القاهرة ، مصر – من مقترح «المقايضة الكبرى» الذي طرحه حسن هيكل إلى سخرية علاء مبارك وبيان مجلس الوزراء، تحول الجدل حول الدين المحلي إلى سؤال أكبر: هل كل ما تملكه الدولة يمكن التعامل معه باعتباره «أصلًا» قابلًا للمقايضة؟ ، بدأ الجدل عندما طرح حسن هيكل تصورًا لنقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة إلى البنك المركزي مقابل نقل ما يعادل قيمتها من مديونية وزارة المالية. واستند إلى تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو». كما وضع هيكل ضمن تصوره شركات وأراضي، بل وقناة السويس. لاحقًا، وبعد ردود الفعل الواسعة، قال هيكل إن إدراج قناة السويس ليس شرطًا. وأضاف أنه يمكن بحث ملكيات أخرى. لكنه تمسك بفكرة المقايضة باعتبارها، من وجهة نظره، وسيلة للتعامل مع عبء الدين المحلي.
علاء مبارك يدخل على خط الجدل
وسط هذا الجدل، جاء تعليق ساخر من علاء مبارك، الذي رد على فبيع أصول الدولةكرة البحث عن أصول أخرى بالإشارة إلى «الأهرامات» كأصل صامد منذ آلاف السنين، منتقدًا التعامل مع أصول ذات قيمة سيادية أو تاريخية وكأنها مجرد بنود مالية. لكن خلف السخرية سؤال يستحق التوقف: هل كل أصل تملكه الدولة يصلح أصلًا للمقايضة؟
موقف الحكومة من مقايضة قناة السويس
بيان مجلس الوزراء وضع حدًا واضحًا للجدل بشأن قناة السويس، مؤكدًا أن الطرح المتداول يمثل رؤية شخصية لصاحبه ولا يعكس سياسة حكومية. والأهم أن الحكومة قالت إن أفكارًا لمقايضة أصول عامة بالمديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة. وانتهت الجهات المعنية إلى عدم ملاءمة تطبيقها وعدم إدراجها ضمن سياسات إدارة الدين العام. كما أكدت الحكومة أن قناة السويس ليست محلًا لأي مقترح لمقايضتها أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات. ووصفتها بأنها مرفق عام استراتيجي يرتبط بالأمن القومي والسيادة المصرية ودورها في الاقتصاد والتجارة العالمية.
هل تخفض مقايضة الأصول ديون مصر؟
هنا تكمن النقطة الاقتصادية الأهم ، تقول الحكومة إن نقل الأصول والمديونيات بين جهات الدولة لا يؤدي في حد ذاته إلى خفض الالتزامات على مستوى الدولة ككل؛ فالدولة قد تغير الجهة التي تحمل الأصل أو الدين، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا اختفاء الالتزام من حساباتها الإجمالية. ولهذا ترى الحكومة أن معالجة الدين تحتاج إلى التعامل مع هيكله وتكلفة خدمته والسيولة المحلية وتأثيراتها على السياسة النقدية والمالية. يجب أن يتم ذلك بالتوازي مع الحفاظ على كفاءة الأصول وتعظيم عوائدها.
ما قصة مديونية ماسبيرو؟
استند هيكل إلى تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام لدى بنك الاستثمار القومي، لكن مجلس الوزراء شدد على أن هذه العملية كانت معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، وفق طبيعة أصول والتزامات الجهتين، ولا يجوز اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة. وهنا يظهر الفارق: تسوية مديونية جهة حكومية محددة ليست بالضرورة وصفة لتصفير الدين العام للدولة.
أصول الدولة المصرية ليست كلها متساوية
وهذه هي المنطقة التي يغفلها كثير من النقاش ، فشركة مملوكة للدولة ليست كأرض، والأرض ليست كميناء، والميناء ليس كقناة السويس، والأصل التجاري ليس كأثر تاريخي. قد يكون بعض الأصول قابلًا للطرح أو الشراكة أو إعادة الهيكلة بهدف زيادة العائد. بينما ترتبط أصول أخرى باعتبارات استراتيجية أو سيادية أو قانونية تجعل التعامل معها مختلفًا جذريًا ، لذلك فإن عبارة «أصول الدولة» تبدو بسيطة، لكنها تخفي وراءها فئات مختلفة تمامًا من الملكية والقيمة والاستخدام.
الاستثمار في أصول الدولة ليس بيعًا
الحكومة نفسها تقول إن مسارها يقوم على تعظيم العائد من الأصول المملوكة للدولة من خلال سياسة ملكية الدولة وبرامج الطروحات والشراكة مع القطاع الخاص، بالتوازي مع تحسين المالية العامة وإطالة آجال الدين وخفض تكلفة خدمته. وهنا يجب التفريق بين ثلاثة أشياء: استثمار الأصل: زيادة قدرته على تحقيق عائد ، طرح حصة أو شراكة: إدخال مستثمر مع بقاء الدولة، كليًا أو جزئيًا، في هيكل الملكية وفق الحالة – مقايضة الأصل بالدين: استخدام قيمة الأصل مباشرة في تسوية التزام مالي ، النتيجة الاقتصادية والسيادية ليست واحدة في الحالات الثلاث.
أين تنتهي حدود أصول الدولة المصرية؟
سخرية علاء مبارك من فكرة «الأهرامات» تكشف، بطريقة غير مباشرة، جوهر المشكلة: القيمة المالية ليست المعيار الوحيد لقيمة الأصل. فقناة السويس تحمل قيمة اقتصادية هائلة، لكنها في الوقت نفسه مرفق استراتيجي وسيادي. والأهرامات تحمل قيمة تاريخية وحضارية لا يمكن اختزالها في سعر سوقي. وفي المقابل، توجد أصول وشركات وأراضٍ يمكن أن يكون السؤال بشأنها مختلفًا: هل إدارتها الحالية تحقق أفضل عائد؟ وهل يمكن تطويرها أو إدخال شريك أو طرح جزء منها دون الإضرار بالمصلحة العامة؟
السؤال الحقيقي ليس «هل ستبيع مصر قناة السويس؟»
هذا السؤال حسمته الحكومة بوضوح: لا توجد توجهات لمقايضة قناة السويس أو رهنها أو نقل ملكيتها مقابل مديونيات ، لكن السؤال الأهم ما زال قائمًا: كيف تستخدم مصر أصولها لتعظيم العائد وتقليل أعباء الدين، من دون تحويل الملكية العامة إلى مجرد أداة لسداد التزامات قائمة ؟ ، هنا تحديدًا ينتقل النقاش من «بيع الأصول» إلى كفاءة إدارة الأصول.
وهذه ربما تكون المعركة الاقتصادية الحقيقية: ليس كم تملك الدولة، وإنما كم تحقق من قيمة مما تملك، وما الذي يجب الاحتفاظ به، وما الذي يمكن تطويره أو طرحه أو إشراك القطاع الخاص فيه، وما الذي تتجاوز قيمته المالية حدود الحسابات الاقتصادية؟ ومن قناة السويس إلى الأهرامات، تبدو الإجابة واضحة: ليست كل أصول الدولة متساوية.. وليس كل ما يمكن تقييمه ماليًا يمكن اختزاله في رقم.


