أبو ظبى ، الامارات – بين تقارير عن تحذير باكستان لإيران بسبب هجمات الحوثيين على السعودية، ونفي إسلام آباد مناقشة أي رد عسكري حاليًا، يظهر اختبار مبكر لاتفاق مكة الدفاعي الذي جمع السعودية وباكستان وتركيا. بينما تتحول جبهة البحر الأحمر إلى امتداد جديد للصراع الإيراني. لم تعد هجمات الحوثيين على السعودية مجرد جبهة مرتبطة بالحرب في اليمن. فمع تصاعد الضربات على مدن ومنشآت طاقة سعودية، باتت الأزمة تختبر حدود الدور الباكستاني في المنطقة. خصوصًا بعد توقيع اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية وتركيا.
وفي أحدث موقف رسمي، قالت وزارة الخارجية الباكستانية إن إسلام آباد لم تناقش في الوقت الراهن أي رد عسكري بموجب اتفاق مكة. لكنها أكدت أن باكستان ستتحرك «عندما يحين الوقت». ويأتي ذلك بعدما نشرت رويترز تقريرًا عن تحذير باكستان لإيران من تصعيد هجمات حلفائها الحوثيين على السعودية.
لماذا تنفي باكستان بحث الرد العسكري؟
النفي الباكستاني لا يعني أن الهجمات الحوثية خرجت من الحسابات الأمنية لإسلام آباد. فقد أكدت باكستان إدانتها للهجمات على السعودية، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على دورها كوسيط بين إيران والولايات المتحدة. وتكشف هذه المعادلة عن سياسة دقيقة: التزام أمني تجاه السعودية، مع تجنب الدخول المباشر في مواجهة مع إيران. لذلك يبدو أن إسلام آباد تريد إبقاء اتفاق مكة أداة ردع، لا تحويله سريعًا إلى آلية حرب.
اتفاق مكة يدخل الاختبار
ينص اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع. ومع وصول هجمات الحوثيين إلى المدن والمنشآت الحيوية السعودية، تزداد أهمية السؤال حول الحدود التي يمكن عندها اعتبار التصعيد تهديدًا يستدعي تفعيل الاتفاق. لكن التصريحات الباكستانية الحالية تشير إلى أن إسلام آباد لا ترى أن تلك اللحظة قد حانت بعد. وهذا يضع الاتفاق أمام اختبار سياسي قبل أن يكون اختبارًا عسكريًا.
إيران والحوثيون.. هل تملك طهران مفتاح التصعيد؟
المطالبة الإيرانية بكبح الحوثيين تفترض أن طهران تستطيع التحكم الكامل في قرارات الجماعة اليمنية، لكن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيدًا. تقدم إيران للحوثيين دعمًا عسكريًا وتقنيًا مهمًا. بينما يحتفظ الحوثيون بأجندتهم الخاصة المرتبطة بالحرب اليمنية وحساباتهم الإقليمية. ولذلك فإن قدرة طهران على التأثير في الجماعة لا تعني بالضرورة امتلاكها قرارًا مباشرًا بكل هجوم ، وهنا تتحول الرسالة الموجهة إلى إيران من مطالبة بوقف الهجمات إلى اختبار حقيقي لمدى نفوذها على الحوثيين.
البحر الأحمر يغيّر الحسابات
التصعيد الحوثي لا يهدد السعودية وحدها، بل يضغط على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتزامن تصاعد هجمات الحوثيين مع اضطرابات أوسع في المنطقة، بما في ذلك التوتر حول مضيق هرمز. هذا الوضع يرفع مخاطر انتقال الأزمة من صراع إقليمي إلى أزمة تمس حركة الطاقة والتجارة العالمية. وحذرت تقارير دولية من أن الجمع بين اضطراب باب المندب ومضيق هرمز يمكن أن يضاعف الضغوط على أسواق النفط والشحن. وتزداد أهمية باب المندب مع التطورات الأخيرة في الساحل الغربي لليمن. حيث أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الحوثيين دخلوا مدينة المخا الاستراتيجية، وهو تطور قد يقربهم من طرق الملاحة المرتبطة بالبحر الأحمر إذا تأكدت السيطرة الميدانية.
السعودية أمام جبهة مختلفة
تواجه الرياض معادلة أمنية جديدة: هجمات صاروخية ومسيرة من الجنوب، وضغوط على منشآت الطاقة، وتهديدات مرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر. وتشير رويترز إلى أن هجمات الحوثيين الأخيرة كانت من أخطر موجات التصعيد ضد السعودية منذ هدنة 2022. بينما انعكست المخاوف سريعًا على أسواق النفط، مع اقتراب خام برنت من حاجز 100 دولار للبرميل. وهذا يجعل أي توسع في الهجمات على منشآت الطاقة السعودية أكثر من مجرد تطور عسكري؛ فهو قد يتحول إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد العالمي.
باكستان لا تريد حربًا مع إيران
تدرك إسلام آباد أن الدخول العسكري المباشر في اليمن يحمل تكلفة استراتيجية كبيرة. فباكستان تجمعها حدود وعلاقات أمنية مع إيران، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقة دفاعية متنامية مع السعودية وتركيا. كما أن إسلام آباد تحاول الحفاظ على دور دبلوماسي في الأزمة الإيرانية الأمريكية. ولذلك فإن انتقالها إلى مواجهة مباشرة مع جماعة مدعومة من إيران يمكن أن ينسف مساحة الوساطة التي تحاول الاحتفاظ بها. ومن هنا يمكن تفسير الموقف الباكستاني باعتباره سياسة ردع محسوبة: تأكيد الالتزام بالسعودية، مع إبقاء قرار التدخل العسكري مؤجلًا.
ثلاثة مسارات أمام اتفاق مكة
المسار الأول هو احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية، بحيث تستمر باكستان في الضغط السياسي على إيران دون الانتقال إلى مواجهة عسكرية. المسار الثاني يتمثل في استمرار الرسائل غير المباشرة بين إسلام آباد وطهران، مع استخدام اتفاق مكة كورقة ردع لمنع توسع الهجمات الحوثية. أما المسار الثالث فيبدأ إذا تحولت الهجمات إلى حملة مستمرة ضد منشآت الطاقة أو المدن السعودية. عندها قد يصبح الضغط على باكستان وتركيا أكبر لتحديد كيفية تطبيق اتفاق الدفاع المشترك.
المعركة المقبلة قد تكون على النفوذ
القضية لم تعد فقط: هل حذرت باكستان إيران أم لم تحذرها؟ السؤال الأهم هو: هل تستطيع طهران منع الحوثيين من تحويل السعودية والبحر الأحمر إلى جبهة مفتوحة، أم أن نفوذها على الجماعة له حدود؟ إذا نجحت الضغوط الدبلوماسية في احتواء الهجمات، فقد يبقى اتفاق مكة أداة ردع دون استخدام عسكري. أما إذا استمر التصعيد واتسع نطاق استهداف السعودية، فقد يصبح الاتفاق أمام أول اختبار فعلي لقدرته على تحويل التحالف السياسي إلى مظلة أمنية.
وبينما تنفي إسلام آباد وجود رد عسكري قيد البحث حاليًا، فإن عبارتها بأن باكستان «ستتحرك عندما يحين الوقت» تترك الباب مفتوحًا أمام تطور مختلف إذا تغيرت طبيعة الهجمات. وهنا تكمن أهمية الأزمة: الحوثيون لا يختبرون الدفاعات السعودية فقط، بل يختبرون أيضًا حدود النفوذ الإيراني، وصلابة اتفاق مكة، وقدرة باكستان على البقاء وسيطًا دون أن تصبح طرفًا في الحرب.



