شيكاغو – لم تكن الإعلامية الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري يوماً ما تعتبر القراءة مجرد هواية عابرة لملء أوقات الفراغ. بل كانت تؤكد في أكثر من مناسبة، ومن خلال منصاتها الإعلامية، أن الكتب لعبت دوراً محورياً في صياغة كيانها. وأسهم ذلك أيضاً في صناعة مسيرتها المهنية، حتى تحولت إلى واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في عالم الإعلام والثقافة على مستوى العالم.
نافذة الهروب وأدوات التعبير
منذ سنواتها الأولى، وجدت أوبرا في الكتب نافذة سحرية للهروب من الظروف الصعبة والقاسية التي عاشتها في طفولتها. لم تكن تلك المؤلفات مجرد ورق وحبر، بل منحتها فرصة حقيقية لاكتشاف عوالم رحبة خارج نطاق محيطها الضيق. كما أسهمت هذه العادة في تنمية خيالها الواسع، وصقل قدرتها الفائقة على التعبير عن أفكارها ومشاعرها. وقد انعكس ذلك لاحقاً بوضوح على أسلوبها الفريد في الحوار، وقدرتها الاستثنائية على التواصل العميق مع جمهورها العريض.
“نادي الكتاب” و”تأثير أوبرا”
مع انطلاق برنامجها الشهير، أطلقت أوبرا مبادرتها الثقافية الأبرز المعروفة بـ “نادي الكتاب”. لم يمر هذا المشروع مرور الكرام، بل تحول إلى واحدة من أهم المبادرات الثقافية في الولايات المتحدة والعالم. كما أصبح اختيارها لأي كتاب كفيلاً بتحويله إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في غضون أيام قليلة. هذه ظاهرة عُرفت عالمياً باسم “تأثير أوبرا”.
اتسمت اختيارات أوبرا بالتنوع الشديد، حيث شملت الروايات العالمية الأدبية، وكتب التنمية الذاتية، والسير الذاتية الملهمة، والمؤلفات الفكرية الرصينة. كان همها الأكبر تقديم أعمال تناقش قضايا إنسانية واجتماعية عميقة. نتيجة لذلك، شجعت ملايين القراء بمختلف خلفياتهم على العودة إلى عادة القراءة. كما دفعهم ذلك لاكتشاف أصوات وأقلام جديدة كانت مجهولة قبل تسليط الضوء عليها.
فلسفة القراءة كأداة للوعي
تؤمن وينفري إيماناً راسخاً بأن القراءة لا تمنح الإنسان المعرفة والمعلومات فحسب، بل تساعده في المقام الأول على فهم ذاته وفهم الآخرين. بالنسبة لها، القراءة أداة توسع آفاق التفكير، وتمنح الإنسان القدرة على اتخاذ قرارات أكثر وعياً ونضجاً في حياته. لذلك فقد ظلت تروج لهذه الفلسفة بحماس عبر برامجها التلفزيونية ومنصاتها الرقمية. كما غرست في نفوس متابعيها أن القراءة هي رحلة في أعماق الذات.
ويؤكد مراقبون أن تأثير أوبرا تجاوز حدود الإعلام التقليدي، إذ أسهمت بشكل مباشر في إحياء سوق النشر الأمريكي، ودعمت عشرات الكتّاب المغمورين، وأعادت الاعتبار للكتاب الورقي في عصر طغت فيه الوسائل الرقمية والترفيه السريع على حياة الناس. وتبقى تجربة أوبرا وينفري نموذجاً حياً على أن الكتاب يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو النجاح الباهر. كما أن القراءة ليست وسيلة لاكتساب المعلومات فحسب، بل هي أداة لصناعة الشخصية، وتوسيع الرؤية، وبناء مستقبل أكثر وعياً وإلهاماً لكل فرد.


