أثينا – اليونان – أعاد إصدار فيلم “الأوديسة” للمخرج العالمي كريستوفر نولان فتح باب النقاش التاريخي حول شخصية “هوميروس”، الشاعر الذي يُنسب إليه الفضل في صياغة أعظم ملاحم البشرية: “الإلياذة” و”الأوديسة”. إن فكرة أن رجلاً واحداً عاش في جزيرة خيوس حوالي القرن الثامن قبل الميلاد، تمكن من جمع أساطير حرب طروادة ومغامرات أوديسيوس في نصين بهذا التأثير العالمي، تظل حتى يومنا هذا مثار إعجاب وحيرة.
الجدل حول هوية المؤلف: “المسألة الهوميرية”
بينما يقر المؤرخون أن هذه النصوص وصلت إلينا بفضل جهود العلماء في العصر الهلنستي والبيزنطي، لا يوجد دليل قاطع يثبت أن هوميروس هو “الكاتب” الوحيد لها. هنا، تبرز ما يعرف بـ “المسألة الهوميرية”، التي تتساءل هل كان هوميروس شخصاً واحداً، أم مجموعة من الرواة؟ ومع ذلك، فإن الاتساق المذهل في البناء الدرامي واللغوي للنصوص يجعل من الصعب تصور نشوئها عبر الرواية الشفوية وحدها. لذلك، هذا يعزز فرضية وجود مؤلف عبقري وضع الهيكل الكامل لهذه الملاحم التي هزت البشرية لأكثر من 2500 عام.
صورة المنشد الأعمى: رمزية الحكمة
ارتبطت صورة هوميروس في الأذهان والتماثيل القديمة برجل مسن ملتحٍ يحمل عصاً، بعيون غائرة توحي إما بنظرة ثاقبة أو بفقدان كامل للبصر. في السياق الثقافي للعصور القديمة، كان فقدان البصر يُربط غالباً بـ “البصيرة” أو الرؤية الداخلية. إذ كان يُعتقد أن من يُحرم من النظر المادي يُمنح قدرة إلهية على رؤية الحقائق والماضي والمستقبل.
شواهد من داخل النصوص
يعتمد الباحثون على مرجعيتين أساسيتين لمحاولة إثبات (أو نفي) عمى هوميروس. في هذا الإطار، يُعتقد أنه قد يكون أدرج تفاصيل عن نفسه داخل أعماله كنوع من “التوقيع” الأدبي:
- شخصية ديمودوكوس: في “الأوديسة”، يظهر ديمودوكوس، المغني الأعمى في قصر الملك ألكينوس، الذي يصفه النص بأنه “شخص سلبه الإله بصره ووهبه صوتاً عذباً”. ويرى الكثير من النقاد أن هوميروس ربما كان يرسم صورة ذاتية له من خلال شخصية هذا الشاعر المنشد.
- ترنيمة هوميروس لأبولو: تشير إحدى التراتيل المنسوبة للتراث الهوميري صراحةً إلى “رجل أعمى يعيش في خيوس الصخرية”. رغم الشكوك الأكاديمية حول نسب هذه التراتيل لهوميروس نفسه، إلا أنها تحمل صفتين تتطابقان بشكل مدهش مع الروايات التاريخية حوله. وبالتالي، فهي تصفه بأنه من جزيرة خيوس ويعاني من فقدان البصر.
إرث خالد يتجاوز المادي
في نهاية المطاف، يبقى التساؤل حول بصر هوميروس لغزاً تاريخياً يستحيل حسمه علمياً، وهو جزء من سحر هذه الشخصية الغامضة. ومع ذلك، فقد اختار المجتمع العالمي قبول صورة “الراوي الأعمى”؛ فهي الصورة التي تضفي هالة من القدسية والحكمة على هذا الكنز الأدبي. سواء كان هوميروس يرى بوضوح أو كان عالمه ظلاماً دامساً، فإن رؤيته الفنية تجاوزت حدود الزمان والمكان. لذلك أصبحت مرجعاً أول للدراما والأدب البشري في كل العصور.


