واشنطن ، الولايات المتحدة – كشفت تقرير مجلة “نيوزويك” أن تشديد الخناق الأمريكي لا يعني بالضرورة استجابة سريعة من طهران لتقديم تنازلات. ولفتت إلى أن المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران تدخل مرحلة أكثر حدة وخطورة. في الوقت نفسه، لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوسيع نطاق الضغوط لتشمل كافة الدول والمؤسسات التي توفر لطهران قنوات للتجارة والتمويل الخارجي. كذلك، تتسع رقعة التوتر لتطال شرايين الملاحة الدولية في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق
أعلن الرئيس الأمريكي أن المرحلة المقبلة ستقوم على ما وصفه بـ”حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق”. وهدد بفرض عواقب قاسية على أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم أي شكل من أشكال الدعم للاقتصاد الإيراني. ثم وصف ترامب هذه الإجراءات المرتقبة بأنها بمثابة “يوم إنزال اقتصادي”. ودعا الحلفاء والأطراف الدولية إلى الانخراط في استراتيجية عزل طهران وتجفيف منابع تمويلها الخارجية بشكل كامل.
مقومات الصمود الإيراني في مواجهة الضغوط
وفقا لتقارير نشرتها مجلة “نيوزويك”، فإن تشديد الخناق الأمريكي لا يضمن بالضرورة دفع طهران نحو تقديم تنازلات سياسية سريعة. على الرغم من الأضرار الجسيمة التي أصابت قطاعات رئيسة في الاقتصاد الإيراني كالهبوط الحاد في مؤشر مديري المشتريات وتراجع إنتاج النفط الخام بنحو 30%. أيضا هناك ارتفاع معدلات التضخم إلى جانب تراجع قيمة العملة — لا تزال طهران تعتمد على شبكة أمان محلية وإقليمية لامتصاص الصدمات. من أبرز هذه المقومات امتلاك قاعدة صناعية وزراعية متنوعة نسبيا توفر الاحتياجات الأساسية للأسواق وتحد من الاعتماد الكلي على الواردات الخارجية. هناك أيضا استمرار بيع النفط الإيراني للصين وتدفق السلع الوسيطة وقطع الغيار الضرورية عبر قنوات تجارية بديلة. بالإضافة إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي والحدود البرية والبحرية مع دول الجوار لتجاوز الحصار المالي المفروض. كما تمتلك إيران آلية معقدة ومتراكمة على مدى سنوات طويلة من التجارب في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الدولية.
انسداد أفق التفاوض وخطوط إيران الحمراء
تؤكد المعطيات الحالية تراجع شهية القيادة الإيرانية للعمل الدبلوماسي مقارنة بعام 2015. إذ يرى محللون أن الكلفة السياسية لأي تنازل تقدمه طهران لواشنطن باتت باهظة للغاية. وبدلا من الاستسلام للضغوط، ترجح التقديرات أن تسعى القيادة الإيرانية لتحمل الألم الاقتصادي لأطول فترة ممكنة. ويعتقد البعض أن طهران تراهن على إجبار واشنطن لاحقا على العودة للمفاوضات بشروط مغايرة تتضمن رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة. غير أن هذه الحسابات قد تتبدل جذريا إذا تجاوزت الأزمة خطوطا حمراء كبرى. مثلا، إذا وصل التضخم السنوي لأرقام قياسية مدمرة أو انهار الريال بالكامل، فقد يرجح ذلك كفة الانفجار العسكري على الحلول السياسية.
الحصار البحري ومخاطر تعطيل التجارة الفعلية
والمشكلة الأكبر بالنسبة إلى طهران قد لا تكون في إضافة عقوبات جديدة بقدر ما تكمن في تشديد تنفيذ القيود القائمة وتعطيل حركة التجارة الفعلية. في هذا السياق، يشير الصحفي الإيراني أمين مكرمي إلى أن استئناف الحصار البحري يمكن أن يرفع مستوى الضغط بصورة غير مسبوقة عبر تعطيل صادرات النفط والمنتجات البتروكيماويات. كذلك، يمكن أن يؤثر ذلك في الواردات الأساسية خصوصا مع احتمالية تقلص بعض القنوات التجارية الإقليمية المهمة مثل دولة الإمارات. كانت الإمارات تمثل ممرا حيويا لتجارة إيران.
الكلفة المتبادلة واختبار النفس الطويل
في المقابل، لا تقتصر أثقال الأزمة على الجانب الإيراني وحده؛ فالاستراتيجية الأمريكية تواجه تحديات داخلية ملموسة. تمثلت هذه التحديات في تراجع مؤشر ثقة المستهلك، وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وتجاوز الدين العام الأمريكي عتبة 40 تريليون دولار. وتستغل طهران هذه المعطيات إلى جانب أدوات الضغط المرتبطة بالممرات البحرية لرفع كلفة التصعيد على الغرب. نتيجة لذلك، تتحول المرحلة الراهنة إلى اختبار قاسي وطويل لأمد تحمل الكلفة بين الجانبين. تراهن واشنطن على انهيار الجدار الاقتصادي الإيراني، فيما تراهن طهران على صبرها الاستراتيجي وخبرتها الطويلة بانتظار اللحظة التي تصبح فيها التسوية الدبلوماسية الخيار الأقل كلفة لواشنطن وحلفائها.


