- ما هو «IMEC»؟
- لماذا حيفا؟
- لكن المفاجأة ليست في السكك الحديدية
- إسرائيل تقول: «بوابة إلى أوروبا»
- عنق الزجاجة: قدرة حيفا
- العقبة الأكبر ليست اقتصادية
- إسرائيل نفسها تخشى أن يتم تجاوزها
- مصر ليست خارج الحسابات
- وهل يمكن لـIMEC أن يحل محل قناة السويس؟
- لماذا لا تختفي قناة السويس إذن؟
- المعركة الحقيقية: «شبكة» وليس «قناة»
- البعد الذي لا يظهر في العناوين: الطاقة
- ماذا تريد إسرائيل في النهاية؟
- لكن هناك اختبارًا قاسيًا أمام المشروع
- «حيفا» ليست بديلًا جاهزًا للسويس
القاهرة ، مصر – تتحرك إسرائيل لتثبيت موقع ميناء حيفا باعتباره إحدى أهم الحلقات في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا «IMEC»، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز المنافسة التقليدية بين الموانئ، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل بعض مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا. وفي مايو 2026، عرضت وزارة النقل الإسرائيلية «الخطة الوطنية الرئيسية للتجارة الدولية» ورؤية «ممرات السلام» المرتبطة بـIMEC، واضعة ميناء حيفا في قلب تصور لتحويل إسرائيل إلى مركز لوجستي يربط بين الشرق والغرب. لكن المشروع، رغم طموحه، لا يعني أن إسرائيل أصبحت قادرة على استبدال قناة السويس، ولا أن حيفا باتت بديلًا جاهزًا للممر البحري المصري. فالواقع أكثر تعقيدًا. المنافسة الحقيقية ليست بين ميناءين فقط، وإنما بين شبكات نقل كاملة تتنافس على تحديد الطريق الذي ستسلكه التجارة الآسيوية إلى أوروبا خلال العقود المقبلة.
ما هو «IMEC»؟
أُعلن عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا خلال قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023. والتصور الأساسي يقوم على إنشاء شبكة متعددة الوسائط تربط الهند بدول الخليج، ثم تمتد برًا عبر السعودية والأردن إلى إسرائيل، قبل أن تنتقل البضائع بحرًا إلى أوروبا. وفي التصور الإسرائيلي الحالي، يمثل ميناء حيفا الحلقة البحرية الرئيسية في نهاية المسار البري. وتوضح وثيقة طلب معلومات منشورة في مارس/آذار 2026 مرتبطة بمشروع تطوير خليج حيفا أن التصور يشمل نقل البضائع من الموانئ الهندية إلى الإمارات بحرًا، ثم عبر السكك الحديدية من الإمارات والسعودية والأردن إلى ميناء حيفا، ومنه إلى موانئ أوروبية. كما تضع الوثيقة ضمن أهداف المشروع تقليص زمن النقل بنحو 40% وتكاليف الخدمات اللوجستية بنحو 30%، إلى جانب إنشاء بنية للطاقة والاتصالات الرقمية. لكن هذه الأرقام تمثل أهدافًا أو تقديرات للمشروع، وليست نتائج تشغيلية مثبتة على نطاق تجاري واسع حتى الآن.
لماذا حيفا؟
بالنسبة لإسرائيل، لا يتعلق الأمر فقط بزيادة حركة الحاويات ، الهدف المعلن هو تحويل البلاد من نقطة نهاية جغرافية إلى عقدة داخل شبكة تجارة دولية. وفي الخطة التي طرحتها وزارة النقل الإسرائيلية، يلعب ميناء حيفا دور الحلقة البرية–البحرية التي تربط دول الخليج بالبحر المتوسط. كما تتضمن الخطط الإسرائيلية تطوير شبكة السكك الحديدية وممرات النقل البرية التي تربط منطقة حيفا ببيت شان والحدود الأردنية، بما يسمح نظريًا بربطها بالشبكة الإقليمية المستقبلية. وتشير وثيقة مشروع خليج حيفا إلى أن خط السكك الحديدية ومنطقة معبر نهر الأردن يمثلان عنصرين أساسيين في التصور الإسرائيلي للممر. وبالتالي، فإن حيفا ليست المشروع كله؛ إنها نهاية عقدة لوجستية تعتمد على نجاح البنية التحتية الواقعة شرق إسرائيل أيضًا.
لكن المفاجأة ليست في السكك الحديدية
الجزء الأقل ظهورًا في الصور الإعلامية للمشروع يوجد في البنية الرقمية. فالاتحاد الأوروبي أعلن أن «الممر الرقمي بين أوروبا وأفريقيا والهند» يمثل تطبيقًا عمليًا لمفهوم IMEC. وفي قلب المشروع يأتي كابل Blue-Raman البحري المخطط له، بطول نحو 11,700 كيلومتر، لربط أوروبا بالهند مرورًا بالشرق الأوسط وشرق أفريقيا. ووفق المفوضية الأوروبية، فإن المشروع يهدف إلى توفير اتصال رقمي عالي السرعة وآمن ومتنوع على طول المسار الجغرافي للممر. وهذا يغير طبيعة المشروع بالكامل. فالممر لا يتعلق فقط بالحاوية. إنه يجمع بين: البضائع + السكك الحديدية + الموانئ + الطاقة + البيانات + الاتصالات ، أي أن المعركة المحتملة لا تتعلق فقط بمن يمرر التجارة، بل بمن يمتلك البنية التحتية التي تدير التجارة وتربطها رقميًا.
إسرائيل تقول: «بوابة إلى أوروبا»
الخطاب الإسرائيلي حول المشروع واضح. فوزارة الخارجية الإسرائيلية وصفت IMEC بأنه مشروع يمكن أن يحول إسرائيل واليونان إلى «مفترق طرق» يربط الشرق بأوروبا، مؤكدة أن الحكومة الإسرائيلية تعمل على تسريع المشاريع المرتبطة بالممر. وفي الداخل الإسرائيلي، يجري التعامل مع المشروع باعتباره فرصة لإعادة تموضع حيفا والمناطق الشمالية على خريطة التجارة العالمية. لكن هنا تظهر أول مشكلة جوهرية: هل البنية التحتية الحالية في حيفا قادرة على استيعاب الدور الذي تطمح إسرائيل إليه؟
عنق الزجاجة: قدرة حيفا
تشير دراسة حديثة لمعهد الشرق الأوسط إلى أن قدرة الموانئ الإسرائيلية تمثل أحد القيود الرئيسية أمام IMEC. وتقدر الدراسة قدرة ميناء حيفا بنحو 1.5 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدمًا «TEU» سنويًا، وتعتبر حيفا أصغر عقدة في المسار المقترح بفارق كبير مقارنة ببعض الموانئ الخليجية. للمقارنة، تشير الدراسة إلى أن طاقة ميناء جبل علي في الإمارات تتجاوز طاقة حيفا بأكثر من عشرة أضعاف. وهذا يعني أن السؤال ليس: هل تستطيع حيفا استقبال قطار محمل بالحاويات؟ ، بل: هل تستطيع حيفا أن تصبح عقدة رئيسية في شبكة تجارة بحجم القارة؟ ، والإجابة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الميناء والسكك الحديدية والمخازن والجمارك والربط البحري.
العقبة الأكبر ليست اقتصادية
حتى لو حُلَّت مشكلة الميناء والسكك الحديدية، يبقى السؤال السياسي. المسار البري الأساسي للممر يحتاج إلى المرور عبر: الإمارات → السعودية → الأردن → إسرائيل ، وهذا يجعل نجاحه مرتبطًا بدرجة كبيرة بالاستقرار السياسي والتنسيق بين هذه الدول. كما أن التطبيع السعودي–الإسرائيلي يمثل عنصرًا حساسًا في اكتمال التصور الأصلي للمشروع. ويشير معهد الشرق الأوسط إلى أن الحرب الإقليمية والتعقيدات السياسية عطلت تقدم المشروع، وأن استكمال خط السكك الحديدية من شمال السعودية إلى إسرائيل يحتاج إلى حل سياسي وأمني لم يتحقق بعد. وبالتالي: IMEC ليس مشروع بنية تحتية فقط؛ إنه مشروع يحتاج إلى بيئة سياسية تسمح للبنية التحتية بالعمل.
إسرائيل نفسها تخشى أن يتم تجاوزها
وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية. في الوقت الذي تريد فيه إسرائيل أن تجعل حيفا مركزًا للممر، يناقش محللون ومؤسسات دولية إمكانية بناء شبكة أوسع من المسارات يمكن أن تتجاوز إسرائيل إذا تعذر تنفيذ المسار الأصلي. ويشير تقرير حديث للمجلس الأطلسي إلى أن تصور IMEC الأصلي ما زال غير مكتمل، وأن البدائل المحتملة تشمل مصر وسوريا عبر الأردن وعُمان، إلى جانب مسارات أخرى داخل المنطقة. ويخلص التقرير إلى أن مستقبل الممر قد يكون أقرب إلى شبكة ممرات متعددة بدل خط واحد ثابت. وهذه نقطة مهمة للغاية ، فإذا أصبح IMEC شبكة وليس خطًا واحدًا، فإن السؤال سيتحول من: هل تنافس حيفا قناة السويس؟ إلى: أي ميناء سيصبح العقدة الأكثر كفاءة داخل الشبكة؟
مصر ليست خارج الحسابات
رغم أن مصر ليست ضمن الدول الموقعة على التصور الأصلي للممر، فإن موقعها الجغرافي وموانئها يجعلها مرشحًا طبيعيًا لأي إعادة تصميم للمسارات. وتشير دراسة صادرة عن مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية المصري بالتعاون مع مؤسسة Observer Research Foundation إلى تصور لإدماج مصر في إطار موسع للممر، مع استخدام موانئ مثل الإسكندرية وسفاجا لتوفير بدائل للمسار المرتبط بحيفا ، الدراسة تعرض تصورًا لمسار مصري يمكن أن يقلل الاعتماد على حيفا، كما تناقش حلولًا للنقل البحري والبري داخل شبكة إقليمية أوسع. كما يشير تحليل حديث لـORF إلى أن حرب غزة عطلت تنفيذ IMEC بصورته الأصلية، وأن فكرة «IMEC مع مصر» حظيت بدعم مصري وفرنسي بوصفها مسارًا بديلًا لتعزيز الاتصال بين الشرق والغرب. وهنا تصبح المنافسة أكثر تعقيدًا. فمصر لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة IMEC. تمكنها، نظريًا، أن تصبح جزءًا من النسخة الموسعة منه.
وهل يمكن لـIMEC أن يحل محل قناة السويس؟
الإجابة الحالية ، ليس بصورة كاملة ، السبب فيزيائي قبل أن يكون سياسيًا. قناة السويس تسمح للسفينة نفسها بالانتقال بين البحر الأحمر والبحر المتوسط دون تفريغ حمولتها ونقلها إلى قطار ثم إعادة تحميلها على سفينة أخرى. أما IMEC فيعتمد على نموذج متعدد الوسائط: سفينة → ميناء → قطار → حدود → قطار → ميناء → سفينة ، كل عملية انتقال تعني تكاليف إضافية ومناولة وتنسيقًا جمركيًا وزمنًا ومخاطر تشغيلية. ولهذا لا يمكن مقارنة المسارين بمجرد القول إن أحدهما «أسرع» من الآخر. المقارنة الحقيقية يجب أن تكون بين: تكلفة الحاوية الواحدة + زمن الرحلة الكلي + عدد عمليات المناولة + المخاطر الأمنية + الرسوم + موثوقية المسار.
لماذا لا تختفي قناة السويس إذن؟
لأنها لا تزال ممرًا بحريًا مباشرًا ذا قدرة هائلة على التعامل مع حركة الحاويات والطاقة والبضائع السائبة. كما أن أي شركة نقل عالمية لا تختار مسارًا جديدًا لمجرد أن حكومات تريد إنشاءه. الشركات تختار المسار الذي يحقق: أقل تكلفة + أعلى موثوقية + أقل مخاطر + أفضل زمن. ولهذا فإن نجاح IMEC لن يكون سياسيًا فقط. سيكون اختبارًا تجاريًا.
المعركة الحقيقية: «شبكة» وليس «قناة»
وهنا تتضح الصورة ، إسرائيل تريد حيفا – الإمارات تملك أحد أهم المراكز اللوجستية العالمية – السعودية تقع في قلب الجسر البري المقترح – الأردن يمثل حلقة وصل – مصر تمتلك قناة السويس وموانئ المتوسط والبحر الأحمر – الهند تريد مسارات أكثر تنوعًا إلى أوروبا – وأوروبا تريد تقليل مخاطر الاعتماد على نقاط الاختناق ، وبالتالي، فإن IMEC يمكن أن يتحول إلى منافسة إقليمية على عقد الشبكة، وليس مجرد مشروع يهدف إلى إلغاء قناة السويس.
البعد الذي لا يظهر في العناوين: الطاقة
لا تتوقف رؤية IMEC عند التجارة. المشروع يتضمن أيضًا بنية للطاقة، بما في ذلك تصورات لنقل الطاقة النظيفة والهيدروجين من منطقة الخليج إلى الأسواق الأوروبية. وفي وثائق المشروع الإسرائيلي، يظهر عنصر الطاقة إلى جانب النقل والاتصالات الرقمية ضمن الركائز الأساسية للممر. وهذا يعني أن نجاح الممر يمكن أن يمنح بعض الدول دورًا في سلسلة القيمة الأوروبية للطاقة النظيفة، وليس فقط في نقل البضائع.وهنا تتضاعف أهمية المشروع استراتيجيًا.
ماذا تريد إسرائيل في النهاية؟
من خلال الخطط والتصريحات الإسرائيلية، يبدو أن الهدف يتجاوز عائدات عبور البضائع ، إسرائيل تريد أن تصبح: مركزًا لوجستيًا + بوابة متوسطية + عقدة رقمية + محطة طاقة + شريكًا تكنولوجيًا. وتكشف وثيقة طلب المعلومات الخاصة بمشروع خليج حيفا أن إسرائيل تنظر إلى الممر باعتباره مشروعًا متعدد الطبقات يشمل النقل والطاقة والرقمنة. وبهذا المعنى، فإن حيفا ليست مجرد «قناة سويس صغيرة».إنها محاولة لبناء عقدة اقتصادية جديدة.
لكن هناك اختبارًا قاسيًا أمام المشروع
حتى الآن، لم تتحول الرؤية إلى ممر تجاري متكامل يعمل بكامل طاقته. وتشير التحليلات المتخصصة إلى أن البنية التحتية العابرة للحدود، خصوصًا خطوط السكك الحديدية في الأردن والربط مع السعودية وإسرائيل، ما زالت تحتاج إلى استثمارات وترتيبات سياسية وأمنية كبيرة. كما أن المخاطر الأمنية في المنطقة يمكن أن ترفع تكاليف التأمين وتؤثر على ثقة شركات النقل. وهذا يضع المشروع أمام معادلة صعبة: كلما زادت الاضطرابات الإقليمية، زادت الحاجة إلى بدائل للممرات التقليدية؛ لكن كلما زادت الاضطرابات نفسها، أصبح إنشاء وتشغيل الممر الجديد أكثر صعوبة.
«حيفا» ليست بديلًا جاهزًا للسويس
المعطيات المتاحة لا تدعم حتى الآن القول إن إسرائيل بصدد «إلغاء قناة السويس». لكنها تدعم استنتاجًا أكثر دقة: إسرائيل تعمل على بناء حيفا كعقدة داخل شبكة تجارية جديدة، ويحتل IMEC موقعًا مركزيًا في هذه الرؤية. والمشروع لا يتعلق بالحاويات وحدها. إنه يجمع: التجارة والسكك الحديدية والموانئ والطاقة والبيانات والاتصالات.
وفي المقابل، فإن المسار يواجه عقبات حقيقية: غياب اكتمال الربط البري الإقليمي – التعقيدات السياسية بين السعودية وإسرائيل – المخاطر الأمنية – محدودية القدرة الحالية لحيفا مقارنة بالموانئ الخليجية الكبرى – الحاجة إلى استثمارات ضخمة – وجود بدائل إقليمية يمكن أن تتجاوز إسرائي ، أما قناة السويس، فما زالت تتمتع بميزة جوهرية: المسار البحري المباشر دون الحاجة إلى تفريغ الحاوية وإعادة تحميلها بين وسائل نقل متعددة.
لذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: «هل ستستبدل إسرائيل قناة السويس؟» بل: «هل تنجح إسرائيل في تحويل حيفا إلى عقدة لا غنى عنها داخل شبكة التجارة بين آسيا وأوروبا؟» ، وإذا نجحت، فلن تكون المعركة قد انتهت. بل ستكون قد بدأت ، لأن القرن الحادي والعشرين قد لا يشهد حربًا بين قناة وميناء، وإنما منافسة بين شبكات كاملة تتصارع على التحكم في حركة السلع والطاقة والبيانات بين القارات.
IMEC لا يمثل حتى الآن بديلًا مكتملًا لقناة السويس، لكنه يمثل محاولة جادة لإعادة توزيع بعض مسارات التجارة والقيمة اللوجستية بين آسيا وأوروبا. وحيفا هي الرهان الإسرائيلي الرئيسي في هذه المعادلة، بينما تمتلك مصر والإمارات والسعودية وغيرها أوراقًا جغرافية ولوجستية يمكن أن تحدد شكل الشبكة النهائية ، الرهان الحقيقي ليس على «من يهزم قناة السويس»، بل على «من يصبح العقدة التي لا يمكن للتجارة العالمية تجاوزها».


