- البداية.. مشروع لتغيير منظومة التغذية المدرسية
- المرحلة الثانية.. الانتقال إلى منتجات غذائية أكثر تنوعًا
- التغذية المدرسية.. الوظيفة الاجتماعية الأبرز
- الأرقام تكشف حجم التحول
- من السوق المحلية إلى المنافسة الخارجية
- لماذا يمثل التكامل نقطة قوة؟
- الارتباط بجهاز مشروعات الخدمة الوطنية
- الجانب الآخر من الصورة.. الشفافية والمنافسة
- لماذا أصبحت «سايلو فودز» جزءًا من برنامج الطروحات؟
- سايلو فودز وقها وإدفينا.. عقدة صناعية غذائية في السادات
- نقطة القوة الأساسية: الأمن الغذائي
- نقطة القوة الثانية: تقليل مخاطر سلاسل الإمداد
- مشروع غذائي أم أداة استراتيجية؟
القاهرة ، مصر ـ تحولت مدينة «سايلو فودز» للصناعات الغذائية في مدينة السادات بمحافظة المنوفية خلال خمس سنوات من مشروع يستهدف إعادة بناء منظومة التغذية المدرسية إلى مجمع صناعي غذائي متكامل يضم المطاحن والصوامع ومصانع البسكويت والمكرونة والمخبوزات والألبان والحلاوة والطحينة، إلى جانب مصانع الطباعة والتغليف ومعامل الجودة ومنظومة نقل وتخزين. وتكتسب المدينة أهمية تتجاوز حجم إنتاجها، لارتباطها بثلاثة ملفات استراتيجية في الاقتصاد المصري: الأمن الغذائي، وتأمين سلاسل الإمداد للسلع الأساسية، وزيادة الصادرات الغذائية، فضلًا عن كونها إحدى الشركات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وهو ما يضعها أيضًا في قلب النقاش المصري حول دور الشركات المملوكة للدولة والمؤسسات العسكرية في الاقتصاد وإعادة هيكلة ملكيتها.
البداية.. مشروع لتغيير منظومة التغذية المدرسية
افتتحت المرحلة الأولى من «سايلو فودز» في أغسطس 2021 بمدينة السادات، ضمن توجه رسمي لإنشاء منظومة صناعية متكاملة تبدأ من تخزين القمح وطحنه وتنتهي بتصنيع منتجات غذائية وتغليفها وتوزيعها. وتؤكد الرئاسة المصرية أن المرحلة الأولى أقيمت على مساحة 135 فدانًا، بينما توسعت المدينة مع المرحلة الثانية لتصل المساحة الإجمالية للمرحلتين إلى نحو 170 فدانًا، بما يعادل 714 ألف متر مربع، مع طاقة إنتاجية معلنة تصل إلى 750 ألف طن سنويًا. وكان أحد الأهداف الرئيسية للمشروع توفير احتياجات منظومة التغذية المدرسية، إلى جانب إنتاج السلع الغذائية الأساسية وطرحها في السوق المحلية والتصدير إلى الخارج.
منظومة إنتاج تبدأ من القمح وتنتهي بالمنتج النهائي
تختلف «سايلو فودز» عن مصنع غذائي تقليدي في طبيعة تكاملها الداخلي؛ فالمدينة تضم صوامع للقمح ومطحنًا، ويتم نقل الدقيق إلى مصانع المكرونة والبسكويت والمخبوزات عبر شبكة داخلية، كما تضم منظومة للطباعة والتغليف، بما يقلل الاعتماد على موردين خارجيين في مراحل متعددة من دورة الإنتاج. وتضم المرحلة الأولى مطحنًا بطاقة إنتاجية معلنة تبلغ 800 طن دقيق يوميًا، و14 صومعة للقمح بطاقة تخزينية تبلغ نحو 70 ألف طن، إضافة إلى مصنع للمكرونة بخمسة خطوط إنتاج، ومصنع للبسكويت بخمسة خطوط، ومصنع للمخبوزات بخمسة خطوط. كما تضم المدينة مصانع «روتو» والدوبلكس والكرتون لتوفير احتياجات التعبئة والتغليف، وساحة شاحنات تستوعب 52 شاحنة وورشًا للصيانة، إلى جانب محطات لمعالجة الصرف الصناعي وتنقية المياه والتسخين والتكييف المركزي.
المرحلة الثانية.. الانتقال إلى منتجات غذائية أكثر تنوعًا
افتتحت المرحلة الثانية في فبراير 2023، ورفعت نطاق النشاط من منتجات الحبوب والمخبوزات إلى قطاعات جديدة، في مقدمتها الألبان ومنتجاتها، والحلاوة والطحينة، والبسكويت. وتضم المرحلة الثانية مصنعًا للألبان ومنتجاتها بتسعة خطوط بطاقة معلنة تبلغ 200 ألف طن سنويًا، ومصنعًا للحلاوة والطحينة بخمسة خطوط بطاقة 16 ألف طن سنويًا، ومصنعًا للبسكويت بخطين بطاقة 7800 طن سنويًا. كما أضيف مصنع للكرتون ومحطة لاسترجاع وإعادة تدوير المذيبات ومعمل مركزي لفحص العينات. ويتميز المعمل المركزي بقدرته المعلنة على اختبار نحو 40 ألف عينة سنويًا، وهو حاصل على اعتماد من المجلس الوطني للاعتماد «إيجاك» وفق البيانات الرسمية.
التغذية المدرسية.. الوظيفة الاجتماعية الأبرز
كان ملف التغذية المدرسية أحد المحركات الرئيسية لإنشاء المدينة. وفي الفترة من سبتمبر 2021 حتى يونيو 2022، سجلت «سايلو فودز» رقمًا قياسيًا عالميًا لدى غينيس للأرقام القياسية بتوزيع 600,426,453 عبوة من الوجبات المدرسية في عام دراسي واحد. وتشير وزارة التربية والتعليم المصرية إلى أن منظومة التغذية المدرسية تستهدف توفير وجبات آمنة ومتنوعة، فيما أوضحت وزارة الصحة أن المعهد القومي للتغذية شارك في تحديد مكونات الوجبات التي تنتجها «سايلو فودز» وفق الاحتياجات الغذائية للفئات العمرية المختلفة. وهنا تتحول المدينة من مجرد منتج غذائي إلى جزء من منظومة اجتماعية وصحية وتعليمية مرتبطة مباشرة بالدولة.
الأرقام تكشف حجم التحول
وفق أحدث تصريحات منشورة لرئيس مجلس إدارة «سايلو فودز» في يوليو 2026، قال اللواء أركان حرب أكرم عبد الجليل الحفناوي إن مصانع الشركة تعمل بطاقتها القصوى، وإن الشركة طحنت منذ تأسيسها نحو 1.5 مليون طن من القمح. وبحسب الأرقام التي أوردها رئيس مجلس الإدارة، أنتجت الشركة نحو 150 ألف طن من البسكويت لمنظومة التغذية المدرسية والسوق المحلية، و655 ألف طن من المكرونة، منها 300 ألف طن دعمت بها وزارة التموين و370 ألف طن طرحت في السوق المحلية، إضافة إلى 325 ألف طن من الردة، و20 ألف طن من المخبوزات، و120 ألف طن من منتجات الألبان والجبن والحلاوة الطحينية. لكن الأبرز في البيانات الحالية هو إعلان الشركة تصدير 50 ألف طن من منتجاتها إلى 33 دولة، وهو رقم أكبر بصورة ملحوظة من أرقام التصدير التي كانت تعلنها الجهات الرسمية عند افتتاح المرحلة الثانية، عندما كانت صادرات الشركة تبلغ نحو 11 ألف طن إلى 13 دولة.
من السوق المحلية إلى المنافسة الخارجية
تقول الشركة إن استراتيجيتها الحالية تتجه إلى التوسع في الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية، من خلال المشاركة في المعارض الغذائية الدولية واستهداف أسواق جديدة. وتشير بيانات الشركة إلى أنها حصلت على شهادات ومعايير مرتبطة بسلامة الغذاء والجودة، كما تقول إن مصانعها والمطحن والصوامع مسجلة ضمن القائمة البيضاء للهيئة القومية لسلامة الغذاء، وأن مصانعها مؤهلة لمعايير ISO الخاصة بالجودة وسلامة الغذاء. ويمثل التصدير تحولًا مهمًا في وظيفة المشروع؛ فبدل أن يقتصر دوره على توفير السلع للسوق المحلية، أصبح جزءًا من استراتيجية تحويل التصنيع الغذائي إلى مصدر للعملة الأجنبية.
لماذا يمثل التكامل نقطة قوة؟
القيمة الاقتصادية الأهم في «سايلو فودز» ليست فقط في عدد خطوط الإنتاج، وإنما في تكامل سلسلة القيمة. فالقمح يدخل إلى الصوامع، ثم إلى المطحن، ثم ينتقل الدقيق إلى مصانع المكرونة والبسكويت والمخبوزات، بينما توفر مصانع الطباعة والكرتون والتغليف جزءًا من مستلزمات المنتج النهائي، وتتكامل معها عمليات التخزين والنقل. هذا النموذج يقلل عدد حلقات سلسلة التوريد ويمنح الشركة قدرة أكبر على التحكم في الجودة والتكلفة والوقت، كما يقلل تعرض الإنتاج لبعض اضطرابات الموردين الخارجيين. وقد وصفت الرئاسة المصرية المشروع بأنه نموذج للتكامل الصناعي وسلاسل الإمداد.
الارتباط بجهاز مشروعات الخدمة الوطنية
«سايلو فودز» ليست شركة غذائية خاصة تقليدية؛ فهي إحدى الشركات التابعة لـجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.
وتؤكد وزارة التربية والتعليم المصرية صراحة أن «سايلو فودز» أحد أذرع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بينما يصف البنك الدولي المشروع بأنه يعمل تحت مظلة الجهاز منذ إطلاقه في 2021. وهذه الملكية تمنح المشروع قدرة على العمل في ملفات ذات طبيعة استراتيجية، مثل التغذية المدرسية وتوفير السلع الأساسية، لكنها في الوقت نفسه تجعل الشركة جزءًا من النقاش الأوسع حول حجم النشاط الاقتصادي للمؤسسات العسكرية ومدى مساهمته في المنافسة داخل السوق المصرية.
الجانب الآخر من الصورة.. الشفافية والمنافسة
في تقييمه للاقتصاد المصري، أشار البنك الدولي إلى أن «سايلو فودز» لعبت دورًا في تعزيز الأمن الغذائي والتغذية المدرسية وتحسين معايير السلامة والتتبع، لكنه أشار أيضًا إلى مخاوف تتعلق باستخدام الأوامر المباشرة وغياب المنافسة التنافسية الكاملة في بعض عمليات الشراء، إضافة إلى محدودية الشفافية المتعلقة بالبيانات المالية للشركة. وهذه النقطة مهمة عند تقييم المشروع بعيدًا عن الحسابات السياسية؛ فنجاح المدينة صناعيًا وإنتاجيًا لا يلغي الحاجة إلى حوكمة واضحة وإفصاح مالي ومنافسة متكافئة، خصوصًا إذا توسعت الشركة في السوق التجارية أو دخلت البورصة.
لماذا أصبحت «سايلو فودز» جزءًا من برنامج الطروحات؟
في تطور مهم خلال 2025 و2026، أدرجت الحكومة المصرية «سايلو فودز» ضمن الشركات التابعة للقوات المسلحة التي تستهدف طرحها في البورصة المصرية أو بيع حصة منها لمستثمر استراتيجي. وأكدت الحكومة في مايو 2026 أن «سايلو فودز» ضمن أربع شركات عسكرية يجري العمل على طرحها أو إتاحتها لمستثمرين استراتيجيين، إلى جانب «وطنية» و«تشيل أوت» والشركة الوطنية للطرق. كما أدرج صندوق النقد الدولي «سايلو فودز» ضمن الشركات العسكرية التي أعلنت الحكومة نيتها التخارج منها جزئيًا أو طرحها، في إطار سياسة توسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري. لكن الطرح لم يتحول حتى الآن إلى عملية بيع مكتملة أو إدراج فعلي للأسهم؛ ففي مايو 2026 نقلت «مدى مصر» عن مسؤول حكومي أن الشركات العسكرية الأربع، ومنها «سايلو فودز»، لم تكن جاهزة بعد لعملية بيع أسهم، وأن موعدًا نهائيًا لم يكن قد تحدد.
سايلو فودز وقها وإدفينا.. عقدة صناعية غذائية في السادات
لم تُخطط «سايلو فودز» بمعزل عن المشروعات الغذائية الأخرى في مدينة السادات. وتشير الرئاسة المصرية إلى وجود مشروع قها وإدفينا للصناعات الغذائية في المنطقة نفسها، باستثمارات معلنة تبلغ نحو 5.5 مليار جنيه وعلى مساحة 120 فدانًا، ويضم تسعة مصانع للمنتجات المعلبة والمجمدة، مع تصور للتكامل بينه وبين مجمع «سايلو فودز». وهذا يخلق تدريجيًا منطقة ذات تركيز صناعي غذائي يمكن أن تربط الإنتاج الزراعي بالتصنيع والتعبئة والتخزين والتصدير، بدل الاعتماد على تصدير المحاصيل الزراعية في صورتها الأولية.
نقطة القوة الأساسية: الأمن الغذائي
من منظور الأمن الغذائي، تمنح «سايلو فودز» الدولة قدرة إضافية على إنتاج سلع تعتمد عليها السوق المصرية بكميات كبيرة، خصوصًا المكرونة والدقيق والمخبوزات ومنتجات الألبان والبسكويت. كما أن امتلاك الصوامع والمطاحن ومصانع التصنيع والتعبئة داخل منظومة واحدة يمنح الدولة أداة إضافية لإدارة الصدمات في سلاسل الإمداد، وهو أمر أصبح أكثر أهمية بعد اضطرابات الغذاء والطاقة العالمية والحرب الروسية الأوكرانية. لكن الأمن الغذائي لا يعني الاكتفاء الكامل؛ فإنتاج الدقيق والمكرونة محليًا لا يلغي اعتماد مصر على واردات القمح، وهو ما يظل العامل الخارجي الأكثر أهمية بالنسبة إلى منظومة الغذاء المصرية.
نقطة القوة الثانية: تقليل مخاطر سلاسل الإمداد
تسمح منظومة التكامل داخل المدينة بتقليل الاعتماد على عدد كبير من الموردين في مراحل التصنيع والتغليف.
وهذا الأمر يصبح أكثر أهمية في فترات الأزمات، عندما ترتفع أسعار النقل أو تتعطل الواردات أو تتعرض سلاسل التوريد العالمية للاضطراب. وبالتالي، فإن القيمة الاستراتيجية لـ«سايلو فودز» لا تقاس فقط بعدد الأطنان التي تنتجها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تدفق السلع من المادة الخام إلى المستهلك النهائي.
مشروع غذائي أم أداة استراتيجية؟
تقدم «سايلو فودز» نموذجًا مختلفًا عن المصنع الغذائي التقليدي؛ فهي تجمع التخزين والطحن والتصنيع والتعبئة والتوزيع والتغذية المدرسية والتصدير في منظومة واحدة. وبالنسبة للدولة المصرية، يمثل المشروع أداة لتأمين جزء من سلاسل الغذاء وزيادة الطاقة الإنتاجية المحلية وتقليل مخاطر اضطرابات الإمداد، بينما يمثل التوسع في التصدير محاولة لتحويل الطاقة الصناعية إلى مصدر للعملة الأجنبية. لكن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية؛ فبعد اكتمال التوسع الصناعي وارتفاع حجم الصادرات، يصبح السؤال الأساسي هو هل تستطيع «سايلو فودز» الجمع بين وظيفتها الاستراتيجية وبين قواعد المنافسة والحوكمة والشفافية التجارية؟
وإذا انتقلت الشركة بالفعل إلى البورصة أو إلى شراكة مع مستثمر استراتيجي، فإن «سايلو فودز» ستدخل اختبارًا جديدًا: الانتقال من كونها مشروعًا حكوميًا استراتيجيًا للأمن الغذائي إلى شركة صناعية ضخمة مطالبة بإثبات قدرتها على تحقيق الكفاءة والربحية والمنافسة في السوق المفتوحة. وهذا الاختبار، أكثر من حجم المصانع أو عدد خطوط الإنتاج، سيكون المؤشر الحقيقي على نجاح التجربة المصرية في بناء صناعة غذائية متكاملة قادرة على خدمة السوق المحلية ومنافسة الأسواق الخارجية في آن واحد.


