أبو ظبى ، الامارات – في 8 أيام فقط، انتقلت قضية عبد الرحمن يوسف القرضاوي من حكم بالسجن 10 سنوات وغرامة 200 ألف درهم إلى عفو رئاسي. وبين الحكم والعفو، تبرز منظومة دستورية تضع سيادة القانون في مسار. في السياق ذاته، تضع صلاحية العفو الرئاسي في مسار آخر.
الحكم أولًا.. والعفو مسار آخر
كانت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية – دائرة الجرائم الإلكترونية، قد أصدرت في 27 أغسطس 2026 حكمًا بإدانة عبد الرحمن يوسف القرضاوي عن الجرائم المسندة إليه. كما قررت معاقبته بالسجن لمدة 10 سنوات وتغريمه 200 ألف درهم. وفي 4 سبتمبر، صدر العفو الرئاسي عنه، وأُعلنت مباشرة الإجراءات اللازمة لتنفيذه. وتستند صلاحية العفو في النظام الدستوري الإماراتي إلى إطار واضح. إذ تنص المادة 107 من الدستور على حق رئيس الدولة في العفو عن تنفيذ الحكم الصادر من جهة قضائية اتحادية أو تخفيفه، وفق الإجراءات المنصوص عليها دستوريًا.
8 أيام.. الرقم الذي يلفت الانتباه
الفاصل الزمني بين الحكم والعفو لا يتجاوز 8 أيام، وهو ما يمنح القرار أهمية تتجاوز تفاصيل القضية نفسها. خصوصًا أن البيان الرسمي لم يذكر سببًا محددًا لتوقيت العفو أو دوافعه. وهنا تظهر نقطة أساسية: العفو لا يعني بالضرورة أن الحكم القضائي لم يكن قائمًا أو أن المحكمة تراجعت عن قرارها. وإنما يمثل مسارًا دستوريًا مستقلًا يتعلق بتنفيذ العقوبة أو تخفيفها. ويختلف ذلك عن العفو العام، الذي ينظمه القانون وفق المادة 109 من الدستور. كما يترتب عليه أثر قانوني مختلف يتعلق بالجريمة والعقوبة.
القرضاوي في سياق أوسع
قرار العفو يأتي ضمن ممارسة أوسع شهدت خلال السنوات الماضية قرارات رئاسية بالإفراج عن أعداد كبيرة من المحكوم عليهم. ففي نوفمبر 2025، صدر توجيه رئاسي بالإفراج عن 2937 نزيلًا من المؤسسات العقابية والإصلاحية، مع تغطية الغرامات المستحقة عليهم. بينما صدر في يونيو من العام نفسه قرار بالإفراج عن 963 نزيلًا بمناسبة عيد الأضحى. كما شهد نوفمبر 2023 عفوًا عن 1018 نزيلًا بمناسبة عيد الاتحاد، في إطار نهج رسمي يربط قرارات العفو بفتح المجال أمام بداية جديدة والعودة إلى الأسرة والمجتمع.
قوة القانون ومساحة التسامح
تكشف القضية عن معادلة تقوم على وجود مسارين متكاملين: القضاء يتولى الفصل في المسؤولية الجنائية وإصدار الأحكام. بينما يتيح الدستور لرئيس الدولة ممارسة صلاحية العفو عن تنفيذ الحكم أو تخفيفه وفق الضوابط الدستورية. بذلك، لا يصبح العفو بديلًا عن القضاء، ولا يصبح الحكم القضائي مانعًا من ممارسة صلاحية دستورية مستقلة. هذه المعادلة تمنح النظام القانوني الإماراتي مساحة تجمع بين حسم المسار القضائي وإمكانية استخدام صلاحية العفو في مرحلة لاحقة. علاوة على ذلك، هي صلاحية منصوص عليها في الدستور وليست إجراءً استثنائيًا خارج الإطار القانوني.
الرسالة الأبعد من القرار
بعيدًا عن تفاصيل قضية القرضاوي، يضع القرار الضوء على جانب مهم من التجربة الإماراتية: سيادة القانون لا تعني غياب مساحة الرأفة. كما أن ممارسة العفو لا تعني إلغاء دور القضاء. وفي حالة القرضاوي تحديدًا، فإن ما هو مؤكد رسميًا هو تسلسل واضح. صدر حكم قضائي في 27 أغسطس، ثم عفو رئاسي في 4 سبتمبر، مع بدء إجراءات التنفيذ.
