أبو ظبى ، الامارات – في غرب تعز، لم تعد المعركة تدور فقط حول السيطرة على موقع عسكري أو قرية. خلال الأيام الأخيرة، اتسعت المواجهات في مقبنة والكدحة والبرح وجبل حبشي. كما تزامن ذلك مع هجمات صاروخية ومسيّرات طالت الساحل الغربي ومحيط المخا. وبين الجبهة الجبلية والمدينة الساحلية يظهر هدف أكثر أهمية: الطريق الذي يربط تعز بالبحر الأحمر.
هجوم متعدد المحاور يغيّر شكل المعركة
شهدت الجبهات الغربية لمحافظة تعز تصعيدًا واسعًا منذ 3 سبتمبر، مع مواجهات في البرح بمديرية مقبنة والكدحة. تزامن ذلك مع تحركات عسكرية في مناطق أخرى من غرب المحافظة. وقالت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» إن القوات الحكومية والقوات المشتركة دفعت بتعزيزات إلى جبهات الكدحة ومقبنة والبرح. كما أعلنت تنفيذ هجوم مضاد بعد تحركات حوثية. فيما تحدثت عن إسقاط ثلاث مسيّرات حوثية فوق مناطق في مديرية جبل حبشي. في المقابل، تحدثت تقارير دولية عن محاولة حوثية للضغط على الطريق الرابط بين تعز والمخا. هذا يضيف بُعدًا مختلفًا إلى التصعيد. فالمعركة هنا لا تتعلق فقط بالسيطرة على الأرض، وإنما بإمكانية التأثير في أحد أهم خطوط الحركة بين الداخل والساحل.
لماذا المخا هي الحلقة الأهم؟
تقع المخا على ساحل البحر الأحمر في محافظة تعز، وتمنح السيطرة على محيطها أهمية تتجاوز حدود المدينة نفسها بسبب اتصالها بالساحل الغربي وقربها من باب المندب. ولهذا لم يكن استهداف المخا تطورًا منفصلًا عن جبهة تعز خلال الأسابيع الماضية. ففي 9 أغسطس، قالت القوات المشتركة إن هجومًا حوثيًا واسعًا استهدف مدينة وميناء المخا بالصواريخ الباليستية والمسيّرات وزورق مفخخ. أدى ذلك إلى أضرار في منشآت الميناء.
وفي 26 أغسطس، أعلنت «سبأ» أن ثلاثة صواريخ باليستية أصابت ميناء المخا. بينما سقط صاروخ رابع في مدينة الخوخة بمحافظة الحديدة، في هجوم قالت السلطات اليمنية إنه انطلق من مناطق خاضعة للحوثيين شرق تعز. ثم جاء تصعيد 3 سبتمبر ليجمع بين الجبهة البرية غرب تعز والهجمات الصاروخية والمسيّرات على مناطق الساحل الغربي. إذ تحدثت «سبأ» عن إطلاق نحو 14 صاروخًا باليستيًا باتجاه مناطق في المخا والخوخة ومناطق أخرى على الساحل. هذا التزامن هو أهم ما يميز الجولة الحالية.
الطريق أهم من المدينة؟
إذا كانت المخا هي نقطة اتصال تعز بالبحر، فإن الطريق المؤدي إليها يتحول إلى عنصر استراتيجي في أي محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى غرب المحافظة. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الضغط الحوثي يجري في مناطق تقع بين المرتفعات الداخلية والساحل، من مقبنة والكدحة باتجاه نطاق المخا. وتصف تقارير دولية غرب تعز بأنه منطقة تربط المرتفعات الداخلية بالساحل المطل على البحر الأحمر، بما في ذلك المخا.
ومن هنا، فإن تعطيل الطريق لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال مدينة تعز أو السيطرة الكاملة على المخا. يكفي أن تصبح حركة القوات والإمدادات والمركبات أكثر صعوبة أو كلفة، حتى يتحول الخط الحيوي إلى نقطة ضغط عسكرية. وهذه هي المفارقة التي تمنح المعركة الحالية أهميتها: يمكن الضغط على تعز من خارج مركزها، عبر خنق منافذها بدلًا من اقتحامها.
من الجبل إلى البحر الأحمر
المشهد يصبح أكثر وضوحًا عند وضع جبهات تعز على خريطة واحدة مع المخا والساحل الغربي. في الجبال، تدور المواجهات في مقبنة والكدحة والبرح ومحيط جبل حبشي. وفي الساحل، تعرضت المخا خلال أغسطس لهجمات صاروخية ومسيّرات. بينما شهد 3 سبتمبر تصعيدًا جديدًا بالصواريخ والمسيّرات.
وفي حال استمرار هذا النمط، تصبح الجبهة الغربية لتـعز أقرب إلى ممر عمليات متصل يبدأ من المرتفعات وينتهي عند البحر، بدل كونها مجموعة جبهات منفصلة. ولا يعني ذلك أن الحوثيين يملكون بالضرورة خطة معلنة للسيطرة على المخا أو قطع الطريق بشكل دائم. فلا توجد في المصادر المتاحة حتى الآن أدلة كافية لإثبات مثل هذا الهدف النهائي. لكن تزامن التحركات البرية والهجمات على الساحل يجعل الطريق بين تعز والمخا أحد أهم مفاتيح قراءة التصعيد الحالي.
معركة عسكرية بتكلفة إنسانية
التصعيد لا يحدث في فراغ. تعز تدخل هذه الجولة الجديدة وهي تعاني أصلًا من آثار سنوات طويلة من الحرب والنزوح وتدهور الخدمات. وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن سيحتاجون إلى مساعدات وحماية إنسانية خلال 2026، بينهم ملايين النازحين. بينما تظل تعز من المحافظات المتأثرة بالنزوح وتدهور البنية الأساسية.
وفي الأيام الأخيرة، تحدثت «سبأ» عن موجة نزوح من قرى في مقبنة والكدحة، إضافة إلى نزوح سكان المخيمات، بالتزامن مع القصف المدفعي. كما أعلنت عن استهداف مدرسة في مديرية الوازعية بصاروخ دون وقوع ضحايا، مع تسجيل أضرار في المبنى. وتكتسب الطرق هنا أهمية إنسانية إلى جانب قيمتها العسكرية؛ فإغلاق أو تعطيل خطوط الحركة لا يؤثر فقط في الإمدادات العسكرية. وإنما يمكن أن يعرقل وصول السكان إلى الأسواق والخدمات والمرافق الصحية، في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة شديدة.
ماذا يعني التصعيد للمعركة المقبلة؟
المؤشر الأهم في الجولة الحالية ليس عدد المواقع التي يمكن أن يعلن أي طرف السيطرة عليها. وإنما قدرة كل طرف على إبقاء الطريق بين تعز والساحل مفتوحًا وآمنًا. فإذا تمكنت القوات الحكومية والقوات المشتركة من تثبيت خطوطها في مقبنة والكدحة والبرح ومنع انتقال الضغط باتجاه المخا، فقد يبقى التصعيد محصورًا في نطاقه الحالي.
أما إذا استمر الضغط الحوثي على الجبهات الغربية بالتزامن مع استهداف المخا والساحل، فقد تتحول المنطقة إلى جبهة مترابطة هدفها التأثير في حركة القوات والإمدادات بين تعز والبحر الأحمر. وهنا تصبح معركة تعز أكبر من سؤال السيطرة على المدينة. إنها معركة على الطريق الذي يصل الجبل بالبحر.


