- البحر الأسود.. مركز ثقل في تجارة القمح
- صادرات أوكرانيا تتراجع 76%
- موانئ أوديسا تحت الضغط
- نوفوروسيسك.. الخطر ينتقل إلى الصادرات الروسية
- واشنطن تخفض توقعات صادرات روسيا وأوكرانيا
- لماذا لا يعني ذلك أزمة قمح عالمية فورية؟
- البدائل موجودة.. لكنها لا تعوض البحر
- مصر وشمال أفريقيا في دائرة الاهتمام
- من أزمة موانئ إلى أزمة أسعار
- تركيا تتحرك لمنع اتساع الأزمة
كييف ، أوكرانيا ـ دخلت تجارة الحبوب في البحر الأسود مرحلة جديدة من الاضطراب مع تصاعد الهجمات على الموانئ وسفن الشحن والمنشآت الزراعية الروسية والأوكرانية. في هذا الوقت، يعتمد جزء كبير من تجارة القمح العالمية على صادرات البلدين. وتأتي التطورات الحالية بينما تشير بيانات أمريكية ودولية إلى أن الأسواق العالمية تمتلك مخزونات توفر قدرًا من الحماية. لكن استمرار تعطل الموانئ قد يرفع الأسعار. كما سيضغط ذلك بصورة أكبر على الدول المستوردة، خصوصًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
البحر الأسود.. مركز ثقل في تجارة القمح
أصبحت روسيا وأوكرانيا خلال العقود الأخيرة من أهم موردي الحبوب عالميًا. ووفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، شكّل البلدان معًا نحو 34% من تجارة القمح العالمية خلال الفترة 2019-2021. علاوة على ذلك، يمتلكان حصصًا كبيرة من تجارة الذرة والشعير وزيت دوار الشمس. وتفسر هذه المكانة سبب انتقال تأثير الحرب سريعًا من الموانئ المحلية إلى أسواق الغذاء الدولية. وتبرز روسيا بصورة خاصة في سوق القمح؛ إذ تصنفها المصادر الدولية باعتبارها أكبر مصدر للقمح عالميًا. كما تمثل أوكرانيا موردًا رئيسيًا للحبوب، ولا سيما لأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا وأفريقيا.
صادرات أوكرانيا تتراجع 76%
تظهر التداعيات بصورة مباشرة في أوكرانيا. فقد تسببت الهجمات على الموانئ والبنية التحتية البحرية في تراجع صادرات الحبوب بنحو 76% على أساس سنوي خلال النصف الأول من أغسطس، وفق بيانات نقلتها رويترز عن وزارة الزراعة الأوكرانية. وتعتمد أوكرانيا بدرجة كبيرة على البحر في إخراج منتجاتها الزراعية. تشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن نحو 90% من صادرات الحبوب والبذور الزيتية والمنتجات المرتبطة بها كانت تمر عبر الموانئ البحرية. في المقابل، نحو 10% كانت تمر عبر ما يعرف بممرات التضامن البرية والسكك الحديدية والممرات النهرية في يونيو 2026.
موانئ أوديسا تحت الضغط
أصبحت منطقة أوديسا محورًا رئيسيًا للأزمة، بعدما أدت الضربات الروسية المتكررة إلى تقليص حركة السفن وتعطيل عمليات الشحن. وأفادت تقارير بأن عددًا من ملاك السفن أوقفوا التوجه إلى الموانئ الأوكرانية في أواخر يوليو، خشية تعرض السفن والمنشآت للهجمات. في المقابل، تعرضت منشآت روسية لتصدير الحبوب لهجمات أوكرانية. وشكل الهجوم على ميناء نوفوروسيسك في 12 أغسطس نقطة بارزة في التصعيد. بعد هذا الهجوم، توقفت عمليات في منشآت رئيسية لتصدير الحبوب، ما دفع أسعار عقود القمح في شيكاغو إلى الارتفاع بنحو 3% في ذلك اليوم.
نوفوروسيسك.. الخطر ينتقل إلى الصادرات الروسية
لا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأوكراني. فتعرض منشآت التصدير الروسية للهجمات يضع سوق القمح أمام خطر مزدوج. فقد تتعطل صادرات أكبر مصدر عالمي للقمح بالتزامن مع انخفاض صادرات أوكرانيا. وقالت رويترز إن الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية الزراعية الروسية دفعت روسيا إلى تعليق عمليات عدد من منشآت الحبوب في نوفوروسيسك. بينما حذرت جهات روسية في قطاع الحبوب من أن استمرار الهجمات يمكن أن يؤثر في الصادرات والأسعار العالمية.
واشنطن تخفض توقعات صادرات روسيا وأوكرانيا
انعكست الاضطرابات بالفعل على تقديرات السوق. ففي أحدث تقرير WASDE الصادر عن وزارة الزراعة الأمريكية في 12 أغسطس، خفضت الوزارة توقعاتها لصادرات القمح الروسية والأوكرانية في موسم 2026/2027. ويعود السبب إلى الاضطرابات اللوجستية الناتجة عن تصاعد الصراع في البحر الأسود وبحر آزوف. في الوقت نفسه، خفضت الولايات المتحدة توقعاتها لصادرات عدد من المنتجين المتضررين. كما تتوقع أن تبلغ تجارة القمح العالمية في الموسم الجديد نحو 212.7 مليون طن، بانخفاض طفيف عن التقدير السابق.
لماذا لا يعني ذلك أزمة قمح عالمية فورية؟
رغم خطورة التطورات، لا تشير البيانات الحالية إلى نقص عالمي فوري في القمح. فقد رفعت وزارة الزراعة الأمريكية تقديرات المخزونات العالمية النهائية للقمح في موسم 2026/2027 إلى نحو 273.3 مليون طن. وتشير تقديرات حديثة إلى وجود مستويات مرتفعة نسبيًا من المخزونات العالمية توفر هامشًا لامتصاص جزء من اضطرابات الإمدادات. مع ذلك، هذه المخزونات لا تلغي مشكلة التوزيع والنقل. قد يمتلك السوق القمح على الورق، لكن تعجز الدول المستوردة عن الحصول عليه بالسرعة والتكلفة المعتادتين إذا استمرت الهجمات على الموانئ والسفن.
البدائل موجودة.. لكنها لا تعوض البحر
حاولت أوكرانيا منذ بداية الحرب تطوير طرق بديلة عبر السكك الحديدية والطرق والممرات النهرية باتجاه الاتحاد الأوروبي ورومانيا ومولدوفا. وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن ممرات التضامن ساهمت منذ مايو 2022 في تصدير نحو 94 مليون طن من الحبوب والبذور الزيتية والمنتجات المرتبطة بها. مع ذلك، كانت تمثل في يونيو 2026 نحو 10% فقط من صادرات هذه المنتجات، مقابل 90% عبر الموانئ البحرية. وتجري كييف حاليًا مباحثات مع مولدوفا بشأن مسار بالسكك الحديدية إلى ميناء كونستانتسا الروماني، بطاقة محتملة تصل إلى 4.5 مليون طن سنويًا. مع ذلك، تظل هذه القدرة محدودة مقارنة بحجم التجارة البحرية.
مصر وشمال أفريقيا في دائرة الاهتمام
وتكتسب الأزمة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تعتمد عدة دول في المنطقة على واردات القمح من منطقة البحر الأسود. وتشير دراسات أوروبية إلى أن روسيا وأوكرانيا كانتا توفران معًا أكثر من ربع القمح المتداول في السوق الدولية. كذلك تكون الدول الأكثر اعتمادًا على الواردات من البلدين أكثر تعرضًا لتقلبات الأسعار واضطرابات الإمداد. وتشمل هذه المجموعة دولًا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط. كما حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في اتصال مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، من تداعيات الهجمات على سفن الشحن في البحر الأسود بالنسبة إلى إمدادات الحبوب. في وقت تواجه فيه الصادرات الأوكرانية قيودًا متزايدة.
من أزمة موانئ إلى أزمة أسعار
الخطر الأساسي الذي تراقبه الأسواق لا يتمثل فقط في انخفاض الكميات المنتجة، وإنما في ارتفاع تكلفة إيصال القمح إلى المستهلك. فالهجمات ترفع تكلفة التأمين البحري، وتزيد أجور الشحن، وتدفع شركات النقل إلى البحث عن طرق أطول وأكثر تكلفة. بينما يؤدي تأخير السفن إلى زيادة تكاليف التخزين والتمويل. كل هذه التكاليف يمكن أن تنتقل تدريجيًا إلى المستوردين ثم إلى أسعار الدقيق والخبز والمنتجات الغذائية. وقد ظهرت مؤشرات أولية على ذلك في أسواق العقود الآجلة، مع ارتفاع عقود القمح في شيكاغو بعد الهجوم على نوفوروسيسك، في إشارة إلى حساسية السوق تجاه أي تهديد لصادرات روسيا وأوكرانيا.
تركيا تتحرك لمنع اتساع الأزمة
ومع اتساع نطاق الهجمات، طرحت تركيا فكرة وقف متبادل للهجمات على السفن التجارية في البحر الأسود. وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده تعمل على إنشاء آلية تسمح بإقرار هدنة تتعلق بالملاحة التجارية، محذرًا من أن الصراع بات يهدد حركة السفن المدنية. لكن موسكو رفضت في 14 أغسطس فكرة وقف إطلاق النار المحدود في البحر الأسود. كما قالت إن مقترحات التهدئة لا تعالج جوهر النزاع.


