الفاتيكان – في خطوة وصفت بأنها تحول جذري في مسار الكنيسة الكاثوليكية وتصحيح لمسارها التاريخي، قدم بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، اليوم الاثنين، اعتذاراً رسمياً وتاريخياً عن دور الكرسي الرسولي في إضفاء الشرعية على العبودية. كما اعترف بالتقاعس المؤسسي عن إدانتها لقرون طويلة.
اعتراف بـ “جرح في ذاكرة المسيحية”
وفي رسالته البابوية الأولى التي جاءت تحت عنوان “الإنسانية الرائعة”، وصف البابا ليو الرابع عشر سجل الفاتيكان في هذا الملف بأنه “جرح عميق في ذاكرة المسيحية”. كما أكد أن الصمت تجاه تلك الممارسات لم يكن مجرد غفلة، بل كان تهاوناً يتنافى مع القيم الإنسانية والروحية التي تدعو إليها الكنيسة.
تجاوز حدود الاعتذارات السابقة
وتكتسب هذه المبادرة أهمية استثنائية لكونها تتجاوز حدود الاعتذارات السابقة التي قدمها باباوات سابقون. هؤلاء الباباوات اقتصر اعتذارهم على التورط العام للمسيحيين في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.
وللمرة الأولى في تاريخ الكرسي الرسولي، يقر البابا علناً بالدور المباشر للباباوات السابقين في منح الحكام الأوروبيين سلطة صريحة لإخضاع “الكفار” واستعبادهم. وهذا ما شكل غطاءً قانونياً وأخلاقياً لممارسات لا إنسانية استمرت لعصور.
أبعاد رمزية وشخصية للبابا
ويحمل هذا الاعتذار دلالة شخصية ورمزية عميقة، إذ يعد البابا ليو الرابع عشر أول بابا في تاريخ الفاتيكان يولد في الولايات المتحدة. كما كشف في تصريحاته عن أن تاريخ عائلته يتقاطع بشكل معقد مع هذه الحقبة المظلمة، حيث ضمت جذور عائلته كلاً من ضحايا العبودية ومالكي العبيد أيضاً. لذا، يمنح موقفه اليوم بعداً إنسانياً وأخلاقياً نابعاً من تجربة تاريخية ومجتمعية متجذرة.
وقد قوبلت خطوة البابا بردود فعل دولية واسعة، حيث اعتبرها مراقبون وخبراء في التاريخ واللاهوت محاولة شجاعة من القيادة الفاتيكانية لمواجهة الإرث الاستعماري للكنيسة وتقديم كفارة عن أخطاء الماضي. وتأتي هذه المبادرة في وقت يتزايد فيه الضغط العالمي للمطالبة بالعدالة التاريخية. بهذا الموقف، يسعى البابا ليو الرابع عشر إلى طي صفحة مؤلمة. كما يدعو إلى تبني رؤية جديدة ترتكز على كرامة الإنسان وحقوقه المتأصلة، في خطوة تهدف إلى إعادة الاعتبار لجوهر الرسالة المسيحية في عالم يبحث عن التصالح مع تاريخه.


