القاهرة ، مصر ـ قرن يفصل بين أولى الاتفاقات المنظمة لمياه النيل وبين الوجود العسكري المصري في الصومال. لكن بين المحطتين تغيرت الجغرافيا السياسية للمنطقة: من صراع على حصص المياه إلى منافسة على السواحل والموانئ والممرات البحرية، وصولًا إلى البحر الأحمر وباب المندب. فهل أصبح الأمن المائي المصري يبدأ خارج مجرى النيل؟ ، هذه ليست فرضية تقول إن القاهرة أرسلت قواتها إلى الصومال بسبب سد النهضة؛ فلا يوجد ما يثبت ذلك رسميًا. لكنها محاولة لقراءة تزامن مسارين استراتيجيين: تمسك مصر بحقوقها ومصالحها المائية في النيل، وفي الوقت نفسه توسع حضورها السياسي والأمني في القرن الإفريقي، وهي منطقة تتقاطع فيها مصالح مصر مع أمن البحر الأحمر وقناة السويس.
من النيل إلى القرن الإفريقي
في ديسمبر 2024 أعلنت القاهرة أنها ستشارك بقوات في بعثة الاتحاد الإفريقي الجديدة في الصومال، بناءً على طلب الحكومة الصومالية وترحيب مجلس السلم والأمن الإفريقي. وبحلول فبراير 2026، دخلت المشاركة المصرية مرحلة التنفيذ، مع إعلان القاهرة إرسال قوات وأصول جوية إلى الصومال ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال «AUSSOM». وبذلك لم يعد التعاون المصري-الصومالي مقتصرًا على الدعم السياسي أو العسكري، وإنما أصبح لمصر وجود أمني معلن داخل دولة تقع في قلب القرن الإفريقي وعلى مقربة من خليج عدن وباب المندب. لكن أهمية الخطوة لا تأتي من الصومال وحده. إنها تأتي من موقع الصومال على خريطة المصالح المصرية.
قرن من «أمن النيل»
لفهم التحول الحالي، يجب العودة إلى الجذور. في 1902، تضمنت اتفاقية الحدود بين إثيوبيا والسودان تعهدًا إثيوبيًا بعدم إقامة أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو السوباط من شأنها إعاقة تدفق المياه، إلا وفق الشروط التي نص عليها الاتفاق. ثم جاءت ترتيبات 1929، التي أصبحت من أهم الأسس التاريخية التي تستند إليها القاهرة في دفاعها عن مصالحها المائية.
وفي 1959، وقعت مصر والسودان اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل، وحددت الاستخدامات المائية للبلدين بـ55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار للسودان.
لكن المشكلة الجوهرية ظلت قائمة: إثيوبيا ليست طرفًا في اتفاق 1959. ومن هنا بدأت المواجهة بين رؤيتين:
القاهرة والخرطوم: حقوق واستخدامات تاريخية واتفاقات قائمة. مقابل: دول المنبع: ضرورة إعادة صياغة نظام توزيع واستخدام مياه النهر وفق مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول.
2015.. محاولة بناء قواعد جديدة
كان إعلان مبادئ سد النهضة لعام 2015 محاولة لوضع إطار ثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان لإدارة القضية. وتضمن الإعلان مبادئ بينها التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون في ملء وتشغيل السد.
لكن الاتفاق النهائي بشأن قواعد الملء والتشغيل لم يتحقق. وفي سبتمبر 2025، وبعد افتتاح إثيوبيا سد النهضة رسميًا، عادت القاهرة إلى مجلس الأمن مؤكدة أن التشغيل الأحادي للسد لا يمكن أن يكون بديلًا عن اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد التشغيل والملء.
وفي المقابل، تقول إثيوبيا إن السد مشروع للتنمية وتوليد الكهرباء ولا يستهدف الإضرار بمصر أو السودان. وهكذا انتقل الخلاف من اتفاقات المياه إلى سؤال أكبر: من يملك حق تحديد قواعد استخدام النهر عندما يعبر حدود عدة دول؟ ثم تغيرت الخريطة بينما بقي ملف سد النهضة مفتوحًا، بدأت منطقة القرن الإفريقي نفسها تتغير.
إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، أعادت الوصول إلى البحر إلى صدارة أجندتها الاستراتيجية. وفي يناير 2024، وقعت أديس أبابا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال بشأن الوصول إلى الساحل، وهو ما فجّر أزمة مع مقديشو التي اعتبرت الاتفاق مساسًا بسيادتها ووحدة أراضيها. وبذلك أصبح البحر الأحمر والقرن الإفريقي جزءًا من معادلة جديدة:
إثيوبيا تريد الوصول إلى البحر.
الصومال يتمسك بسيادته على أراضيه وسواحله.
مصر تدعم وحدة الصومال.
وقناة السويس تعتمد على استقرار الطريق البحري جنوب البحر الأحمر.
هنا تبدأ الخريطة في الاتساع.
مصر والصومال.. من السياسة إلى الأمن
في أغسطس 2024 وقعت مصر والصومال اتفاق تعاون عسكري. وبعد أيام، بدأت القاهرة إرسال مساعدات عسكرية إلى مقديشو، في خطوة قالت رويترز إنها جاءت في ظل التقارب المتزايد بين البلدين والتوترات مع إثيوبيا. وفي أكتوبر من العام نفسه، اجتمع رؤساء مصر والصومال وإريتريا في أسمرة، واتفقوا على تعزيز التعاون لدعم الجيش الصومالي في مواجهة الإرهاب وحماية الحدود البرية والبحرية.
وهنا ظهرت للمرة الأولى بصورة واضحة حلقة استراتيجية ثلاثية:
مصر
الأمن المائي + البحر الأحمر + قناة السويس.
الصومال
السيادة + مكافحة الإرهاب + حماية السواحل.
إريتريا
البحر الأحمر + أمن الساحل الغربي للمنطقة.
وفي المقابل تقف إثيوبيا في مركز عدد من هذه الملفات:
النيل، والبحر، والصومال، وإريتريا.
لكن هل الهدف «محاصرة إثيوبيا»؟
نعم، هناك تحليلات ربطت التقارب المصري-الصومالي بالتنافس مع إثيوبيا، وبعضها ذهب إلى احتمال تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة.
لكن القاهرة تقدم وجودها في الصومال باعتباره دعمًا للدولة الصومالية ومكافحة الإرهاب والمشاركة في مهمة إفريقية متعددة الأطراف. كما أن وجود القوات المصرية ضمن AUSSOM يضعها داخل إطار مؤسسي إفريقي، وليس في مهمة مصرية منفردة معلنة ضد إثيوبيا. والأكثر دلالة أن إثيوبيا نفسها تشارك في ترتيبات أمنية داخل الصومال.
السؤال الذي لا تطرحه الخرائط التقليدية
عادةً عندما نتحدث عن الأمن المائي المصري، نرسم:
إثيوبيا → سد النهضة → السودان → مصر.
لكن الخريطة الجديدة تحتاج إلى إضافة:
إثيوبيا ـ القرن الإفريقي ـ الصومال ـ خليج عدن ـ باب المندب ـ البحر الأحمر ـ قناة السويس
وهنا تتغير صياغة السؤال:
هل أصبح الأمن المائي المصري يبدأ خارج مجرى النيل؟
«الأمن المائي» لم يعد مجرد كمية مياه
بالنسبة لمصر، قضية المياه ليست ملفًا اقتصاديًا عاديًا. وزارة الخارجية المصرية تصف الأمن المائي بأنه من أولويات الأمن القومي، وتؤكد أهمية حماية الحقوق والمصالح المائية المصرية. لكن في البيئة الإقليمية الجديدة، حماية المصالح لا تعني بالضرورة تحريك القوات لحماية المياه.
هناك طبقات أخرى:
القانون الدولي ثم الدبلوماسية ثم الشراكات الإفريقية ثم الأمن الإقليمي ثم أمن البحر الأحمر ثم حماية طرق الملاحة المرتبطة بقناة السويس. وبهذا المعنى يمكن القول إن القاهرة توسع دائرة إدارة المخاطر حول مصالحها.
المفارقة: مصر وإثيوبيا داخل الصومال
أكثر ما يجعل المشهد مثيرًا أن القاهرة وأديس أبابا ليستا مجرد طرفين متنافسين في ملفات إقليمية. القوات الإثيوبية والمصرية أصبحتا موجودتين ضمن ترتيبات أمنية مرتبطة بالصومال. وهذا يخلق وضعًا غير معتاد: الدولتان المتنافستان حول مياه النيل تتحركان في مسرح أمني واحد داخل القرن الإفريقي. لكن وجودهما هناك لا يعني بالضرورة مواجهة مباشرة.
بل يمكن أن يتحول الصومال إلى: مساحة للتنافس أو مساحة لتجنب المواجهة أو مساحة جديدة للوساطة. وهنا تكمن أهمية الملف. البحر الأحمر يدخل المعادلة
تطور آخر يجعل الربط أكثر أهمية. القرن الإفريقي لم يعد ملفًا إفريقيًا محضًا. فهو يتصل بأمن البحر الأحمر، وباب المندب، وحركة التجارة العالمية. كما أن التوترات المتزايدة حول البحر الأحمر جعلت أمن الممرات البحرية قضية دولية. وتقول رويترز إن أهمية البحر الأحمر الاستراتيجية ارتفعت في ظل التوترات الإقليمية والتنافس على النفوذ في المنطقة. بالنسبة لمصر، المعادلة واضحة:
باب المندب غير المستقر يمكن أن يؤثر على البحر الأحمر ، والبحر الأحمر يؤثر على قناة السويس ، وقناة السويس جزء أساسي من الأمن الاقتصادي المصري. وهنا يصبح الأمن القومي المصري أوسع بكثير من قضية سد النهضة.
ثلاث دوائر تتحرك في وقت واحد
يمكن تلخيص السياسة المصرية الحالية في القرن الإفريقي بثلاث دوائر:
الدائرة الأولى | النيل
الدفاع عن المصالح والحقوق المائية والتوصل إلى ترتيبات ملزمة بشأن سد النهضة.
الدائرة الثانية | القرن الإفريقي
تعزيز العلاقات مع الصومال وإريتريا ودول المنطقة ودعم استقرار الصومال.
الدائرة الثالثة | البحر الأحمر
حماية المصالح المرتبطة بالملاحة وقناة السويس ومنع تحوّل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ تهدد الاستقرار الإقليمي.
وهذه الدوائر الثلاث لا تتطابق، لكنها تتقاطع.
ما الذي تغير خلال قرن؟
يمكن اختصار التحول في خمسة مشاهد: 1902 اتفاق حدودي يتضمن نصًا يتعلق بتدفق النيل. 1929 ترتيبات مائية كرست جانبًا من المصالح المصرية التاريخية. 1959 اتفاق مصري-سوداني يحدد استخدامات البلدين. 2015 إعلان مبادئ سد النهضة يحاول إنشاء إطار جديد بين مصر والسودان وإثيوبيا. 2024–2026 مصر توسع شراكتها الأمنية مع الصومال وتشارك بقوات في مهمة الاتحاد الإفريقي. المسافة بين المشهد الأول والأخير أكثر من قرن. لكن السؤال واحد: كيف تحمي مصر مصالحها في منطقة تتغير حدود نفوذها أسرع من تغير مجرى النهر؟
السيناريوهات المقبلة
- احتواء عبر الدبلوماسية
تستمر مصر في الجمع بين الضغط السياسي والتفاوض، مع تجنب تحويل التنافس مع إثيوبيا إلى مواجهة عسكرية مباشرة. - اتساع شبكة الشراكات
يتحول التعاون مع الصومال وإريتريا ودول أخرى إلى شبكة أمنية وسياسية أوسع في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. - صعود التنافس الإقليمي
إذا تزامنت أزمة سد النهضة مع أزمة جديدة حول الوصول الإثيوبي إلى البحر أو التنافس على الموانئ، فقد تصبح الملفات مترابطة بصورة أكبر. - السيناريو الأكثر إيجابية
تحول القرن الإفريقي من ساحة تنافس إلى مساحة ترتيبات إقليمية تشارك فيها مصر وإثيوبيا والصومال ودول البحر الأحمر، بحيث يصبح الأمن المائي والبحري جزءًا من منظومة تعاون لا صراع.


