جوهانسبرج – يظل الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا واحداً من أبرز الرموز السياسية في التاريخ الحديث. فقد نجح في قيادة بلاده نحو إنهاء نظام الفصل العنصري عبر مسار استثنائي جمع بين الصمود السياسي والمصالحة الوطنية. ولم يكن نضال مانديلا معزولاً عن محيطه القاري. إذ استلهم في بعض مراحله تجارب قادة التحرر الوطني، وعلى رأسهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
تجربة عبد الناصر: نموذج التحرر والهوية
خلال مسيرته النضالية، تأثر مانديلا بحركات التحرر الوطني في أفريقيا والعالم العربي. وكان ينظر إلى تجربة “الناصرية” باعتبارها نموذجاً ملهماً للتحرر من الهيمنة الاستعمارية وبناء الهوية الوطنية المستقلة. ولعبت مصر في عهد عبد الناصر دوراً محورياً في دعم “المؤتمر الوطني الأفريقي”. فقد كانت القاهرة الملاذ والداعم الأول للحركات المناهضة لسياسات التمييز العنصري (الأبارتهايد). وهذا ما وثقه مانديلا في مذكراته حول زيارته التاريخية لمصر وطلبه الدعم العسكري والسياسي.
من القيد إلى رئاسة الدولة
عقب سنوات طويلة خلف القضبان تجاوزت 27 عاماً، خرج مانديلا في عام 1990 ليختار طريقاً غير متوقع: “التفاوض والمصالحة بدلاً من الانتقام”. وقاد عملية انتقال سياسي تاريخية. وقد تُوجت هذه العملية بإجراء أول انتخابات ديمقراطية متعددة الأعراق عام 1994. حيث أصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، مكرساً نموذجاً سياسياً فريداً يقوم على التعددية والمشاركة.
المصالحة كبديل للحرب الأهلية
يرى المؤرخون أن عبقرية مانديلا لم تكمن فقط في إسقاط نظام التمييز. بل ظهرت أيضاً في تجنيب البلاد حرباً أهلية مدمرة. وعبر تأسيس “لجان الحقيقة والمصالحة”، نجح في ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية. وقد أكد أن بناء الدولة الجديدة لا يقوم على الثأر بل على التعايش والوحدة الوطنية. وبذلك، تحول مانديلا من سجين سياسي إلى ملهم عالمي. فهو جسّد حلم القارة في الحرية التي نادى بها رفاق دربه من القادة الأفارقة والعرب.


