واشنطن ، الولايات المتحدة – تتجه أنظار العالم إلى مدينة أتلانتا الأمريكية، التي تستضيف مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في نصف نهائي كأس العالم 2026. تأتي هذه المواجهة وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة فرضتها السلطات الأمريكية والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، في ظل المخاوف من انتقال التوترات السياسية والتاريخية المرتبطة بالنزاع على جزر مالفيناس (فوكلاند) إلى مدرجات المباراة. من ناحية أخرى، صنّفت السلطات الأمنية الأمريكية، بالتنسيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والشرطة المحلية ومسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم، المباراة باعتبارها “الأعلى خطورة” بين جميع مباريات البطولة. ويرجع ذلك إلى التاريخ السياسي والرياضي المعقد الذي يجمع المنتخبين.
وأعلنت السلطات في مدينة أتلانتا نشر نحو 1600 عنصر أمن داخل محيط ملعب “مرسيدس بنز” وخارجه. كذلك سيتم تعزيز الوجود الشرطي في مناطق تجمع الجماهير والفنادق ومحطات النقل. فضلاً عن ذلك، سيتم تنسيق أمني مباشر بين أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية والجهات المنظمة للبطولة. ولأول مرة خلال البطولة، تقرر تخصيص مداخل منفصلة لجماهير المنتخبين لتقليل فرص الاحتكاك. كما سيتم تشديد عمليات التفتيش الأمني قبل الدخول إلى الملعب.
وأكدت وزيرة الأمن الأرجنتينية أليخاندرا مونتيوليفا أن السلطات اتفقت مع “فيفا” على حظر إدخال أي لافتات أو شعارات ذات طابع سياسي أو قومي أو عنصري. يشمل ذلك اللافتات المرتبطة بقضية جزر مالفيناس/فوكلاند، في محاولة لمنع استغلال المباراة لإثارة الخلافات التاريخية بين البلدين.
إرث تاريخي يتجاوز كرة القدم
وتحمل المواجهة أبعاداً تتجاوز المستطيل الأخضر، إذ ترتبط بواحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ البلدين. القضية هي حرب عام 1982 بين الأرجنتين والمملكة المتحدة على السيادة على جزر مالفيناس، المعروفة بريطانياً باسم جزر فوكلاند. لا تزال الأرجنتين تعتبر الجزر جزءاً من أراضيها الوطنية، بينما تؤكد بريطانيا سيادتها عليها. ويعد هذا النزاع لم يُحسم سياسياً حتى اليوم، وظل يلقي بظلاله على كل مواجهة كروية تجمع المنتخبين.
تاريخ من المواجهات المشحونة
ويُنظر إلى لقاءات المنتخبين باعتبارها من أكثر المنافسات إثارة في كرة القدم العالمية. يتضح ذلك خاصة بعد ربع نهائي كأس العالم 1986، عندما سجل الأسطورة دييغو مارادونا هدفيه الشهيرين، أحدهما بيده فيما عرف لاحقاً بـ”يد الإله”، والآخر الذي وصفه الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقاً بأنه من أعظم أهداف كأس العالم. كذلك شهدت مواجهات أخرى بين المنتخبين أحداثاً مثيرة، بينها طرد ديفيد بيكهام في مونديال 1998. وبعد ذلك، ردت إنجلترا اعتبارها في نسخة 2002 بالفوز بهدف دون رد. وتُعد مباراة الأربعاء أول مواجهة بين المنتخبين في كأس العالم منذ أكثر من عقدين.
محاولات لاحتواء التوتر
ورغم الأجواء المشحونة، سعت القيادات الرياضية إلى تهدئة الخطاب قبل المباراة. شدد المدير الفني للأرجنتين ليونيل سكالوني على أن المواجهة “مباراة كرة قدم فقط”، داعياً إلى الفصل بين الرياضة والخلافات السياسية. كما دعت روابط مشجعي المنتخب الإنجليزي جماهيرها إلى الالتزام بالسلوك الرياضي واحترام المنافس. من جهة أخرى، أصدرت مجموعات من قدامى المحاربين الأرجنتينيين في حرب مالفيناس بيانات طالبت فيها الجماهير بعدم تحويل المباراة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. أكدت تلك البيانات أن الخلاف حول السيادة يجب أن يبقى في إطار الدبلوماسية وليس الرياضة.
مخاوف من الاحتكاكات الجماهيرية
وتزايدت المخاوف الأمنية بعد انتشار مقاطع مصورة خلال البطولة لجماهير ولاعبي الأرجنتين وهم يرددون هتافات تتعلق بجزر مالفيناس عقب إحدى مبارياتهم. أدى ذلك إلى إثارة انتقادات واسعة في وسائل الإعلام البريطانية، رغم عدم اتخاذ “فيفا” إجراءات تأديبية في ذلك الوقت. ويرى مراقبون أن المباراة تمثل اختباراً لقدرة الأجهزة الأمنية الأمريكية على إدارة واحدة من أكثر المواجهات حساسية في تاريخ بطولات كأس العالم. يأتي هذا في ظل توقع حضور عشرات الآلاف من جماهير المنتخبين داخل الملعب وفي المناطق المحيطة به. بينما تراهن السلطات على الإجراءات الأمنية المشددة لضمان بقاء المنافسة داخل حدود الرياضة فقط.


