القاهرة ، مصر – تمثل العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية نموذجًا متقدمًا للشراكة العربية الاستراتيجية، الممتدة منذ تأسيس دولة الاتحاد عام 1971. وقد نجح البلدان على مدار أكثر من خمسة عقود في بناء منظومة تعاون متكاملة شملت الجوانب السياسية والاقتصادية والتنموية والأمنية. كذلك وصل هذا التعاون إلى مرحلة من التنسيق الوثيق تجاه مختلف القضايا الإقليمية.
ومنذ البدايات الأولى لقيام دولة الإمارات، حرصت القاهرة وأبوظبي على ترسيخ علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والرؤية المشتركة تجاه استقرار المنطقة العربية. وجاء ذلك في ظل قناعة راسخة لدى قيادتي البلدين بأن الأمن القومي العربي وحدة مترابطة لا تتجزأ.
مصر من أوائل الداعمين لقيام دولة الإمارات
كانت جمهورية مصر العربية من أوائل الدول العربية التي اعترفت بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة عقب إعلان الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971. كما لعبت الكفاءات المصرية دورًا مهمًا في دعم مرحلة بناء المؤسسات الإماراتية الحديثة، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والهندسة والإدارة.
وفي المقابل، رسخ المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان نهجًا ثابتًا تجاه دعم مصر. كان ذلك انطلاقًا من إيمانه بمحورية الدور المصري في حماية الأمن العربي وتعزيز استقرار المنطقة.
دعم إماراتي تاريخي لمصر في المحطات المفصلية
برزت المواقف الإماراتية الداعمة لمصر خلال العديد من المحطات التاريخية، وعلى رأسها حرب أكتوبر 1973. فوقفت دولة الإمارات بقيادة الشيخ زايد إلى جانب مصر سياسيًا واقتصاديًا، في إطار الموقف العربي الموحد آنذاك.
وخلال مرحلة التسعينيات، شهد التعاون التنموي بين البلدين توسعًا ملحوظًا. وقد حدث ذلك خاصة في ظل العلاقات الوثيقة التي جمعت القيادة الإماراتية بالرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك.
ومن أبرز المشروعات التي عكست هذا التعاون، مساهمة الإمارات في دعم مشروع توشكى الهادف إلى التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي في جنوب مصر. ويعتبر المشروع أحد المشروعات التنموية الاستراتيجية الكبرى.
كما مثّلت مدينة الشيخ زايد نموذجًا بارزًا للتعاون الإماراتي المصري. أُنشئت المدينة بمنحة مقدمة من صندوق أبوظبي للتنمية، وحملت اسم الشيخ زايد تقديرًا لمواقفه التاريخية الداعمة لمصر وشعبها.
مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية
شهدت العلاقات الإماراتية المصرية خلال السنوات الأخيرة تطورًا نوعيًا على مختلف المستويات. وقد دعم هذا التطور توافق سياسي واسع بين قيادتي البلدين بشأن قضايا الأمن الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة.
وتعزز هذا التعاون من خلال تبادل الزيارات الرسمية، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية واستثمارية كبرى. كما استمر التنسيق في الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب، ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، والحفاظ على استقرار المنطقة.
كما أصبحت دولة الإمارات واحدة من أكبر المستثمرين العرب في السوق المصرية، عبر استثمارات متنوعة تشمل قطاعات الطاقة والعقارات والموانئ والبنية التحتية والسياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا.
شراكة اقتصادية تدعم التنمية المستدامة
تواصل العلاقات الاقتصادية بين البلدين تسجيل معدلات نمو متصاعدة، في ظل حرص الجانبين على توسيع آفاق التعاون الاستثماري والتجاري. وهذا ينسجم مع الرؤى التنموية لكلا البلدين.
وتلعب الاستثمارات الإماراتية دورًا مهمًا في دعم خطط التنمية داخل مصر، خاصة في مشروعات البنية التحتية والمدن الجديدة والطاقة المتجددة والنقل والخدمات اللوجستية.
في المقابل، تمثل السوق المصرية إحدى أهم الوجهات الاستراتيجية للاستثمارات الإماراتية في المنطقة، بالنظر إلى موقع مصر الجغرافي وحجم سوقها وقدراتها البشرية والاقتصادية.
تنسيق سياسي لحماية الأمن العربي
على الصعيد السياسي، تتبنى الإمارات ومصر مواقف متقاربة تجاه مختلف القضايا الإقليمية. وتقوم هذه المواقف على دعم استقرار الدول الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، وتعزيز الحلول السياسية للأزمات.
كما يواصل البلدان تنسيقهما المشترك في ملفات الأمن القومي العربي. هذا يعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين أبوظبي والقاهرة، والدور المحوري الذي يؤديه البلدان في دعم استقرار المنطقة.
علاقات شعبية وثقافية ممتدة
إلى جانب التعاون الرسمي، ترتكز العلاقات الإماراتية المصرية على روابط شعبية وثقافية متجذرة، في ظل وجود جالية مصرية كبيرة داخل دولة الإمارات. وقد أسهمت هذه الجالية على مدار عقود في مسيرة التنمية الإماراتية، فضلاً عن التعاون المستمر في مجالات الثقافة والإعلام والتعليم والفنون.
وعلى امتداد أكثر من 55 عامًا، حافظت العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية على خصوصيتها السياسية والاستراتيجية. وبهذا تبقى العلاقات نموذجًا عربيًا للشراكة القائمة على الثقة المتبادلة والرؤية المشتركة نحو التنمية والاستقرار وصناعة المستقبل.


