دبي، الإمارات العربية المتحدة – لم يعد قرار السعودية إنهاء تمويل سلسلة “ليف غولف” بعد موسم 2026 حدثاً رياضياً معزولاً، بل بات مؤشراً جديداً على تحول أوسع في سياسة الإنفاق داخل المملكة. يأتي هذا التحول في ظل عجز مالي متزايد، وتداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز. كما يترافق ذلك مع مراجعة متصاعدة لمشاريع عملاقة استنزفت مليارات الدولارات، وعلى رأسها مشروع “نيوم”.
العجز يضغط على خيارات الرياض
أعلنت السعودية في ميزانية 2026 عجزاً متوقعاً بنحو 165 مليار ريال، أي ما يعادل 44 مليار دولار أو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي. يأتي هذا العجز مع تحول الإنفاق نحو قطاعات أكثر أولوية مثل الصناعة والخدمات اللوجستية وزيادة الإيرادات غير النفطية. كما قدّرت الحكومة عجز 2025 بنحو 245 مليار ريال. وقد حصل ذلك بعدما ضغط انخفاض أسعار النفط والإنتاج على الإيرادات. علاوة على ذلك، تجاوز الإنفاق المستويات المخططة.
هذا العجز يكشف أن مرحلة التمويل المفتوح للمشاريع الضخمة بدأت تضيق. فالمملكة باتت مطالبة بالموازنة بين استمرار مشاريع “رؤية 2030″، وتمويل الالتزامات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، يجب الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل بيئة إقليمية أكثر اضطراباً.
حرب إيران وإغلاق هرمز يضيفان كلفة جديدة
زاد إغلاق أو شبه إغلاق مضيق هرمز، بعد اندلاع الصراع العسكري مع إيران في 28 فبراير 2026، الضغط على اقتصادات الخليج وأسواق الطاقة العالمية. ويُعد المضيق أحد أهم ممرات النفط في العالم. كما أن أي تعطيل طويل له يهدد ليس فقط الصادرات النفطية، بل أيضاً قدرة المنتجين الخليجيين. بالإضافة إلى ذلك، يهدد قدرة السعودية على استخدام طاقتها الاحتياطية بكفاءة.
ورغم أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح السعودية إيرادات أعلى نظرياً، فإن تعطل هرمز لا يمثل مكسباً صافياً. فالإغلاق يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويعطل سلاسل التوريد. كما يدفع المملكة إلى الاعتماد بشكل أكبر على خطوط بديلة مثل خط شرق-غرب لنقل الخام إلى موانئ البحر الأحمر. وكانت إدارة معلومات الطاقة الأميركية قد أشارت إلى أن أرامكو استخدمت هذا المسار سابقاً لتقليل الاعتماد على هرمز عند اضطراب الملاحة في المنطقة.
وبذلك، تصبح حرب إيران عاملاً إضافياً في معادلة الضغط المالي: أسعار نفط أعلى من جهة. لكن توجد صادرات أكثر تعقيداً وكلفة ومخاطر جيوسياسية أكبر من جهة أخرى.
“نيوم”.. المشروع الذي ابتلع المليارات
داخل هذه البيئة، يبرز مشروع “نيوم” بوصفه المثال الأوضح على الطموحات السعودية المكلفة. المشروع، الذي طُرح كواجهة كبرى لـ”رؤية 2030″، كان يُقدر في بداياته بنحو 500 مليار دولار. لكنه واجه خلال السنوات الأخيرة تساؤلات متزايدة حول الكلفة، الجدول الزمني، والقدرة على تحقيق عوائد اقتصادية ملموسة.
وتشير تقارير “فايننشال تايمز” إلى أن صندوق الاستثمارات العامة أجرى خفضاً بنحو 8 مليارات دولار في قيمة استثماراته في المشاريع العملاقة داخل المملكة، بما في ذلك “نيوم”. جاء ذلك في ظل ارتفاع التكاليف وتغير الخطط التشغيلية وضغوط الميزانية.
كما أشارت تقارير أخرى إلى مراجعة كبيرة لمشروع “ذا لاين”، المدينة الخطية داخل “نيوم”، بعد تأخيرات وتجاوزات في الكلفة. وهذا في انعكاس واضح لانتقال الرياض من مرحلة الإعلان عن مشاريع رمزية ضخمة إلى مرحلة سؤال الجدوى. فالأسئلة الحالية هي: ما الذي يمكن إنجازه فعلاً؟ وما الذي يستحق الاستمرار؟
“ليف غولف” تدخل قائمة الضحايا
في هذا السياق، يبدو قرار وقف تمويل “ليف غولف” أحدث دليل على أن السعودية بدأت تراجع المشاريع التي تستهلك أموالاً ضخمة من دون عائد واضح. فقد أكد صندوق الاستثمارات العامة أنه سيمول البطولة فقط حتى نهاية موسم 2026. كما أوضح أن الاستثمار الكبير المطلوب لاستمرارها على المدى الطويل لم يعد متسقاً مع المرحلة الحالية من استراتيجية الصندوق وأولوياته الاستثمارية والظروف الاقتصادية الكلية.
وكانت “ليف غولف” إحدى أبرز أدوات السعودية لبناء نفوذ رياضي عالمي، لكنها تحولت أيضاً إلى نموذج مكلف للغاية. فقد أنفقت البطولة نحو 5.3 مليارات دولار منذ انطلاقها. وقد تصل الكلفة إلى نحو 6 مليارات دولار بنهاية 2026، مع جوائز مالية تقارب 30 مليون دولار لكل بطولة.
من النفوذ إلى الجدوى
القاسم المشترك بين “ليف غولف” و”نيوم” وعدد من مشاريع “رؤية 2030” هو أن السعودية استخدمتها لتقديم صورة جديدة عن المملكة وتحسين سمعتها: رياضة عالمية، مدن مستقبلية، سياحة، ترفيه، واستثمارات خارج النفط. لكن الحرب، العجز، وتذبذب الإيرادات النفطية كشفت أن النفوذ الناعم لا يمكن أن يبقى مفتوح التكلفة إلى ما لا نهاية.
السعودية لا تتخلى عن طموحاتها، لكنها تدخل مرحلة أكثر صرامة: المشاريع التي لا تجذب رأس مال خاص، ولا تقدم عوائد قابلة للقياس، ولا تخدم أولويات عاجلة، ستكون أول المرشحين للتقليص أو التأجيل أو وقف التمويل.
قرار وقف تمويل “ليف غولف” ليس مجرد خبر رياضي، بل علامة على تغير أعمق في الاقتصاد السعودي. فبين عجز الميزانية، وتداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، وكلفة “نيوم” والمشاريع العملاقة والفاشلة، تبدو الرياض كمن ينتقل من مرحلة الإنفاق لإبهار العالم إلى مرحلة محاسبة المشاريع على جدواها. وفي زمن الضغوط المالية، لم تعد الشهرة العالمية وحدها كافية. المطلوب الآن عائد، تمويل خارجي، ومشاريع قادرة على الوقوف من دون الاعتماد الكامل على خزائن الدولة وصندوقها السيادي.


