لندن – المملكة المتحدة – في خطوة تعيد صياغة المفهوم السائد حول العلاقة بين الألعاب الإلكترونية والصحة الذهنية، كشفت دراسة حديثة أن التأثير السلبي لألعاب الفيديو على القدرات العقلية لا يرتبط بعدد الساعات التي يقضيها اللاعب أمام الشاشة بقدر ارتباطه بطبيعة العلاقة مع اللعبة. وقد أوضح الباحثون أن الاعتماد على مدة اللعب كمعيار وحيد لتقييم المخاطر يعد مضللاً، مشيرين إلى أن الجوهر الحقيقي للخطر يكمن في درجة الإدمان والسلوك القهري المرتبط باستخدام هذه الألعاب.
التراجع الإدراكي والارتباط بالسلوك القهري
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين يعانون من أعراض إدمان ألعاب الفيديو يواجهون تراجعاً ملحوظاً في مجموعة من الوظائف الإدراكية الحيوية. ويشمل هذا التراجع جوانب جوهرية مثل التركيز، والذاكرة العاملة، وسرعة اتخاذ القرار. والأمر الأكثر لفتًا للانتباه هو أن هذا التدهور في الأداء العقلي رُصد حتى لدى الأفراد الذين لم يقضوا ساعات طويلة جداً في اللعب، مما يثبت أن التأثير السلبي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية والسلوكية للاعب أثناء ممارسته للعبة.
تعريف الإدمان وأثره على الأداء الدماغي
يتمثل الإدمان في هذا السياق بفقدان اللاعب لقدرته على التحكم في وقت اللعب، حيث يواصل اللعب رغم إدراكه للآثار السلبية التي يتركها ذلك على مسيرته الدراسية أو المهنية أو حتى علاقاته الاجتماعية. هذا السلوك القهري يؤدي بالضرورة إلى زيادة الضغوط النفسية واضطراب أنماط النوم، وهي عوامل مجتمعة تنعكس بشكل مباشر وسلبي على أداء الدماغ وقدرته على المعالجة، مما يجعل “النمط السلوكي” هو العامل الأكثر خطورة مقارنة بـ “النمط الزمني”.
الوجه الآخر للعملة: متى تكون الألعاب مفيدة؟
حرص الباحثون على التأكيد بأن ممارسة ألعاب الفيديو بحد ذاتها لا تمثل خطراً على الصحة العقلية، بل إن الاعتدال في ممارستها يفتح الباب أمام فوائد ملموسة. فعندما تمارس الألعاب ضمن حدود زمنية متوازنة، يمكنها أن تسهم بشكل فعال في تحسين سرعة الاستجابة، وتعزيز التنسيق بين العين واليد، وتنمية مهارات حل المشكلات المعقدة والتفكير الاستراتيجي، مما يحولها من مجرد وسيلة ترفيه إلى أداة لتنشيط العقل.
دعوة لأولياء الأمور والمستخدمين
يؤكد الخبراء أن العامل الحاسم لضمان صحة عقلية سليمة هو قدرة اللاعب على تحقيق التوازن الدقيق بين اللعب وبقية الأنشطة اليومية. ودعا المختصون أولياء الأمور إلى تجاوز مراقبة عدد الساعات، وتوجيه اهتمامهم نحو مراقبة السلوكيات المرتبطة بالإدمان، مثل الانعزال الاجتماعي المتعمد، والعصبية المفرطة عند التوقف عن اللعب، وإهمال المسؤوليات اليومية الأساسية. وتخلص الدراسة إلى أن المشكلة ليست في الألعاب الإلكترونية ذاتها، بل في فقدان السيطرة عليها، مشددة على أن الوعي بالاستخدام الصحي هو المفتاح للحفاظ على الإنتاجية وتجنب الإرهاق الذهني.


