاقة والملاحة لرفع تكلفة استمرار الحرب. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الأدوات، بعدما تحول من ملف ملاحي واقتصادي إلى عنصر أساسي في الحسابات العسكرية والدبلوماسية. وتؤكد وزارة الدفاع الأمريكية أن إعادة حرية الملاحة في المضيق وحماية حركة التجارة أصبحتا من المهام المركزية للقوات الأمريكية في المنطقة. وهكذا تغيرت المعادلة: لم تعد إيران وحدها بحاجة إلى إنهاء الأزمة، بل أصبحت واشنطن وحلفاؤها أيضًا معنيين بتقليص تكلفتها على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
العقوبات.. ورقة الضغط الأخيرة؟
مع تعثر المسار الدبلوماسي، عادت الإدارة الأمريكية إلى تشديد الضغط الاقتصادي. وتستهدف العقوبات الجديدة قطاعات النفط والتمويل وشبكات الوسطاء والشركات التي تساعد إيران على تجاوز القيود الأمريكية. وتصف وزارة الخزانة الأمريكية هذه السياسة بأنها جزء من استراتيجية تستهدف قدرة طهران على توليد الأموال وتحريكها خارج النظام المالي الدولي.
لكن العقوبات تطرح معضلة أخرى. فقد تؤدي إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تضمن تغيير سلوك النظام. بل يمكن أن تدفعه إلى مزيد من الاعتماد على الاقتصاد الموازي، وتعزيز العلاقات مع الصين وروسيا، وتشديد السيطرة الداخلية. وهنا تظهر الفجوة بين إيلام إيران وإجبار إيران على توقيع اتفاق.
النووي.. الهدف الذي يصعب حسمه بالقوة
المعضلة النووية هي الأكثر تعقيدًا. فالولايات المتحدة تستطيع استهداف المنشآت النووية، لكنها لا تستطيع تدمير المعرفة التي يمتلكها العلماء الإيرانيون. كما أن استخدام القوة ضد دولة تمتلك برنامجًا نوويًا قد يدفع صناع القرار فيها إلى استنتاج معاكس للهدف الأمريكي: أن امتلاك قدرة ردع نووية هو الضمان الأفضل لمنع تكرار الهجمات. وتحذر دراسات متخصصة في عدم الانتشار النووي من أن الضغط العسكري وحده قد يؤدي إلى مزيد من السرية بدلًا من التعاون والشفافية. لذلك فإن أي تسوية مستدامة ستحتاج إلى آلية تحقق دولية، ودور واضح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب ترتيبات سياسية واقتصادية تتجاوز مجرد تدمير المنشآت.
معضلة ترامب السياسية
أمام ترامب الآن ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول: استمرار التصعيد.
وهو الخيار الذي يبقي الضغط على إيران، لكنه يرفع تكلفة الحرب ويزيد مخاطر اتساعها.
الثاني: قبول تسوية أقل من الأهداف القصوى.
وهو المسار الذي يمكن أن ينهي الحرب، لكنه يحمل كلفة سياسية على ترامب إذا اعتُبرت التنازلات الإيرانية محدودة.
الثالث: البقاء في منطقة رمادية بين الحرب والتفاوض.
وهو السيناريو الأكثر استنزافًا، إذ لا تنتصر الولايات المتحدة بصورة حاسمة ولا تحصل إيران على تسوية ترفع عنها الضغط.
وهنا تكمن معضلة الرئيس الأمريكي: كلما خفّض مطالبه اقترب من الصفقة، لكنه يخاطر بظهور الأمر كتراجع؛ وكلما رفع سقف مطالبه، أصبح إنهاء الحرب أكثر صعوبة.
كيف يمكن أن تبدو الصفقة الواقعية؟
المؤشرات التي تظهر في الدراسات الأمريكية لا تشير إلى احتمال صفقة تقوم على استسلام إيران الكامل، بل إلى تسوية مرحلية يمكن أن تجمع بين عدة عناصر.
في الملف النووي، قد تتضمن الصفقة تجميد مستويات التخصيب أو خفضها، مع نظام تفتيش ومراقبة أكثر صرامة.
وفي المجال العسكري، قد تركز على قيود محددة على بعض القدرات الصاروخية، بدل محاولة تفكيك الترسانة الإيرانية بالكامل.
وفي المقابل، يمكن أن تقدم واشنطن تخفيفًا تدريجيًا ومشروطًا للعقوبات، مع ترتيبات لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
أما الملف الإقليمي، فقد يدخل في صورة تفاهمات بشأن الهجمات على القوات الأمريكية وحلفائها ونشاط الجماعات المسلحة المدعومة من إيران.
لكن العقبة الأكبر ستبقى ضمانات تنفيذ الاتفاق. إيران تريد ضمانًا بأن واشنطن لن تنسحب من الاتفاق مجددًا، بينما تريد الولايات المتحدة ضمانات بأن طهران لن تستخدم تخفيف العقوبات لإعادة بناء قدراتها.
الاختبار الحقيقي
لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان ترامب قادرًا على إلحاق أضرار هائلة بإيران. الإجابة عن ذلك تبدو واضحة ، السؤال الأصعب هو ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل التفوق العسكري والاقتصادي إلى اتفاق مستقر. فهناك فارق بين تدمير منشأة وتغيير سلوك دولة، وبين إضعاف قدرة عسكرية وإنتاج ترتيبات أمنية دائمة. وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لاستراتيجية ترامب. إذا تمكنت واشنطن من استخدام الضغط لإنتاج صفقة مرحلية قابلة للتحقق والتنفيذ، فسيصبح التصعيد جزءًا من استراتيجية تفاوضية ناجحة. أما إذا استمر الضغط دون تنازلات إيرانية كافية، فقد تتحول الاستراتيجية إلى دائرة مغلقة: تصعيد يرفع تكلفة إيران، يليه رد إيراني يرفع تكلفة الولايات المتحدة وحلفائها، ثم جولة جديدة من التصعيد دون نهاية سياسية واضحة. وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة أن ترامب لا يملك استراتيجية تجاه إيران، وإنما أن استراتيجية الضغط التي نجحت في إلحاق الضرر بطهران لم تنتج حتى الآن استراتيجية واضحة للخروج من الحرب. وهنا تصبح المعركة الحقيقية ليست حول من يستطيع توجيه الضربة الأقوى، وإنما من يستطيع صياغة الصفقة التي تسمح للطرفين بإنهاء الحرب دون أن يضطر أي منهما إلى إعلان نفسه خاسرًا.


