مقديشو ، الصومال – في تحول دراماتيكي يعكس تقلبات الصراع الطويل في الصومال، نجحت حركة الشباب التابعة لتنظيم القاعدة في تحقيق تقدم عسكري كبير خلال عام 2025. أدى ذلك إلى محو أغلب المكاسب الميدانية التي حققتها الحكومة الصومالية على مدار العامين الماضيين. الانتكاس الميداني ، بحسب مجموعة الأزمات الدولية، وضع الحرب بين الطرفين في حالة “جمود” قسري. ذلك لأن لا يملك أي طرف القدرة على توجيه ضربة قاضية للآخر.
من “الحرب الشاملة” إلى التراجع الميداني
في أغسطس 2022، أعلن الرئيس حسن شيخ محمود عن انطلاق “حرب شاملة” ضد حركة الشباب، مستنداً إلى انتفاضة عشائر “مكاويسلي” في وسط الصومال. حينها، ساد تفاؤل مفرط في أروقة مقديشو. صرّح مسؤولون بأن الجماعة ستفقد سيطرتها على كافة الأراضي بحلول منتصف عام 2024.
ومع ذلك، أثبت الواقع أن هذه المكاسب كانت “هشة”. فالحكومة افتقرت إلى استراتيجية طويلة الأمد لترسيخ سيطرتها. عانى الجيش من إرهاق كبير نتيجة التوسع السريع. فضلًا عن مشكلات لوجستية وإدارية تتعلق بتدريب المجندين الجدد ودفع رواتبهم، مما أدى إلى معدلات فرار مرتفعة. كذلك، هناك نقص في القوات القادرة على مسك الأرض التي تم تحريرها.
حركة الشباب: استراتيجية “إعادة البناء” والبراغماتية
استغلت الحركة فترات انشغال الحكومة بالخلافات السياسية والانتخابات خلال عامي 2023 و2024 لتعيد ترتيب أوراقها. وفي فبراير 2025، باغتت الحركة القوات الحكومية بهجوم واسع أدى إلى استعادة معظم المناطق التي فقدتها.
لم تكن القوة العسكرية وحدها وراء هذا النجاح؛ بل أظهرت الجماعة “قدرة فائقة على التكيف”. فقد قامت الحركة بتغييرات قيادية جوهرية، مثل تعيين يوسف شيخ عيسى “كاباكوتوكادي” -المنتمي لقبيلة أبغال النافذة- حاكماً لشبيلي الوسطى. استغلت الحركة علاقاته القبلية لتحييد القبائل عن دعم الحكومة. كما تبنت الحركة نهجاً أكثر “براغماتية” في إدارتها للمناطق، من خلال تقليل حدة الإجراءات العقابية، مما جعلها أقل استفزازاً للسكان مقارنة بالسابق. رغم ذلك، بقيت جماعة متطرفة تفرض قواعد صارمة.
مستقبل الصومال: خيارات ما بعد انتخابات 2026
ترى “مجموعة الأزمات الدولية” أن الوضع الراهن يمثل طريقاً مسدوداً؛ فالحكومة تفتقر إلى القوة العسكرية الذاتية للحسم. حركة الشباب تفتقر إلى الشعبية الكافية للإطاحة بالحكومة أو السيطرة على العاصمة. ومع قرب انتهاء مهمة الاتحاد الأفريقي، تتصاعد المخاوف من فراغ أمني قد يُستغل من قبل المسلحين.
ولتحقيق اختراق في هذا الجمود، يبدو أن أمام الإدارة الصومالية القادمة -بعد تجاوز الاستحقاق الانتخابي في 2026- خارطة طريق صعبة ولكنها ضرورية. يجب أن ينصب التركيز على تدريب نوعي للجنود داخل الصومال، وضمان استمرارية التمويل والرواتب. ينبغي أيضاً عزل المؤسسة عن التجاذبات السياسية للولايات الفيدرالية. والتحدي الأكبر ليس عسكرياً فحسب، بل سياسي. يجب على مقديشو إنهاء الخلافات مع الولايات الفيدرالية وتشكيل جبهة موحدة لمواجهة المتمردين، بدلاً من انشغالها بالصراعات الانتخابية التي تضعف المجهود الحربي.
و تشير التقارير إلى أن “الحل العسكري وحده لن ينهي الحرب”. لذا، يجب على الحكومة تمهيد الطريق لمحادثات سياسية مع حركة الشباب. تزامناً مع ذلك، ينبغي تشجيع المنظمات الإنسانية على توسيع عملها في مناطق سيطرة المتمردين لتخفيف معاناة المدنيين، مما قد يفتح ثغرة في جدار الصراع الصلب. إن الحرب في الصومال تشهد اليوم “مدًا وجزرًا” لا ينتهي. وبدون رؤية سياسية شاملة وإصلاحات مؤسسية عميقة، سيظل الصراع يستهلك موارد الدولة ومستقبل أجيالها، في ظل استمرار حالة الجمود الميداني التي لا تلوح في أفقها أي بوادر للنهاية.


