أبو ظبى ، الامارات – لم تكن الصفقة التي أخرجت خمسة لبنانيين من الاحتجاز الإسرائيلي مجرد عملية إفراج عن أسرى. فالمقابل هذه المرة لم يكن إسرائيليين محتجزين لدى لبنان، وإنما مساعدة لبنانية في البحث عن رفات يهود لبنانيين اختفوا خلال الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن الماضي. وبينما جرى الإفراج عن أول لبناني، مالك غازي، في 3 سبتمبر، نُقل أربعة آخرون إلى لبنان عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في اليوم التالي.
المعادلة الجديدة تفتح باباً مختلفاً في المفاوضات بين بيروت وتل أبيب: هل أصبح ملف المفقودين والرفات جزءاً من أدوات بناء الثقة والتفاوض على ملفات الحاضر؟ وإذا كانت خمسة ملفات إنسانية قد أنتجت خطوة إسرائيلية محدودة، فالسؤال الأكبر هو ما إذا كان هذا المسار يمكن أن يتحول إلى آلية تفاوضية أوسع. هذه الآلية قد تشمل بقية الأسرى والانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.
من «تبادل الأسرى» إلى «تبادل الملفات»
اللافت في الاتفاق أن إسرائيل لم تحصل على أسرى إسرائيليين في المقابل. ووفق ما أعلنته تل أبيب، وافقت على الإفراج عن خمسة لبنانيين مدنيين بعدما ساعد لبنان في جهود البحث عن جثامين قادة من الجالية اليهودية اللبنانية. وقالت إسرائيل إنهم اختُطفوا وقُتلوا على يد جماعات مسلحة خلال الحرب الأهلية.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها سهّلت نقل خمسة أشخاص محتجزين من إسرائيل إلى لبنان، فيما أشارت إلى أن عائلات لبنانية ما زالت تنتظر معلومات عن مصير أشخاص قد يكونون محتجزين أو متوفين أو مفقودين. كما دعت إلى السماح لها بالوصول إلى بقية المحتجزين اللبنانيين لدى إسرائيل، بعدما انقطع وصولها إليهم منذ أكتوبر 2023. هنا تتغير طبيعة المعادلة: أسير حي في مقابل معلومة عن مفقود، أو ملف إنساني في مقابل خطوة سياسية. وهذه ليست صفقة تبادل تقليدية، بل نموذج يمكن أن يوسّع مساحة التفاوض. عندما تكون الملفات الأكثر صعوبة غير قابلة للحسم دفعة واحدة، يمكن لهذه النماذج أن تفتح فرصاً جديدة.
لماذا عادت «يهود لبنان» إلى طاولة المفاوضات؟
الملف يعود إلى مرحلة شديدة التعقيد من الحرب الأهلية اللبنانية. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل طرحت مسألة مصير عدد من اليهود اللبنانيين الذين اختفوا في ثمانينيات القرن الماضي، وربطت الإفراج عن محتجزين لبنانيين بجهود البحث عن رفاتهم. وتحدثت تقارير عن نحو 12 شخصاً من أبناء الجالية اليهودية اللبنانية يُبحث عن مصيرهم.
المفارقة أن الجالية اليهودية اللبنانية التي أصبحت اليوم شبه غائبة كانت في منتصف القرن العشرين مجتمعاً حاضراً في الحياة اللبنانية. ووفق وكالة أسوشيتد برس، تراوح عدد اليهود في لبنان خلال ستينيات القرن الماضي بين 15 ألفاً و22 ألفاً قبل أن تؤدي الحروب والهجرة والحرب الأهلية إلى انحسار وجودهم بصورة كبيرة. وبذلك، لا تعيد المفاوضات فتح ملف أشخاص مفقودين فقط، وإنما تستدعي جزءاً من ذاكرة لبنان التي ظلت عالقة منذ الحرب الأهلية. وهذا يمنح الملف قيمة تتجاوز عدد الرفات التي يجري البحث عنها. إنه اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع ملفات مفقودي الحرب، بغض النظر عن هويتهم وطائفتهم. كذلك، هو محاولة لتحويلها من ذاكرة مؤجلة إلى ملف تفاوضي قابل للمعالجة.
خمسة أسرى فقط.. وماذا عن البقية؟
رغم أهمية الإفراج الأخير، فإن العدد لا يقترب من حجم ملف المحتجزين اللبنانيين. وكانت مصادر لبنانية قد تحدثت في أغسطس عن توثيق 34 لبنانياً محتجزين لدى إسرائيل، إلى جانب عشرات الأشخاص الذين لا يزال مصيرهم غير محسوم بعد فقدان الاتصال بهم خلال الحرب.
ولهذا جاءت رسالة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أوسع من الاحتفاء بالإفراج عن الخمسة؛ إذ تعهد بمواصلة العمل من أجل الإفراج عن جميع الأسرى وكشف مصير المفقودين وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية. والفارق مهم: إذا كان الإفراج عن خمسة مدنيين قد تحقق عبر ملف الرفات، فإن تحويل الآلية نفسها إلى مسار للإفراج عن بقية المحتجزين سيحتاج إلى ملفات ومقايضات أكبر بكثير.
الرفات كـ«جسر» إلى الصفقة الأصعب
الإفراج عن الأسرى جاء في لحظة شديدة الحساسية من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية. فالولايات المتحدة لعبت دوراً مباشراً في الوساطة، ووصفت الخارجية الأميركية الخطوة بأنها نتيجة وساطة تقودها واشنطن بين الحكومتين. مع ذلك، هناك أمل في أن تكون أساساً لتوسيع النقاش حول قضايا مدنية أخرى.
وفي الخلفية توجد ملفات أثقل بكثير: الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، والترتيبات الأمنية، وسلاح حزب الله. وكانت بيروت وتل أبيب قد توصلتا في يونيو إلى إطار بوساطة أميركية يقوم على انسحاب إسرائيلي من مناطق في الجنوب مقابل ترتيبات مرتبطة بنزع سلاح حزب الله، لكن التنفيذ ظل متعثراً. ومن المنتظر أن تستمر المفاوضات في روما خلال سبتمبر. وهنا تظهر القيمة السياسية الحقيقية لصفقة الأسرى: قد لا تكون الرفات هي جوهر الصفقة، بل أول ملف يمكن للطرفين أن يختبرا عبره إمكانية تنفيذ تفاهمات محدودة. هذا يتم دون الدخول مباشرة في الملفات التي تهدد بإفشال التفاوض كله.
هل تبدأ «تجارة الملفات»؟
من المبكر القول إن إسرائيل ولبنان دخلا فعلاً في نظام جديد لـ«تبادل الملفات»، لكن التطور الأخير يقدم نموذجاً لافتاً: ملف من الماضي ساعد في تحريك ملف من الحاضر، ووساطة أميركية حوّلت القضية الإنسانية إلى خطوة ضمن مسار سياسي أوسع. وإذا استمر هذا النمط، فقد تصبح الملفات الإنسانية الصغيرة أدوات لفتح الأبواب المغلقة: المحتجزون، المفقودون، الرفات، الحدود، ثم الانسحاب والترتيبات الأمنية. لكن نجاح هذا المسار سيتوقف على سؤال أكثر صعوبة: هل تستطيع بيروت وتل أبيب تحويل الخطوات المحدودة إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ؟ أم أن كل ملف سيظل صفقة منفصلة لا تغيّر جوهر الصراع؟
في النهاية، تكمن المفارقة في أن خمسة أسرى خرجوا من السجون، لكن الذي حرّك الصفقة لم يكن أسيراً إسرائيلياً ينتظر العودة، بل موتى لبنانيون يهود ينتظرون أن يُكشف مكانهم منذ عقود. وبين الأحياء الذين ينتظرون الحرية، والمفقودين الذين تنتظر عائلاتهم الحقيقة، قد تكون «الرفات» قد أصبحت واحدة من أكثر الأوراق غرابة على طاولة المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.


