- رضائي يعود إلى قلب القرار الأمني
- تغيير قيادة الحرس الثوري
- لماذا الآن؟
- من معركة الصواريخ إلى معركة القدرة على البقاء
- الصواريخ والطائرات المسيرة.. العمود الفقري للرد الإيراني
- المسيرات كسلاح للاستنزاف
- الدفاع الجوي.. الاختبار الأصعب
- هرمز يدخل إلى صلب المعادلة العسكرية
- إعادة بناء القيادة تمتد إلى خارج إيران
- واشنطن تواجه معركة مخزونات أيضًا
- إيران تعيد توزيع أدوار مؤسساتها العسكرية
- ماذا تريد طهران من إعادة الهيكلة؟
- إيران أمام اختبار مختلف
طهران ، ايران – لا تبدو التغييرات العسكرية والأمنية التي تشهدها إيران خلال الأيام الأخيرة مجرد حركة تدوير في المناصب، بل تأتي في لحظة استثنائية من الحرب مع الولايات المتحدة. كما تأتي بعد أشهر من الضربات التي استهدفت بنية القيادة والقدرات العسكرية الإيرانية. وفي وقت تحاول فيه طهران إعادة تنظيم قدرتها على مواصلة القتال والتفاوض في آن واحد.
ففي 10 أغسطس 2026، أعلنت إيران تعيينات جديدة في مواقع عسكرية وأمنية عليا، شملت قيادة الحرس الثوري وهيئة الأركان والقوة البحرية للحرس الثوري. بالتوازي مع تعيين القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي. وتأتي هذه التغييرات في ظل حرب مستمرة منذ أشهر ومفاوضات مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز.
رضائي يعود إلى قلب القرار الأمني
يُعد تعيين محسن رضائي من أبرز مؤشرات المرحلة الجديدة؛ فالرجل ليس وافدًا جديدًا على المؤسسة العسكرية، إذ تولى قيادة الحرس الثوري لسنوات طويلة، قبل أن ينتقل إلى مواقع سياسية واقتصادية وأمنية. وبحسب رويترز، عُين رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفًا لمحمد باقر ذو القدر. كما عُين ممثلًا للمرشد الأعلى في المجلس، ما يمنحه موقعًا محوريًا في المؤسسة التي تنسق ملفات الأمن والسياسة الخارجية. وتكتسب عودة شخصية عسكرية بهذا الوزن إلى مركز صناعة القرار أهمية خاصة في ظل الحرب، حيث باتت القرارات العسكرية مرتبطة بصورة مباشرة بالسياسة الخارجية والمفاوضات والملف النووي وأمن الملاحة في الخليج.
تغيير قيادة الحرس الثوري
وفي واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل القيادة العسكرية الإيرانية منذ اندلاع الحرب، عُين الجنرال أحمد وحيدي قائدًا جديدًا للحرس الثوري، فيما عُين مصطفى إيزدي نائبًا له. كما شملت التغييرات القوة البحرية التابعة للحرس الثوري، حيث عُين علي عظيمائي قائدًا لها، إلى جانب تغييرات أخرى في هيئة الأركان والقوات المسلحة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تحتل فيه القوات البحرية للحرس الثوري موقعًا مهمًا في المعادلة الإيرانية. خصوصًا مع تحول مضيق هرمز إلى أحد أبرز أوراق الضغط التي تستخدمها طهران في مواجهة واشنطن.
لماذا الآن؟
توقيت إعادة تشكيل القيادة يحمل دلالة كبيرة، فإيران لا تجري هذه التغييرات في فترة هدوء، وإنما بعد أشهر من العمليات العسكرية التي أدت إلى خسائر في مواقع وقيادات عسكرية، وفي الوقت الذي تتعرض فيه منظومة القيادة الإيرانية لضغط مستمر. وتشير تقارير حديثة إلى أن الحرب دفعت طهران إلى إعادة بناء هيكل القيادة العسكرية والأمنية الذي تعرض لضربات خلال المواجهة. وبالتالي، فإن أحد الأهداف المباشرة للتغييرات هو استعادة انتظام سلسلة القيادة، وضمان قدرة المؤسسات العسكرية على العمل حتى في حال تعرض مراكز القيادة أو الاتصالات لهجمات جديدة.
من معركة الصواريخ إلى معركة القدرة على البقاء
أظهرت الحرب أن امتلاك إيران مخزونًا كبيرًا من الصواريخ والطائرات المسيرة لا يكفي وحده لضمان استمرار القدرة القتالية. فالقيمة الحقيقية للسلاح ترتبط بقدرة الدولة على الاحتفاظ بمنظومة قيادة وسيطرة تستطيع إصدار الأوامر، وتحديد الأهداف، وإعادة توزيع الوحدات، والحفاظ على خطوط الإمداد والإنتاج. ولهذا أصبحت القدرة على البقاء بعد الضربة الأولى عنصرًا أساسيًا في الحسابات العسكرية الإيرانية. وتشير تقديرات لمعهد دراسة الحرب إلى أن إيران عدلت تكتيكاتها خلال المواجهة، بما في ذلك استخدام صواريخ أسرع وأكثر قدرة على المناورة للتعامل مع الدفاعات الأمريكية.
الصواريخ والطائرات المسيرة.. العمود الفقري للرد الإيراني
اعتمدت إيران خلال الحرب على مزيج من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، باعتبارهما من أكثر أدواتها قدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة وإجبار الولايات المتحدة وحلفائها على تشغيل منظومات دفاعية مكلفة. وتشير دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن إيران أطلقت خلال الأيام الأولى للحرب أكثر من ألفي طائرة مسيرة ونحو 500 صاروخ باليستي. قبل أن تنخفض وتيرة الإطلاق لاحقًا بصورة كبيرة. ويكشف ذلك عن طبيعة مختلفة للحرب: طهران لا تحتاج إلى إطلاق الكميات نفسها يوميًا، وإنما تحاول الحفاظ على مخزون وقدرة إنتاجية تسمحان لها بالاحتفاظ بخيار الضربات لفترة طويلة.
المسيرات كسلاح للاستنزاف
تمنح الطائرات المسيرة إيران ميزة مختلفة عن الصواريخ الباليستية؛ فتكلفتها عادة أقل، ويمكن استخدامها بأعداد كبيرة، ما يفرض على الطرف الآخر تشغيل منظومات اعتراض متطورة. وتحاول إيران بذلك خلق معادلة اقتصادية وعسكرية تقوم على إجبار خصمها على استخدام أسلحة اعتراض مرتفعة التكلفة ضد أهداف أرخص نسبيًا. وتشير تحليلات متخصصة إلى أن حرب الاستنزاف في هذا المجال لا تُقاس فقط بعدد الطائرات المسيرة التي يتم إسقاطها، وإنما بقدرة كل طرف على إنتاج واستبدال الأسلحة بوتيرة أسرع من معدل استهلاكها.
الدفاع الجوي.. الاختبار الأصعب
في المقابل، يمثل الدفاع الجوي إحدى أكثر نقاط الضغط حساسية بالنسبة لإيران. فالولايات المتحدة تمتلك قدرات متقدمة في الاستطلاع والضربات بعيدة المدى والحرب الإلكترونية. ولذلك فإن قدرة طهران على حماية منشآتها ومراكز القيادة وقواعد إطلاق الصواريخ ترتبط بقدرتها على إعادة بناء شبكات الرادار والدفاع الجوي بسرعة. وهنا يصبح تغيير القيادات العسكرية جزءًا من عملية أكبر لإعادة ترتيب المنظومة الدفاعية، وليس مجرد استبدال أسماء بأخرى.
هرمز يدخل إلى صلب المعادلة العسكرية
في الوقت نفسه، تحول مضيق هرمز إلى نقطة التقاء بين القوة العسكرية والسياسة الخارجية الإيرانية. فطهران تستخدم موقعها الجغرافي وقدراتها البحرية والصاروخية للضغط على الولايات المتحدة، بينما أصبحت إعادة فتح المضيق مرتبطة بالمفاوضات الجارية. وتراجعت حركة السفن عبر المضيق في الأيام الأخيرة، وسط استمرار التوترات والمفاوضات، في مؤشر على أن الأزمة البحرية لم تعد منفصلة عن الحرب نفسها. كما قالت رويترز إن إيران تربط إعادة فتح المضيق بتنازلات أمريكية، فيما تستمر الوساطة العمانية بين الطرفين.
إعادة بناء القيادة تمتد إلى خارج إيران
ولا تتوقف إعادة ترتيب القدرات الإيرانية عند الحدود. فقد أفادت رويترز في يوليو بأن إيران أرسلت عناصر من الحرس الثوري ومستشارين ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة إلى اليمن، في خطوة قالت مصادر للوكالة إنها تهدف إلى تعزيز قدرة حلفائها الحوثيين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر. وتشير هذه الخطوة إلى أن طهران تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة متعددة المسارح. بحيث لا تقتصر أدوات الضغط على الأراضي الإيرانية والخليج، وإنما تمتد إلى البحر الأحمر وممراته البحرية.
واشنطن تواجه معركة مخزونات أيضًا
وفي الجانب الآخر، لا تخلو الحرب من ضغوط على القدرات الأمريكية. فقد تناولت تقارير أمريكية حديثة الضغوط التي تعرضت لها مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ والذخائر بعيدة المدى نتيجة استمرار العمليات ضد إيران، وهو عامل أصبح حاضرًا في النقاش حول قدرة واشنطن على الحفاظ على وتيرة عالية من الضربات لفترة طويلة. وبذلك، تتحول الحرب تدريجيًا من مواجهة تقوم على التفوق النوعي الأمريكي مقابل الكثافة الصاروخية والمسيرات الإيرانية إلى اختبار أوسع يتعلق بالإنتاج والإمداد وإعادة التسليح والقدرة على تحمل الاستنزاف.
إيران تعيد توزيع أدوار مؤسساتها العسكرية
التغييرات الأخيرة تضع شخصيات ذات خبرة عسكرية طويلة في مواقع رئيسية داخل منظومة القرار. ويضم الهيكل الجديد قيادات من الجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية، بما يمكن أن يعزز التنسيق بين المؤسسات التي تعمل عادة وفق هياكل مختلفة. ويرى محللون أن اختيار قيادات ذات خبرة في الحرب والعمل العسكري قد يكون مرتبطًا بالحاجة إلى إدارة مرحلة لا تزال فيها احتمالات التصعيد قائمة، بالتزامن مع استمرار المسار الدبلوماسي. وفي المقابل، أكدت تصريحات إيرانية أن التعيينات تستند إلى الخبرة التي اكتسبها هؤلاء القادة خلال الحرب.
ماذا تريد طهران من إعادة الهيكلة؟
يمكن رصد ثلاثة أهداف رئيسية وراء إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية الإيرانية. الأول هو استعادة تماسك القيادة والسيطرة بعد الضربات التي تعرضت لها مراكز القرار. والثاني هو الحفاظ على القدرة الصاروخية والمسيرة باعتبارها الأداة الرئيسية للردع والضغط بعيد المدى. أما الثالث فهو ربط القرار العسكري بالمسار السياسي، خصوصًا مع تولي رضائي منصبًا محوريًا في مجلس الأمن القومي بالتزامن مع مفاوضات هرمز. وهذا يجعل التغييرات الأخيرة جزءًا من إعادة بناء شاملة لمنظومة إدارة الحرب، وليس مجرد حركة تعيينات عسكرية.
إيران أمام اختبار مختلف
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا نوعيًا واسعًا في الطيران والاستطلاع والقدرات البحرية والتكنولوجيا العسكرية. لكن إيران لا تخوض المواجهة على أساس منافسة واشنطن في هذه المجالات. الاستراتيجية الإيرانية تقوم بدرجة أكبر على الاحتفاظ بقدرة صاروخية ومسيرة قابلة للاستمرار، وتوزيع القدرات، واستخدام الجغرافيا، والضغط على الملاحة، والاستفادة من شبكات الحلفاء الإقليميين. ومن هنا تصبح عملية إعادة بناء القيادة ذات أهمية كبيرة؛ لأن استمرار الحرب يتطلب مؤسسة تستطيع العمل حتى بعد تعرضها لضربات متكررة.


