- تقدم الحوثيين في اليمن.. من المخا إلى قلب باب المندب
- باب المندب بعد تقدم الحوثيين.. لماذا أصبحت ميون نقطة التحول؟
- الحوثيون لا يحتاجون إلى إغلاق باب المندب
- من باب المندب إلى قناة السويس.. كيف تنتقل الأزمة؟
- قناة السويس أمام معادلة جديدة
- السعودية.. لماذا أصبحت المخاوف أكثر مباشرة؟
- «الطريق البديل» يتحول إلى مشكلة جديدة
- هرمز وباب المندب.. مضيقان في معركة واحدة
- ماذا تغير في استراتيجية الحوثيين؟
- إيران وباب المندب.. قيمة استراتيجية تتجاوز اليمن
- هل يستطيع الحوثيون الاحتفاظ بالمكاسب؟
- التأثير على التجارة العالمية.. لماذا يدفع العالم ثمن معركة محلية؟
- الخطر الأكبر ليس إغلاق باب المندب
- من جزيرة صغيرة إلى قناة السويس
- الحوثيون لا يحتاجون إلى إغلاق الباب
أبو ظبى ، الامارات – لم يعد التقدم الحوثي الأخير في اليمن مجرد تحول جديد في خريطة الحرب الداخلية؛ فالوصول إلى مدينة المخا ثم ذُباب، والسيطرة على جزيرة ميون الواقعة في قلب مضيق باب المندب، نقل المعركة إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في شبكة التجارة والطاقة العالمية. السؤال الأهم لم يعد ما إذا كان الحوثيون قادرين على إغلاق باب المندب بالكامل، وإنما ما إذا كانوا يحتاجون إلى ذلك أصلًا. فالتجربة التي بدأت منذ 2023 أظهرت أن مجرد رفع مستوى المخاطر أمام السفن يمكن أن يدفع شركات النقل إلى تغيير المسارات، وتحويل أزمة أمنية محلية إلى تكلفة عالمية تمتد من البحر الأحمر إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية والآسيوية.
تقدم الحوثيين في اليمن.. من المخا إلى قلب باب المندب
بدأ التحول الميداني الأبرز بالسيطرة الحوثية على مدينة المخا الساحلية، قبل التقدم جنوبًا باتجاه ذُباب، المنطقة المطلة مباشرة على باب المندب، ثم الوصول إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، والتي تقع داخل المضيق وتقسم ممره البحري إلى مسارين. وأكدت مصادر حكومية يمنية لرويترز انسحاب القوات الحكومية من ميون ووصول الحوثيين إليها، بينما أكدت وكالة أسوشيتد برس أن السيطرة على المخا وميون وضعت الجماعة عند قلب نقطة اختناق بحرية رئيسية للاقتصاد العالمي. وتشير تقارير دولية أخرى إلى تقدم الحوثيين في جزر ومناطق ساحلية إضافية، لكن تفاصيل السيطرة على بعض الجزر لا تزال محل اختلاف بين المصادر، لذلك يبقى المؤكد ميدانيًا هو وصول الجماعة إلى ميون وذُباب والسيطرة على المخا.
باب المندب بعد تقدم الحوثيين.. لماذا أصبحت ميون نقطة التحول؟
تكمن أهمية ميون في موقعها، وليس في مساحتها ، فالجزيرة تقع في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، بالقرب من أضيق منطقة في باب المندب، ما يمنح السيطرة عليها قيمة عسكرية وجغرافية تتجاوز حجمها بكثير. ولهذا فإن انتقال الحوثيين من الساحل إلى الجزيرة يغير طبيعة المعادلة: فالجماعة لم تعد تعتمد فقط على وسائل بعيدة المدى لتهديد السفن، وإنما باتت موجودة على الأرض وفي محيط الممر البحري نفسه. ولا يعني ذلك أن الحوثيين أصبحوا يملكون باب المندب بالكامل بالمعنى القانوني أو أنهم يستطيعون إغلاقه متى أرادوا؛ فالمضيق ممر دولي وله ضفتان، كما أن الحركة البحرية لا تتوقف تلقائيًا بمجرد السيطرة على جزيرة ، لكن السيطرة على مواقع مطلة على المضيق تمنح الجماعة قدرة أكبر على التهديد والضغط ورفع تكلفة المرور.
الحوثيون لا يحتاجون إلى إغلاق باب المندب
هنا تكمن المفارقة الأساسية في الأزمة ، في عالم النقل البحري، لا يشترط إغلاق الممر بالكامل لإحداث تأثير اقتصادي كبير. يكفي أن تصبح المخاطر الأمنية مرتفعة بما يكفي لتدفع شركات الملاحة إلى إعادة تقييم الرحلة. وهذا ما حدث بالفعل خلال موجة هجمات البحر الأحمر السابقة؛ إذ أدى تراجع الثقة بأمن الطريق إلى تحويل جزء كبير من حركة السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح، وهو أطول وأكثر تكلفة وأظهرت دراسة لصندوق النقد الدولي أن حجم التجارة المارة بقناة السويس انخفض بنحو 50% على أساس سنوي خلال أول شهرين من 2024، بينما ارتفعت حركة التجارة حول رأس الرجاء الصالح بنحو 74%. كما زاد متوسط زمن التسليم بأكثر من عشرة أيام بالنسبة لعدد من الشحنات ، وبذلك يصبح السلاح الحقيقي في باب المندب ليس فقط الصاروخ أو المسيّرة، وإنما قرار شركة الشحن بعدم المرور.
من باب المندب إلى قناة السويس.. كيف تنتقل الأزمة؟
يبدأ التأثير من السفينة، لكنه لا ينتهي عند البحر ، عندما تتجنب ناقلة أو سفينة حاويات باب المندب، فإنها تحتاج إلى مسار بديل. وفي حالة الرحلات بين آسيا وأوروبا، يعني ذلك غالبًا الدوران حول رأس الرجاء الصالح بدل المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس. والنتيجة هي زيادة المسافة ومدة الرحلة واستهلاك الوقود وتكاليف الطواقم والتأمين واستئجار السفن. وقد وثق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سابقًا أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر لا يقتصر على شركات الشحن، وإنما يمتد إلى التجارة الإقليمية وسلاسل الإمداد والنشاط الاقتصادي في أوروبا والشرق الأوسط. وهنا تصبح قناة السويس جزءًا مباشرًا من المعادلة الحوثية، حتى لو لم تطلق الجماعة طلقة واحدة باتجاه القناة نفسها.
قناة السويس أمام معادلة جديدة
تكمن حساسية الوضع بالنسبة لمصر في أن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم قناة السويس والبحر المتوسط. وبالتالي فإن أي اضطراب مستمر في باب المندب يمكن أن يقلل جاذبية المسار عبر قناة السويس بالنسبة لبعض خطوط الملاحة، حتى لو ظلت القناة نفسها مفتوحة وآمنة. وقد أثبتت أزمة 2024 أن هذا الاحتمال ليس نظريًا. فحين انخفضت حركة المرور في البحر الأحمر، اتجهت شركات إلى رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى إطالة الرحلات ورفع تكاليفها، مع انعكاسات على التجارة العالمية. وتشير دراسة البنك الدولي إلى أن استمرار أزمة البحر الأحمر كان من شأنه إضعاف نمو التجارة البحرية في دول المنطقة والاتحاد الأوروبي، بينما كان إنهاء الأزمة سيحقق مكاسب واضحة في حركة الواردات والصادرات البحرية.
السعودية.. لماذا أصبحت المخاوف أكثر مباشرة؟
التطور الحوثي الأخير يتزامن مع أزمة أوسع في طرق تصدير النفط من الخليج ، فبعد اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، اعتمدت السعودية بدرجة أكبر على المسار الغربي لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، وهو ما جعل باب المندب منفذًا بديلًا ذا قيمة استراتيجية ، لكن تقدم الحوثيين باتجاه المضيق يضعف هذا البديل.
وتقول وكالة أسوشيتد برس إن صادرات النفط السعودية المحملة عبر البحر الأحمر انخفضت في أغسطس من نحو 3.8 مليون برميل يوميًا إلى 2.2 مليون برميل يوميًا، وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة، بينما نقلت رويترز أن خط الأنابيب السعودي شرق–غرب كان ينقل خلال الأشهر الأخيرة نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5% من الإمدادات العالمية، قبل تعرضه لهجوم أدى إلى إغلاق مؤقت. وهكذا تتقاطع نقطتا الاختناق: هرمز في الشرق وباب المندب في الجنوب الغربي.
«الطريق البديل» يتحول إلى مشكلة جديدة
كانت السعودية قد استخدمت البنية التحتية التي تنقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر كوسيلة لتجاوز مضيق هرمز والوصول إلى الأسواق الآسيوية ، لكن عندما تصبح الملاحة في باب المندب أكثر خطورة، فإن البديل نفسه يصبح معرضًا للخطر. وتكشف بيانات النقل التي أوردتها AP عن حجم المفارقة: بعض النفط السعودي الذي كان يمكن أن يخرج من البحر الأحمر باتجاه آسيا أصبح مضطرًا إلى اتخاذ مسارات أطول، بينما قد تتجاوز رحلة بعض الشحنات إلى كوريا الجنوبية عبر المسار البديل 54 يومًا بدلًا من نحو 24 يومًا. وهنا تتحول الجغرافيا إلى تكلفة مالية مباشرة.
هرمز وباب المندب.. مضيقان في معركة واحدة
أخطر ما في التطور الأخير أنه لا يحدث في فراغ ، مضيق هرمز يشكل منفذًا رئيسيًا لصادرات الطاقة من الخليج، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق الأقصر بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وعندما تتعرض النقطتان للاضطراب في الوقت نفسه، تصبح الشركات والحكومات أمام معادلة مختلفة تمامًا: ليس هناك طريق واحد بديل يمكنه ببساطة استيعاب كل التدفقات التي كانت تمر عبر المسارين. ولهذا ربطت تقارير دولية بين التقدم الحوثي في باب المندب والضغوط الأوسع على أسواق النفط، في وقت تجاوزت فيه أسعار الخام مستوى 100 دولار للبرميل خلال موجة التصعيد الحالية.
ماذا تغير في استراتيجية الحوثيين؟
التطور الأهم ليس السيطرة على مدينة بعينها، وإنما الانتقال من تهديد الملاحة من البر إلى الاقتراب من الجغرافيا التي تتحكم في الملاحة ، وهذا يمنح الحوثيين ورقة تفاوض وضغط أكبر. فحتى إذا لم يتم إغلاق باب المندب، فإن مجرد احتمال توسع التهديد قد يدفع شركات الشحن والتأمين إلى التعامل مع المنطقة باعتبارها عالية المخاطر. وتشير AP إلى أن حركة المرور عبر البحر الأحمر لا تزال أقل بنحو 60% من مستويات ما قبل موجة الهجمات التي بدأت في أواخر 2023، وهو ما يوضح أن أثر التهديد يمكن أن يستمر حتى عندما لا يكون الممر مغلقًا رسميًا.
إيران وباب المندب.. قيمة استراتيجية تتجاوز اليمن
التقدم الحوثي يمنح إيران، التي ترتبط بالجماعة سياسيًا وعسكريًا وفق مصادر دولية بينما تنفي طهران توجيهها المباشر، ورقة إضافية في صراع أوسع على طرق الطاقة. رويترز أفادت بأن مصادر قالت إن الحرس الثوري الإيراني قدم توجيهًا مباشرًا للتقدم الحوثي الأخير، كما تحدثت مصادر عن زيادة الدعم والتمويل والسلاح، بينما تنفي إيران أن تكون الجماعة وكيلًا لها. وفي حال تمكن الحوثيون من تثبيت مواقعهم الجديدة، فإن قيمة باب المندب في الحسابات الإيرانية لن تكون مرتبطة باليمن فقط، وإنما بالقدرة على الضغط على طريق بديل عن هرمز. وهنا تظهر قيمة الموقع: مضيقان في طرفي شبه الجزيرة العربية يمكن أن يؤثرا في الحركة نفسها، وهي حركة الطاقة والتجارة بين الخليج والأسواق العالمية.
هل يستطيع الحوثيون الاحتفاظ بالمكاسب؟
السيطرة السريعة شيء، وتحويلها إلى واقع عسكري دائم شيء آخر ، القوات الحكومية اليمنية أعلنت أنها تسعى إلى استعادة المناطق التي خسرتها، بينما قالت رويترز إن القوات المدعومة سعوديًا تستعد لهجوم مضاد لاستعادة المخا والمناطق والجزر التي فقدتها ، لذلك فإن المعركة المقبلة قد لا تكون حول الوصول إلى باب المندب، بل حول القدرة على تثبيت الوجود فيه. وكلما طال بقاء الحوثيين في المواقع الساحلية والجزرية، ارتفعت قيمة السيطرة بالنسبة لهم وتحولت من مكسب عملياتي سريع إلى ورقة استراتيجية يصعب تجاهلها.
التأثير على التجارة العالمية.. لماذا يدفع العالم ثمن معركة محلية؟
البنك الدولي خلص في دراسته لأزمة البحر الأحمر إلى أن استمرار الاضطراب ينعكس على التجارة في دول المنطقة والاتحاد الأوروبي، بينما أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن شركات النقل اضطرت بالفعل إلى إعادة رسم طرقها خلال الأزمة السابقة. وتعمل هذه الآلية على عدة مراحل: تهديد أمني → ارتفاع مخاطر التأمين → تغيير مسار السفن → زيادة زمن الرحلة → ارتفاع تكلفة الوقود والشحن → ارتفاع أسعار السلع والطاقة. ولهذا فإن تأثير السيطرة على نقطة جغرافية صغيرة في اليمن يمكن أن يظهر في مؤشرات اقتصادية بعيدة آلاف الكيلومترات.
الخطر الأكبر ليس إغلاق باب المندب
المفارقة أن السيناريو الأخطر قد لا يكون إعلان إغلاق المضيق ، فالقرار الرسمي بالإغلاق قد يستدعي ردًا عسكريًا دوليًا مباشرًا وواضحًا، بينما يظل الوضع الرمادي أكثر تعقيدًا: مرور جزئي، تهديد سفن محددة، ارتفاع التأمين، تحذيرات أمنية، وتحويل تدريجي للمسارات. في هذه الحالة يمكن أن يستمر الضغط على التجارة دون أن يكون هناك “حصار” معلن. وهذه تحديدًا هي قوة الجغرافيا التي اكتسبها الحوثيون بعد الوصول إلى ميون وذُباب والمخا.
من جزيرة صغيرة إلى قناة السويس
في النهاية، لا تكمن أهمية ميون في الجزيرة نفسها، وإنما في موقعها داخل شبكة أكبر. ميون → باب المندب → البحر الأحمر → قناة السويس → المتوسط → أوروبا. كل حلقة في هذه السلسلة تعتمد على سلامة الحلقة التي تسبقها. ولهذا فإن السيطرة الحوثية على مواقع جديدة في جنوب البحر الأحمر لا تعني تلقائيًا أن قناة السويس أصبحت تحت تهديد عسكري مباشر، لكنها تعني أن البيئة الأمنية للطريق المؤدي إليها أصبحت أكثر هشاشة. وقد أثبتت أزمة الملاحة السابقة أن هذه الهشاشة وحدها قادرة على تغيير مسارات السفن والتجارة العالمية.
الحوثيون لا يحتاجون إلى إغلاق الباب
المعادلة الجديدة في اليمن ليست بالضرورة أن الحوثيين يريدون إغلاق باب المندب ، الأكثر أهمية أنهم أصبحوا في موقع يسمح لهم بمحاولة رفع تكلفة المرور عبره ، وهذا فرق استراتيجي كبير. فإذا نجح الحوثيون في تثبيت وجودهم حول المخا وذُباب وميون، واستمر التهديد للملاحة، فقد تتحول السيطرة على هذه النقاط إلى ما يشبه صمام ضغط على أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا وعندها لن تكون المعركة محصورة في اليمن. ستمتد آثارها إلى باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس وأسواق النفط والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد العالمية. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد التقدم الحوثي الأخير ليس: هل يستطيع الحوثيون إغلاق باب المندب؟ بل: هل يستطيعون جعل العالم يتصرف وكأنه مغلق؟



