- اغتيال قائد الاستخبارات العسكرية في بنغازي
- هجمات مسيّرة تضرب مجمع الزاوية النفطي
- المصفاة نفسها لم تتعرض لأضرار مباشرة
- لماذا الزاوية مهمة؟
- الزاوية.. بؤرة أمنية متكررة
- سوابق لاستهداف محيط المصفاة
- الانقسام السياسي يظل خلفية رئيسية
- استقالة محافظ المصرف المركزي تضيف بعدًا اقتصاديًا
- النفط في قلب المعادلة
- المخاطر على إمدادات الوقود
- المشهد الأمني أمام اختبار جديد
- الأمم المتحدة تحذر من اتساع دائرة العنف
طرابلس ، ليبيا – تشهد ليبيا خلال الساعات الأخيرة تطورات أمنية متزامنة في شرق البلاد وغربها. تمثلت هذه التطورات في مقتل مسؤول بارز في الاستخبارات العسكرية التابعة للقوات المتمركزة في شرق ليبيا بمدينة بنغازي. كما شهدت ليبيا سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت لتخزين الوقود في مجمع الزاوية النفطي غرب طرابلس. وتكتسب التطورات أهمية خاصة بسبب وقوعها في منشأتين شديدتي الحساسية؛ الأولى مرتبطة بالمنظومة العسكرية والأمنية في شرق ليبيا. وثانيًا، تمثل المنشأة الأخرى إحدى أهم عقد الطاقة وتوزيع الوقود في غرب البلاد.
اغتيال قائد الاستخبارات العسكرية في بنغازي
قُتل اللواء فوزي المنصوري، المسؤول عن إدارة الاستخبارات العسكرية في القوات التابعة للقيادة العامة بشرق ليبيا، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت مركبته في مدينة بنغازي. جاء ذلك وفق ما نقلته مصادر أمنية لوكالة رويترز. وأكدت مصادر وتقارير ليبية أن المنصوري كان يشغل منصبًا قياديًا في جهاز الاستخبارات العسكرية. ومع ذلك، لم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الهجوم.
ويُعد اغتيال مسؤول بهذا المستوى من أبرز التطورات الأمنية التي تشهدها بنغازي منذ فترة. خصوصًا أن الاستهداف جاء بواسطة عبوة ناسفة، وهي طريقة تختلف عن أنماط الاشتباكات المسلحة المباشرة التي شهدتها المدينة خلال سنوات الصراع. وقال مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، اللواء خالد المحجوب، إن مقتل المنصوري يمثل حادثًا بارزًا بالنسبة للمؤسسة العسكرية. في الوقت ذاته، بدأت السلطات التحقيق في ملابسات العملية.
هجمات مسيّرة تضرب مجمع الزاوية النفطي
في غرب البلاد، تعرض مجمع الزاوية النفطي لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة بدأت باستهداف خزان للوقود. أدى ذلك إلى اندلاع حريق كبير. وقالت المؤسسة الوطنية للنفط إن أحد الخزانات المستهدفة كان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، قبل أن ينهار الخزان نتيجة الأضرار التي لحقت به. وأكدت المؤسسة أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحرائق. بينما لم تُسجل وفيات أو إصابات بين العاملين وفق المعلومات المتاحة. وتشير التقارير إلى أن هجمات أخرى استهدفت منشآت قريبة من المجمع، بينها منشآت لتخزين الوقود ومحيط محطة الكهرباء. نتيجة لذلك، دفعت الهجمات المؤسسة الوطنية للنفط إلى رفع مستوى الاستنفار الأمني والطوارئ.
المصفاة نفسها لم تتعرض لأضرار مباشرة
ورغم خطورة الهجمات، أفادت المؤسسة الوطنية للنفط بأن الأضرار الرئيسية طالت خزانات ومنشآت تخزين الوقود. بينما لم تتعرض وحدات التكرير الرئيسية في المصفاة لأضرار مباشرة. وتبلغ الطاقة التشغيلية لمصفاة الزاوية نحو 120 ألف برميل يوميًا. وهذا يجعلها واحدة من أهم منشآت تكرير النفط في ليبيا. كما يرتبط مجمع الزاوية بمنظومة إنتاج ونقل النفط القادمة من حقل الشرارة. يُعد حقل الشرارة أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد.
لماذا الزاوية مهمة؟
لا تكمن أهمية الزاوية في المصفاة وحدها، وإنما في كون المنطقة تضم مجموعة من المنشآت النفطية المرتبطة بالتكرير والتخزين والتصدير وتوزيع الوقود. ويعني استمرار استهداف هذه المنشآت أن الخطر لا يتعلق فقط بخسائر مادية. بل يتعلق أيضًا بإمكانية حدوث اضطراب في إمدادات الوقود داخل المناطق الغربية، خصوصًا طرابلس والمناطق المحيطة بها. وأكدت شركة البريقة لتسويق النفط أن المخزون المتاح وشحنات الإمداد يمكن أن تساعد في الحفاظ على استقرار الإمدادات. وقد جاء ذلك رغم الأضرار التي لحقت ببعض منشآت التخزين.
الزاوية.. بؤرة أمنية متكررة
لا تأتي التطورات الحالية في مدينة الزاوية من فراغ؛ فالمدينة شهدت خلال الأشهر الماضية اشتباكات وتحركات لمجموعات مسلحة. وسبق أن حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من تصاعد العنف وحوادث الاغتيال في الزاوية والمناطق المحيطة بها. وقالت البعثة في مايو إن التنافس بين التشكيلات المسلحة على النفوذ والسيطرة الإقليمية والوصول إلى موارد الدولة يمثل أحد العوامل التي تقوض الأمن وتضعف مؤسسات الدولة وتغذي الإفلات من العقاب. كما حذرت البعثة في بيان آخر من استخدام مناطق سكنية قريبة من مصفاة الزاوية لأغراض عسكرية. واعتبرت أن تعريض البنية التحتية المدنية للخطر يمكن أن يؤدي إلى تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة.
سوابق لاستهداف محيط المصفاة
وتكشف الأحداث الحالية عن أن منشآت الزاوية النفطية ليست بعيدة عن تداعيات الصراع المسلح. ففي مايو الماضي، أدت اشتباكات مسلحة في المدينة إلى سقوط مقذوفات داخل المجمع النفطي. ونتيجة لذلك، دفعت الاشتباكات المؤسسة الوطنية للنفط إلى إخلاء العاملين وإيقاف المصفاة احترازيًا وإخلاء ميناء الزاوية النفطي من الناقلات. وأكدت المؤسسة حينها أن فرق الطوارئ اتخذت إجراءات لمنع وقوع كارثة بيئية أو تعرض المنشآت لخطر أكبر. وسبق كذلك أن تعرضت خزانات المصفاة لأضرار نتيجة اشتباكات مسلحة في ديسمبر 2024. هذا ما دفع المؤسسة الوطنية للنفط آنذاك إلى إعلان حالة قوة قاهرة وطوارئ من المستوى الثالث. وهو أعلى مستوى للطوارئ لديها.
الانقسام السياسي يظل خلفية رئيسية
تأتي هذه التطورات في بلد لا يزال يعاني من انقسام مؤسسي وسياسي بين سلطات ومراكز نفوذ في الغرب والشرق. ويزيد هذا الانقسام من صعوبة فرض منظومة أمنية وطنية موحدة على كامل الأراضي الليبية. في نفس السياق، يمنح التشكيلات المسلحة المحلية مساحة واسعة للتأثير في الأمن والسياسة والاقتصاد. وفي الوقت نفسه، لا يزال النفط يمثل المورد الرئيسي للدولة. لهذا السبب تظل السيطرة على المنشآت النفطية وإمدادات الوقود من أكثر الملفات حساسية في الصراع الليبي.
استقالة محافظ المصرف المركزي تضيف بعدًا اقتصاديًا
وتزامنت التطورات الأمنية مع تطور سياسي واقتصادي مهم، بعدما قدم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى استقالته إلى مجلس النواب في الشرق والمجلس الأعلى للدولة في الغرب. جاء ذلك وفق وثائق اطلعت عليها رويترز. وأكد عيسى صحة وثائق الاستقالة، لكنه لم يكشف أسبابها. وأشار إلى حساسية الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ القرار. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه قضية السيطرة على المؤسسات المالية وتوزيع عائدات النفط واحدة من أهم نقاط الخلاف بين الأطراف الليبية.
النفط في قلب المعادلة
تمثل ليبيا حالة استثنائية في المنطقة بسبب اعتماد اقتصادها بصورة كبيرة على قطاع النفط. ولذلك فإن أي تهديد لمنشآت الإنتاج أو التكرير أو التخزين أو التصدير يمكن أن يتحول سريعًا من مشكلة أمنية محلية إلى أزمة اقتصادية أوسع. وكانت ليبيا قد شهدت خلال السنوات الماضية عدة أزمات أدت إلى إغلاق حقول وموانئ نفطية. وأدى ذلك إلى تراجع الإنتاج والصادرات وفرض ضغوط إضافية على الاقتصاد. وتأتي التطورات الحالية في وقت تشير فيه بيانات وتقارير حديثة إلى ارتفاع إنتاج ليبيا النفطي إلى مستويات هي الأعلى منذ سنوات. لهذا السبب، أصبحت حماية البنية التحتية النفطية أكثر أهمية بالنسبة إلى السلطات الليبية.
المخاطر على إمدادات الوقود
رغم أن الهجمات الأخيرة لم تؤد حتى الآن إلى توقف شامل للمصفاة، فإن استمرار استهداف خزانات الوقود يمكن أن يفرض ضغوطًا متزايدة على منظومة الإمدادات. وتكمن الخطورة في أن منشآت التخزين تمثل حلقة وسيطة بين التكرير والتوزيع. وبالتالي فإن تعطيلها بصورة متكررة قد يؤدي إلى اختناقات حتى إذا بقيت وحدات التكرير نفسها قادرة على العمل. ولهذا أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن فرقها تواصل مراقبة الوضع واتخاذ إجراءات احترازية لضمان استمرار إمدادات الوقود.
المشهد الأمني أمام اختبار جديد
تجمع التطورات الأخيرة بين ثلاثة ملفات شديدة الحساسية في ليبيا: الأمن العسكري، وانتشار السلاح، وحماية الموارد النفطية. فاغتيال مسؤول استخباراتي كبير في بنغازي يطرح تساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية على حماية القيادات العسكرية. بينما تكشف الهجمات على منشآت الزاوية عن هشاشة حماية البنية التحتية النفطية في المناطق التي تشهد نشاطًا مسلحًا. وفي الوقت ذاته، تستمر الأزمة السياسية والمؤسسية التي تعيق بناء منظومة أمنية موحدة قادرة على التعامل مع هذه التهديدات على المستوى الوطني.
الأمم المتحدة تحذر من اتساع دائرة العنف
كانت بعثة الأمم المتحدة قد حذرت في مايو من أن استمرار حشد التشكيلات المسلحة وحوادث الاغتيال في الزاوية قد يؤدي إلى موجة جديدة من العنف ويزيد من المخاطر على المدنيين. ودعت البعثة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جرائم القتل والاغتيالات وأعمال العنف، مع ضرورة حماية المدنيين والمنشآت الحيوية. وتمنح هذه التحذيرات خلفية مهمة لفهم التطورات الحالية. فمن المهم الإشارة إلى أن الهجمات الأخيرة تأتي بعد أشهر من التحذيرات الدولية بشأن هشاشة الوضع الأمني في المنطقة الغربية.


